التأم شمل هذه العائلة الإريترية في سويسرا بعد ثماني سنوات من البعد. (مصدر الصورة: مفوضية شؤون اللاجئين)
التأم شمل هذه العائلة الإريترية في سويسرا بعد ثماني سنوات من البعد. (مصدر الصورة: مفوضية شؤون اللاجئين)

يتزايد عدد الأطفال الذين تركهم أهاليهم خلفهم في بلدانهم ولجؤوا إلى أوروبا، ويريدون لم شملهم ولحاق أطفالهم بهم بعد حصلوهم على حق اللجوء. لكن الأمر ليس سهلا، سيما وأن القوانين الخاصة بلم شمل عوائل اللاجئين تزداد تعقيدا وتشديدا في العديد من البلدان الأوروبية، كما تقول منظمات دولية.

مطار جنيف في نيسان/ أبريل عام 2018: ترتمي خديجة (15 عاماً) في حضن والدتها سميرة ثم تضع رأسها على كتفها الأيمن، بينما يتردّد أخوها يونس (12 عاماً) في الاقتراب من والدته إلى أن تومئ له بذلك وتفتح ذراعها اليسرى وتضمه إلى صدرها. مشهد مليء بالمشاعر يظهر في شريط فيديو لمفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.
كانت آخر مرة رأى فيها يونس والدته عندما كان في الثالثة أو الرابعة من العمر. تقول إيميليا ريتشارد، المستشارة القانونية في المنظمة الدولية للخدمات الاجتماعية في سويسرا، والتي أشرفت على لم شمل الأطفال مع والدتهم اللاجئة في سويسرا: "ربما لا يتذكرها جيداً".
ورغم أن لقصة لم شمل أطفال سميرة نهاية سعيدة، فإن الكثير من القصص الأخرى لا تكون نهايتها هكذا، حسب ما تقول ريتشارد، التي تضيف أن العديد من المنظمات الدولية لا تستطيع تحديد مكان الأطفال الذين يريدون الالتحاق بآبائهم اللاجئين في أوروبا في كثير من الأحيان، لأنهم يتعرضون للخطف أو السجن على طريق الوصول إلى أوروبا، مشيرة إلى أن الحروب والصراعات تجبر الأطفال على الفرار من بلدانهم ومحاولة الالتحاق بذويهم في أوروبا أملاً بحياة أفضل.

ابتهاج مبطن بصدمات نفسية

وحتى بالنسبة للأطفال الذين يتمكّنون من اللحاق بآبائهم في أوروبا فإن مشاعر الحزن لديهم لا تنتهي بسرعة. وتوضح ريتشارد أن العديد من الأطفال الذين تم لم شملهم يعانون من "صدمات نفسية شديدة"، والتي قد تستغرق معالجتها سنوات طويلة. وقد أرسلت ريتشارد كلاً من خديجة ويونس إلى طبيب نفسي لأنها كانت "قلقة بعض الشيء" بشأن حالتهم النفسية.
فرحلة اللجوء تؤدي إلى إصابة الكثير من البالغين بصدمات نفسية، فما بالك بالأطفال غير المصحوبين؟ تبدأ ريتشارد بسرد تفاصيل حياة الطفلين، وتقول: تركتهم والدتهم مع جديهما في أريتريا قبل ثماني سنوات وغادرت إلى سويسرا على أمل نيل حق اللجوء "في غضون شهور"، كما كانت تعتقد، ولم شمل أطفالها فيما بعد. لكن الأمر استغرق أكثر بكثير من المتوقع. تقول ريتشارد: "هذه هي الحقيقة القاسية".

