عاشور، شاب جزائري في مارسيليا/مهاجرنيوز
عاشور، شاب جزائري في مارسيليا/مهاجرنيوز

عند بلوغه سن السادسة عشر، قرر الشاب الجزائري عاشور ترك بلده. وصل وحيدا إلى مدينة مرسيليا الفرنسية في العام 2017، وانخرط في أنشطة إحدى شبكات تجارة المخدرات في المدينة. كشف عاشور لمهاجر نيوز تفاصيل قصته وكيف وقع ضحية الشبكات الإجرامية كغيره من الكثير من الشباب القاصرين.

"لم أحتمل مشاهدة والدتي وهي تتعرض للضرب على يد والدي، كان عليّ أن أفعل شيئا ما. كنت أحاول الدفاع عنها باستمرار لكني تعرضت بدوري للعنف، فكان والدي يطردني من المنزل وأضطر مرارا إلى النوم في الشارع لعدة ليال، لم أتمكن من الذهاب إلى المدرسة بشكل دائم"، يستذكر *عاشور حياته السابقة في مدينة قسنطينة الجزائرية قبل أن يتخذ قرار الهجرة إلى أوروبا.

في نهاية 2016، توجه الشاب الجزائري إلى مدينة النبعة حيث تنشط حركة الهجرة غير الشرعية باتجاه السواحل الإيطالية، ويقول "كنت أحرص على الاحتفاظ بالمال الذي أجنيه من عملي كبائع متجول في أسواق المدينة، استطعت تمويل رحلتي بنفسي ودفعت للمهرب 500 يورو".

لم يكن عاشور يتجاوز الـ16 من عمره عندما وصل وحيدا إلى مرسيليا، ولم يمر وقتا طويلا قبل أن يتورط بتجارة المخدرات.

يروي عاشور قصته لمهاجر نيوز من داخل شقته الصغيرة التي تبعد بضعة أمتار عن محطة القطارات الرئيسية للمدينة، والتي تعد أحد معاقل تجار المخدرات لبيع الأنواع المختلفة من الحشيش إلى الكوكايين والهيرووين.

مشاق رحلة الهجرة من الجزائر إلى فرنسا

وعند سؤاله عن الطريقة التي وصل بها إلى أوروبا قبل نحو عامين، يحرص عاشور على ذكر أدق التفاصيل المتعلقة برحلته ويضحك قائلا "كان عليّ التركيز جيدا والانتباه لكل ما يدور من حولي، كنت أعلم أني أخاطر بحياتي. كان طول القارب ثلاثة أمتار وسعة المحرك 240 لترا، كان عليّ التأكد من أنه لدينا ما يكفي من وقود لأن الرحلة ستدوم لساعات عديدة".

ويضيف "انطلق المركب بنا عند الساعة 11 ليلا، كنا 15 شخصا وكان معنا امرأة واحدة. كان الأمر مرعبا، لم أستطع رؤية أي شيء من حولي". بعد مضي 23 ساعة، وصل عاشور أخيرا إلى جزيرة سردينيا الإيطالية، حيث أمضى بضعة أيام في العاصمة كالياري قبل أن يتجه إلى نابولي.

لحظات صمت قليلة تمر، ويستذكر عاشور "مررت بأوقات صعبة في إيطاليا، كان الجو شديد البرودة، كنت أنام في الشارع. لم أكن أريد البقاء هناك". قرر عاشور بعدها الالتحاق بمجموعة أشخاص كانوا يريدون الذهاب إلى النمسا، لكن جميع محاولاته لعبور الحدود باءت بالفشل، وبعد مرور شهر عاد إلى ميلانو.

الوجهة الثانية كانت إلى فرنسا، فتوجه إلى فانتميليا التي تبعد 7 كيلومترات عن الحدود الفرنسية، "كانت الثلوج تغطي الجبال، لذلك لم أكن أرغب بعبور الحدود سيرا على الأقدام. صعدت على متن أحد القطارات المتوجهة إلى مدينة منتون، لكن شرطة الحدود أوقفتني وأعادتني إلى إيطاليا".

في بداية العام 2017، نجح عاشور في محاولته الثانية ووصل إلى مدينة نيس الفرنسية، حيث تواصل عبر فيسبوك مع أحد أصدقائه الذي اقترح عليه المجيء إلى مرسيليا.

تجارة المخدرات

أمضى الشاب اليافع أيامه الأولى في شقة صديقه محاولا تخطي مرار معاناته في الجزائر. لكن الأمر لم يكن بتلك البساطة، فكان عليه أن يشارك صديقه بدفع إيجار المنزل وإيجاد مصدر دخل مادي.

من الناحية القانونية، تقع مسؤولية رعاية عاشور، كونه قاصر، على عاتق "قسم الدعم الاجتماعي للأطفال ASE"، تحت إشراف مجالس المقاطعات الفرنسية. وتعد فرنسا أحد الدول الموقعة على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي تنص في المادة 20 على أن "أي طفل محروم من بيئته الأسرية لمدة مؤقتة أو دائمة، [ ...] يحق له الحصول على حماية ومساعدة خاصة من الدولة". ويجب على تلك الدول توفير رعاية بديلة للأطفال، وفقا لتشريعها الوطني.


الشبكات الإجرامية تقوم بحملة تضليل حقيقية مع هؤلاء الأطفال الذين تعدهم بالحماية شرط الانصياع لأوامر الشبكة


بدأ عاشور ببيع السجائر في أحد أسواق المدينة، ويوضح "كنت أدفع 40 يورو لأحد الجزائريين الذي يدير شبكة لتهريب السجائر، وأحصل مقابلها على خرطوشة سجائر أبيعها بـ50 يورو. كنت أجني معدل 40 يورو يوميا".

