مسيرة "المعتقلون أولا" في باريس 2016
مسيرة "المعتقلون أولا" في باريس 2016

تشديدات قانونية جديدة تدعم النظام السوري في إحكام قبضته ومحاسبة كل من يتجرأ على انتقاده داخل أو خارج البلاد. وتحت ما يسمى "الجرائم الالكترونية" شرعن قانون العقوبات السوري محاكمة كل من ينشر أخبارا “توهن نفسية الأمة”، مصطلح فضفاض وقانون يفتقر إلى الدقة، وفقا لرأي مختصين.

"وهن نفسية الأمة"، تهمة يجرّمها قانون العقوبات السوري ويستهدف بها معاقبة كل من ينشر أخبارا على الإنترنت "تنال من هيبة الدولة أو مكانتها المالية".

تهمة شائعة في البلاد ومعروفة بشكل خاص لمعتقلي الرأي، حتى قبل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنها أضحت اليوم تطال حتى المقيمين خارج البلد.

الجديد أيضا في الموضوع، هو صدور تعليمات تنفيذية تدين الناشطين وحتى الصحافيين الذين يتناولون تلك الأخبار في "زمن الحرب" (أي منذ بداية الثورة في 2011)، وفقا لتعبير القاضية هبة الله محمد سيفو، رئيسة النيابة العامة المختصة بجرائم المعلوماتية والاتصالات في القصر العدلي بدمشق، في مقابلة صحفية.

منذ بداية الربيع العربي، تسعى السلطة الحاكمة في سوريا جاهدة إلى السيطرة على مواقع وسائل التواصل الاجتماعي وحجب الكثير من المواقع الإلكترونية. وتناولت "دويتشه فيلي" في تقرير إعلامي أن السلطات السورية دفعت نحو مليون يورو لشركات غربية من أجل مراقبة المحتويات المنشورة على الإنترنت ومتابعة الناشطين.

من 3 إلى 15 عام

وخصت القاضية بالذكر المواد 286-287 من قانون العقوبات، “التي تعاقب كل من أذاع في سوريا زمن الحرب أنباء يعرف أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمة وتنال من هيبة الدولة أو مكانتها المالية، فإنه يعاقب بالحبس 6 أشهر على الأقل وبغرامة مالية" تصل إلى 530 دولار.



أما بالنسبة لوسائل التواصل الاجتماعي، من ينشر "إشاعات مثلا عن التجنيد أو زيادة الرواتب فهذه الأنباء طالما أنها تذاع في سوريا زمن الحرب وتثير قلقلة وذعرا بين الناس، فإنها تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة من 3 سنوات إلى 15 سنة وفقا لتقدير القاضي (إذا كان يعلم أنها كاذبة)”. وأضافت “إن لم يكن يعلم أنها كاذبة فإن العقوبة تكون الحبس ثلاثة أشهر على الأقل".

ولاحقا خلال المقابلة، ذكرت سيفو أنه من الممكن أن تتضاعف المدة الأدنى للعقوبة، أي أنها تصبح 6 سنوات للأشخاص الذين يعمدون إلى نشر تلك الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي في "زمن الحرب".

"قوانين تشرع الانتهاكات المرتكبة بحق السوريين"

وتطرقت سيفو أيضا إلى المادة 309 من قانون العقوبات، التي تدين "كل من أذاع أخبارا ملفقة أو مزاعم كاذبة لإحداث التدني بقيمة أوراق النقد الوطنية أو زعزعة الثقة بمتانة نقد الدولة، فإنه يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة مالية من ألفين إلى عشرة آلاف ليرة سورية".

وفي شهر آذار/مارس 2018، أقر مجلس الشعب السوري إحداث قضاء متخصص في قضايا “جرائم المعلوماتية والاتصالات”. ووفقا للمادتين الأولى والثانية من القانون الذي تم إقراره، فإنه “سيتم إحداث نيابة عامة ودوائر تحقيق ومحاكم جزائية بدائية واستئنافية في كل محافظة، للنظر في جرائم المعلوماتية والاتصالات".