وقد حاولت سميرة في بداية قدومها القيام بلم شمل أطفالها، لكن تم رفض ذلك "لأنها لم تكن تستوفي المعايير"، كما تقول ريتشارد. ففي ذلك الوقت كان لديها تصريح إقامة مؤقت من النوع (F)، حيث لم يتم منحها اللجوء السياسي، وإنما الحماية الإنسانية. ومعايير لم شمل العائلة في سويسرا هي مرور ثلاث سنوات على الأقل من الإقامة في البلاد، بالإضافة إلى الاستقلال المالي عن طريق الحصول على وظيفة مثلاً، وتوفر بيت مناسب يكفي أفراد العائلة.
وتوضح ريتشارد: "قواعد لم الشمل صارمة جداً في سويسرا"، مشيرة إلى أن هذا الموضوع يخص الكثير من اللاجئين، وتضيف: "وهذا يعني أن هناك المزيد من الأطفال غير المصحوبين بعيدون عن أهلهم ومعرضون لخطر الاختفاء"، وتتابع: "برأيي أن أحد أسباب هذه الظاهرة هو صرامة قوانين الهجرة في أوروبا".
يضطر الكثير من الأطفال للهرب من أريتريا نتيجة العنف
رحلة العذاب: خطف وفدية
في عام 2015، اضطر يونس وخديجة للفرار من أريتريا لانعدام الأمن، عندها فقدت أمهم الاتصال معهم لشهور طويلة، كما يقول طارق أرغاز من مفوضية اللاجئين (والذي كان له دور في عملية لم الشمل). ويضيف أرغاز: "بعد أن عبر الأطفال الحدود مع إثيوبيا بدأ عمهم بالبحث عنهم هناك".
وفي نهاية المطاف عثر عليهم عمهم في مخيم للاجئين بالقرب من الحدود بين أريتريا وإثيوبيا. وفي عام 2017 بدأوا رحلتهم للالتحاق بوالدتهم في سويسرا، لكن بعد أشهر من التنقل بالشاحنات والحافلات "تم خطفهم من قبل المهربين على الحدود السودانية الليبية"، كما يقول أغاز. وعندما اكتشف المهربون أن والدة الأطفال تعيش في سويسرا، طلبوا فدية من أجل إطلاق سراحهم. لا تعرف ريتشارد كم كان المبلغ المطلوب بالضبط، لكنها تعرف أن مبالغ الفدية تصل إلى 50 ألف فرنك سويسري (حوالي 43 ألف يورو) في بعض الأحيان.
قالت سميرة للمفوضية: "لم أفقد الأمل في لم شملهم أبداً"، وعندما علمت عن اختطاف أطفالها، طلبت المساعدة من المنظمة الدولية للخدمات الاجتماعية. تقول ريتشارد: "تجد العديد من المنظمات صعوبة في تقديم المساعدة عندما يتعلق الأمر بفدية، فلا أحد يريد أن يدفع للمهربين ويدعم شبكاتهم".
لكن فيما بعد تم بيع الأطفال إلى مهربين آخرين، ثم تم إطلاق سراحهم "لأسباب غير معروفة"، كما ذكرت المفوضية. وبعد أن تاهوا في الصحراء الليبية صادفوا مجموعة من مواطني بلادهم والذين وضعوهم على متن زورق على أمل الوصول إلى إيطاليا، لكن تم اعتراضهم من قبل خفر السواحل الليبي الذي نقلهم إلى معسكر للاحتجاز في ليبيا.
عندها تمكّنت خديجة من الاتصال بوالدتها سميرة وأبلغتها أنهما (هي وأخوها) في مركز اعتقال بالقرب من البحر في ليبيا. شعرت الأم بالارتياح وأخبرت المنظمة الدولية للخدمات الاجتماعية بالتطور الجديد، والتي بدورها أبلغت فريق المفوضية في ليبيا الذي تمكّن من العثور على الأطفال.

التعاون سر النجاح
تقول ريتشارد: "إن نجاح القصة يعود للتعاون الكبير بين المنظمات"، وتضيف: " في هذه الحالة عملنا بشكل وثيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمفوضية السامية لحقوق الإنسان والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة والصليب الأحمر السويسري، بالإضافة إلى تعاون على المستوى الوطني مع سلطات الهجرة في سويسرا".
موظفان من فريق مفوضية اللاجئين في ليبيا يرافقان مهاجرين من أريتريا في ليبيا. (مصدر الصورة: مفوضية اللاجئين)
في الفيديو الذي نشرته المفوضية يظهر الطفلان وهما يلعبان بألعاب مخصصة للأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم خمس سنوات، ورغم أن ريتشارد ترى أن هذا المشهد يبدو جميلاً، لكنها تشير إلى أنه يعبّر عن الصدمة التي تعرّضوا لها وعن رغبتهم في العودة إلى لحظات افتقدوها.