بعد بضعة أسابيع، تطور الأمر إلى أن طلب منه مدير الشبكة بيع الحشيش، وسرعان ما تحول ذلك إلى التجارة بالكوكايين، "لم أكن أرغب حقا بفعل ذلك، إنها أحد الأشياء في الحياة التي يقوم بها الشخص دون رغبة أو وعي".

لم يكن برفقة الشاب أشخاص قادرين على مساعدته، ولم يكن على علم بحقوقه أو بوجود جمعيات تساعد المهاجرين. كان يعمد أعضاء شبكة المخدرات على تهديده باستمرار بأنه إذا لم يتصرف بشكل جيد معهم، فسيخبرون الشرطة بأنه بلا أوراق.

ويشير مصدر من القسم المعني بشؤون القاصرين في وزارة العدل أن "الشبكات تقوم بحملة تضليل حقيقية مع هؤلاء الأطفال الذين تعدهم بالحماية شرط الانصياع لأوامر الشبكة".

بحركة ثقيلة، يدير الشاب رأسه إلى اليمين ويرفع سترته الرياضية عن يده قائلا "ما زالت العلامة واضحة على وجهي، هنا تلقيت ضربة بكأس من الزجاج. وضربني أحد التجار على يدي بسكين لأني لم أتمكن من بيع البضاعة بسعر جيد".

حاول الإفلات من أيدي الشبكة الإجرامية

حاول عاشور تدارك الأمر والإفلات من أيدي الشبكة لكنه لم يكن صاحب القرار. بعد مرور بضعة أيام، ألقت الشرطة القبض عليه أثناء بيعه المخدرات. وتم احتجازه لمدة يومين قبل أن يطلق سراحه، لكنه إذا خرق القانون خلال السنوات الخمس القادمة، فسيحكم عليه بالسجن الفعلي لثلاثة أشهر.

وضعته السلطات الفرنسية تحت عهدة "الحماية القضائية للشباب" (التابعة لوزارة العدل) كونه قاصر، إلا أنه بقي لمدة 6 أشهر دون سكن، رغم وضعه الهش.

وتشير *سيلفي، المشرفة المسؤولة عن ملفه لدى  "الحماية القضائية للشباب"، أن عاشور تعاطى أيضا المخدرات عندما انخرط في تلك الشبكة، لكنه لم يرد إكمال تلك الحياة. وتصف الوقت الذي أمضاه في الشارع بأنه "كان تحديا كبيرا بالنسبة له، لكنه كان مصمما على الصمود، فكان يحرص على الذهاب لرؤية الطبيب النفسي باستمرار ويلتزم بتعليماته".


سهولة الحصول على المخدرات


ويلفت التقرير السنوي لبعثة وزارة العدل المعنية بالمهاجرين القاصرين المعزولين، إلى ارتفاع معدل ارتكاب القاصرين الجنح القانونية، نظرا لأنهم "كانوا يواجهون صعوبات بالفعل في بلدهم الأصلي، وغالبا ما يتم استغلالهم من قبل الشبكات الإجرامية".

وتكمن المشكلة في مرسيليا في سهولة الحصول على المخدرات، وتؤكد سيلفي أن "الكثير من الشباب يتعاطون مواد كالميثادون والريفوتريل والليريكا، ويفضلونها على باقي الأنواع لأنها رخيصة، فظرف الحبوب يباع بيورو واحد فقط. لكن لذلك تأثير مدمر على أولئك الصغار".

من الجانب النظري، يتوجب على المقاطعة التي يتواجد فيها المهاجر أن تتولى رعايته بمجرد الاعتراف به كقاصر، لكن آن غوتييه، الناشطة في شبكة التعليم بلا حدود، تقول لمهاجر نيوز "في مرسيليا لا يتم الالتزام بتلك التعليمات. ويتوجب على الشاب أن يمضي ثلاثة أشهر على الأقل في الشارع قبل أن يتم تقييم وضعه".


أنا اليوم مصمم على تحقيق حلمي وعيش حياة هادئة والعمل كمصفف شعر للرجال
_ عاشور، مهاجر جزائري في مارسيليا


إقليم بوش دو رون (الذي تتبع إليه مارسيليا) يعترف بأن التأخير في مدة تقييم المهاجرين ورعايتهم يتزايد بشكل ملحوظ. والمبرر هو تدفق القاصرين إلى مرسيليا، بحسب بريجيت ديفيزا، المستشارة المنتدبة إلى إدارة شؤون الأطفال. وتوضح ديفيزا أن "المدينة استقبلت 804 من المهاجرين القصر غير المصحوبين بذويهم خلال 2018، في حين أن عددهم كان بالكاد يصل إلى 60 قاصرا في عام 2015". وتختم بالقول "نتوقع ازدياد هذه الأرقام خلال العام 2019".

ينظر عاشور إلى شاشة هاتفه المحمول التي تظهر فيها صورة قديمة له بجانب والدته ويقول "لقد اتخذت خيارات خاطئة عندما وصلت إلى مارسيليا، لكني كنت ضائعا. كل هذا من الماضي الآن، أنا اليوم مصمم على تحقيق حلمي وعيش حياة هادئة والعمل كمصفف شعر للرجال".

وعلى الرغم من قرب شقته من المحطة، إلا أن تجربة المخدرات تبدو من الماضي البعيد بالنسبة له، إذ يسعى عاشور اليوم جاهدا إلى عيش حياة طبيعية وإكمال دراسته والسعي لتحقيق حلمه.


*تم تغيير الأسماء

 

للمزيد