معتصم الكيلاني، محامي سوري مختص بحقوق الإنسان في فرنسا، يدين بشدة هذه القوانين، ويشير إلى أن قانون العقوبات السوري يهدف إلى سن قوانين تشرّع الانتهاكات المرتكبة بحق السوريين، ومن المؤكد أن "هذا القانون لا يخدم مستقبل سوريا بأي شكل من الأشكال".

ويضيف "القانون السوري غير محدد ويستخدم دائما مصطلحات فضفاضة، ويعود للقاضي تحديد تطبيق الحد الأدنى أو الأعلى من العقوبة لكن دون وجود ضوابط قانونية واضحة، فالقانون السوري غامض ويفسح المجال أمام فساد القضاء". ويجدر التنويه إلى أن المتهمين بارتكاب "جرائم معلوماتية" يمكن أن تتم إحالتهم إلى القضاء العسكري.

الشبكة السورية لحقوق الإنسان وثقت أكثر من 5600 حالة "اعتقال تعسفي على يد قوات النظام والميليشيات التابعة له" خلال العام الماضي، إلا أن الرقم الفعلي لتلك الحالات يبقى غير دقيق. ويوضح الكيلاني "المشكلة في سوريا أن عملية التوثيق صعبة جدا، ويوجد الكثير من المعتقلين الذين تحاول عائلاتهم التستر عليهم أملا بأن يتم الإفراج عنهم، ويتم اعتقال الأشخاص بشكل غير قانوني ولا يتم تسجيلهم أو إخبار المقربين منهم عن مكان اعتقالهم، لذلك نطلق على تلك الحالات اسم الاختفاء القسري".

عراقيل أمام عودة السوريين

وبرزت حاجة الحكومة إلى خلق تضييقات جديدة، خاصة بعد أن انتشرت مؤخرا على وسائل التواصل الاجتماعي حملة شارك فيها فنانون وناشطون داخل سوريا، تناولت سوء الأوضاع المعيشية وأزمة الغاز التي تشهدها المناطق الخاضعة لسيطرة النظام.

وينتقد الفنان فارس الحلو المقيم في باريس هذا القانون ويرى أنه "يهدف إلى إحكام السيطرة على من بقي داخل البلاد. وبعد ما يسمى بالحسم العسكري الذي أعلن النظام عنه، من المتوقع جدا أن يبدأ النظام بالتضييق على كل من ينتقده حتى المؤيدين له، فهو يريد محاسبة الجميع لمنع انتقاده، خاصة في ظل ازدياد الأزمات المعيشية مثل انقطاع الكهرباء وعدم توفر الغاز".

ويضيف فارس الحلو الذي انضم إلى الحراك الشعبي ضد نظام الأسد منذ 8 أعوام، أن "هذه القوانين لا تؤثر علينا، ولا تعطل مسيرتنا نحو الحرية التي طالبنا بها في سوريا".

أما بالنسبة للاجئ السوري سامر المقيم في فرنسا، يقول "هذا القانون دليل واضح على أن النظام يسعى دائما إلى وضع عراقيل أمام عودة السوريين إلى بلدهم، فكيف نعود في ظل وجود هذا النظام المستمر بارتكاب الانتهاكات وقمع الحريات؟".

كما قالت القاضية خلال اللقاء الإعلامي أن القانون يمس أيضا الصحافيين والإعلاميين في حال نشرهم لأخبار على صفحاتهم الخاصة، وبذلك لا تتم محاسبة الصحافيين وفقا لقانون الإعلام المنشور في المرسوم 108 للعام 2011 إلا للشخص الذي لديه بطاقة صحافي وينشر في موقع إعلامي حاصل على ترخيص رسميا.

وكان وزير العدل هشام الشعار قد ذكر في تصريحات صحافية بعد صدور القانون، أن "الوزارة قامت بالتعاون مع وزارتي الاتصالات والداخلية بتدريب المجموعة الأولى من القضاة من مختلف الدرجات القضائية على استقصاء جرائم المعلوماتية ومكافحتها، وحجية الدليل الرقمي وكيفية تفتيش الكمبيوترات والمخدمات واستعادة المعلومات والبيانات المحذوفة".

 

للمزيد