تتلقّى المنظمة الدولية للخدمات الاجتماعية في سويسرا المزيد من طلبات لم شمل أطفال اللاجئين، كما تقول ريتشارد، وتضيف: "قمنا بإتمام 30 حالة مشابهة في العام الماضي"، لكنها تشير إلى أن العديد من الطلبات لم يتم الانتهاء منها بعد.
وتحاول المنظمة "مساعدة أي شخص يطرق أبوابها"، كما تقول، حيث أن لديهم شبكة واسعة من العلاقات في أكثر من 120 بلداً، كما أنها تعمل بشكل وثيق مع منظمات أخرى مثل الصليب الأحمر والمفوضية السامية لحقوق الإنسان والمنظمة الدولية للهجرة من أجل لم شمل عوائل اللاجئين.

معاناة لا تنتهي
تقدّر المنظمة في تقرير نشرته عام 2017 أن هناك حوالي 40 مليون مهاجر دون سن العشرين، ويشكّل المهاجرون اليافعون من إفريقيا غالبيتهم بنسبة تصل إلى 34%. في عام 2015 كان 29% من جميع طالبي اللجوء في الاتحاد الأوروبي أطفالاً، و14% منهم لا تتجاوز أعمارهم 14عاما. كما يشكل الأطفال ثلث ضحايا الاتجار بالبشر، وحتى بعد وصول الكثير منهم إلى بلدان أمنة، فإن معاناتهم لا تنهي، كما يقول التقرير.
وتقول المنظمة الدولية للخدمات الاجتماعية إنها تحاول أن تقوم بما هو أفضل لمصلحة الطفل، ففي بعض الأحيان توصلهم إلى عوائلهم في أوروبا، وتضطر أحياناً أخرى إلى تحسين أوضاع الأطفال في بلدانهم الأصلية أو تنقلهم إلى أماكن أكثر أمناً.
لاجئون من إريتريا يحتفلون بوصولهم إلى أوروبا بعد أن تم إنقاذهم من البحر
رحلة طويلة
وحتى بعد وصول خديجة ويونس إلى سويسرا فإن وضعهما لم يستقر، حيث يمرّان بعملية اللجوء الطويلة. يقول ريتشارد: "قد يستغرق الأمر سنتين أو ثلاث سنوات". ويأمل أفراد العائلة أن يحصلوا على تصريح الإقامة (B) والتي تعني الاعتراف بهم كلاجئين.
وفي حال تحققت آمالهم وتم الاعتراف بهم كلاجئين، يمكنهم الحصول على الإقامة الدائمة (
C) بعد خمس سنوات. وبعد 10 سنوات من الاعتراف بهم كلاجئين، يمكنهم طلب الجنسية السويسرية.
وبعد أن توقف تعليم الأطفال لعدة سنوات، بسبب الظروف التي مروا بها، يمكنهم الذهاب إلى المدرسة مجدداً، حيث يتعلمان الآن اللغة الفرنسية ويحضران "دروس ترحيب" خاصة، كما يتم تقديم الخدمات الطبية والنفسية لهما. تقول ريتشارد: "الكانتون يعتني بهم بكل تأكيد". وقد دخلت قوانين جديدة في سويسرا حيز التنفيذ في الأول من آذار/ مارس 2019 لتسريع عمليات البت بطلبات اللجوء. وتشير ريتشارد إلى أن هذه القوانين قد تساعد في تسريع البت بطلب لجوء العائلة.

تقول ريتشارد إن لم الشمل كان يتركز في البداية على الزوجين، وتضيف: "نحن الآن نقوم بلم شمل الأطفال"، مشيرة إلى أنهم يواجهون صعوبات في ذلك لأن الكثير من المهاجرين لا يحصلون على حق اللجوء التام. ومع ذلك فإن المنظمة الدولية للخدمات الاجتماعية في سويسرا "لا ترفض مساعدة طالبي اللجوء أيضاً"، كما تقول ريتشارد، وتتابع: "نعمل على جميع الطلبات التي تصلنا. أحياناً ينجح ذلك وأحياناً لا". وبالنسبة لسميرة وطفليها فإن "رحلتهم مازالت طويلة"  تقول ريتشارد.

إيما واليس/محيي الدين حسين

 

للمزيد