عناصر من الشرطة الإيطالية خلال عملية تفكيك المخيم في كالابريا في 6 آذار/مارس 2018. أرشيف
عناصر من الشرطة الإيطالية خلال عملية تفكيك المخيم في كالابريا في 6 آذار/مارس 2018. أرشيف

أصدرت المفوضية الأوروبية الأسبوع الماضي بيانا أثار الكثير من الجدل، حيث اعتبرت فيه أن "أزمة اللاجئين قد انتهت، ومازال أمام دول الاتحاد مواجهة مسائل بنيوية أخرى". البيان تطرق إلى ضرورة مواجهة الأخبار الكاذبة التي تحيط بقضية الهجرة. ولكن هل فعلا انتهت أزمة الهجرة؟ وما هو وضع المهاجرين حاليا، خاصة في دول جنوب أوروبا التي تحملت العبء الأكبر منذ بداية الأزمة عام 2015؟

في السادس من آذار/مارس الحالي، أعلنت المفوضية الأوروبية أن "أزمة اللاجئين التي تواجهها القارة منذ عام 2015 قد انتهت". وذكرت المفوضية أن نسبة أعداد الوافدين حاليا تشكل 10% فقط مقارنة بأعدادهم خلال السنوات الماضية.

تصريح يبدو أنه يشتمل على الكثير من التفاؤل، خاصة وأن الكثير من الخبراء ومنظمات الإغاثة لا يتشاركون نظرة المفوضية. ففي نفس اليوم الذي جاء فيه تصريح المفوضية، قامت السلطات الإيطالية بهدم مخيم للاجئين والمهاجرين في مدينة سان فرناندو في كالابريا جنوب إيطاليا.

وزير الداخلية ماتيو سالفيني، اليميني المتشدد، وصف الأمر عبر حسابه على تويتر بأنه تطبيق لسياسة الالتزام بإغلاق مراكز الاستقبال الكبير، إضافة إلى خفض المصاريف المترتبة عليها. وختم قائلا "هناك من يتكلم، وهناك من ينجز المهمات".

ما يحصل في إيطاليا حاليا لا يمت بصلة لعملية إغلاق مراكز الاستقبال الكبير والاستعاضة عنها بأخرى أصغر وذات تكاليف أقل، ما يحصل هو عملية تشريد متعمدة لأعداد كبيرة من البشر. فقبل إخلاء وتدمير مخيم كالابريا الذي كان يضم نحو 1500 مهاجر ولاجئ، تم إغلاق مركز استقبال كبير في مدينة كاستلنوفو دي بورتو بالقرب من روما، يؤوي نحو 500 مهاجر.

وفي تعليق على تلك العملية، قال سالفيني "أولئك الذين لهم الحق بالسكن سيتم نقلهم إلى مراكز أجمل".

ووفقا لـ"قانون سالفيني" الذي أقر في كانون الأول/ديسمبر الماضي، تم حرمان الكثير من المهاجرين ممن لا تنطبق عليهم شروط اللجوء من الحماية الإنسانية. وبالتالي بات هؤلاء، من كان يحق لهم في السابق الحصول على الحماية الإنسانية، مرميين في الشارع. وحتى من تمكنوا من الحصول على الحماية الإنسانية خلال إقرار القانون أو بعده، كان عليهم تحمل تبعاته.

لم يتغير الوضع كثيرا

المهاجرون الذين تم إخلاؤهم من المخيم يعيشون حاليا في العراء، أحدهم قال لمهاجر نيوز: "في إيطاليا بات الوضع صعبا جدا بالنسبة لنا. القوانين الجديدة رفعت من مستوى العنصرية تجاهنا. نشعر وكأننا تركنا وحدنا، لا نعلم أين نذهب. أنا كنت مقيما في ذلك المخيم، وكنت أعمل في الحقول المحيطة بالمدينة، الآن لا مكان يؤويني ولم أذهب للعمل منذ فترة".

وأضاف "بعض الذين كانوا مقيمين في المخيم هم من المهاجرين القاصرين، منهم من كانوا يتابعون دراستهم. هؤلاء قد يكونوا من أكثر المتضررين من إزالة المخيم، لا مكان لهم ليستريحوا أو يدرسوا...".

وشدد المهاجر، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، على أن الخطوة التي قامت بها السلطات لم تغير على أرض الواقع شيئا، "كل ما حصل هو انتقال غالبية من كانوا في المخيم بضعة أمتار بعيدا عن موقعه السابق. هناك نحو 400 منهم ممن انتقلوا إلى مناطق أخرى، 200 تم نقلهم إلى مركز استقبال آخر، ونحو 150 ممن يعملون في المناطق والحقول الزراعية القريبة انتقلوا للعيش بالقرب من أماكن عملهم".

وحول أعداد المهاجرين الذين كانوا في المخيم، قال محافظ منطقة ريجيو كالابريا ميشال دي باري "في الخامس من آذار/مارس كان هناك 1,592 مهاجرا في المخيم. 460 منهم رحلوا إلى أماكن أخرى، 932 انتقلوا إلى المخيم الجديد، و200 تم نقلهم إلى مركز استقبال آخر".

قانون مضاد للمهاجرين والإيطاليين أيضا؟

وأكد "ما حصل في كالابريا يتكرر بشكل دائم في كل إيطاليا. على سبيل المثال، إذا أردتم الاطلاع على فداحة الموقف، عليكم التوجه إلى محطة القطارات المركزية وسط روما في الليل، سترونها تنبض بالحياة من أعداد المهاجرين الضخمة الوافدين إليها ليفترشوا أرضها ويحصلوا على قسط من الراحة".

مفاعيل قانون سالفيني لا تقف عند الآثار السلبية على المهاجرين، بل تتعداها لتمس حياة المواطنين الإيطاليين أيضا، فالأعداد المتزايدة من المشردين، خاصة في المدن الكبيرة، لا تعطي صورة إيجابية عن مستقبل تلك المدن.

لم يدرك سالفيني أن إجراءاته المضادة للهجرة والمهاجرين أطاحت بالكثير من الأعمال والمؤسسات الصغيرة التي كانت قائمة بجوار مراكز الاستقبال والمخيمات، والتي كانت تشغل الكثير من الإيطاليين. يفتخر سالفيني بأن إجراءات إغلاق مراكز الاستقبال والمخيمات ستوفر على خزينة الدولة ستة ملايين يورو، إلا أنه في المقابل لم ينتبه إلى الحاجات الاجتماعية المتنامية للمواطنين الإيطاليين المتضررين من تلك الإجراءات، والتي ستفرض على خزينة الدولة أعباء إضافية.

قد لا تبدو الصورة واضحة بعد. حسب ما سبق، المشكلة ليست إيطالية فحسب، وإنما أوروبية، وإن لم يتحرك الاتحاد الأوروبي لإيجاد حلول جذرية لمشكلة هؤلاء المهاجرين، ستستمر الإشاعات التي تطلقها الأحزاب اليمينية بالتنامي وبخلق مشاعر الخوف لدى الرأي العام، الذي بدوره سيتبنى خطابات تلك الأحزاب لينحو بمجتمعاته أكثر باتجاه اليمين.

قد تكون "أزمة الهجرة" قد انتهت حسب بيان المفوضية الأوروبية، إلا أن فصولها اللاحقة مازالت تتكشف، وقد تكون صور اللاجئين المشردين في شوارع المدن الإيطالية خير إنذار على بداية أزمة من نوع جديد.

 

للمزيد