مهاجر نيوز /صورة لأحد الموانئ التونسية
مهاجر نيوز /صورة لأحد الموانئ التونسية

أثار غرق مركب يحمل عشرة تونسيين في المياه الإقليمية في صفاقس (جنوب شرق) مجددا الجدل حول الأسباب التي تدفع الشباب في تونس إلى اختيار الهجرة السرية وعبور البحر الأبيض المتوسط للوصول إلى إيطاليا. وضجت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام بالأصوات المنددة بتقاعس السلطات في وضع حد لهذه الظاهرة التي تودي بحياة الآلاف غرقا.

عثر الحرس البحري، قبالة سواحل اللوزة من محافظة صفاقس (الجنوب الشرقي) في تونس مؤخرا وتحديدا مساء الجمعة، على مركب تم استعماله للإبحار خلسة والوصول إلى السواحل الإيطالية. وحسب المعلومات المتوفرة إلى حد الآن، كان على متن القارب عشرة تونسيين بين شبان وفتيات من المهدية (وسط شرقي) وأولاد الشامخ وسيدي علوان وتتراوح أعمارهم بين 20 و30 سنة قد غادروا، السبت 17 مارس/آذار 2019، السواحل التونسية في مركب صيد صغير نحو السواحل الإيطالية.

للمزيد:  ريبورتاج: من هم هؤلاء التونسيون الذين يختارون "الحرقة" للوصول إلى أوروبا؟

وكان مصدر من الحرس البحري بالمهدية قد أكد، الاثنين في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، أن معدل إحباط عمليات الهجرة السرية في المنطقة يعادل رحلة كل أسبوع، سواء كانت هذه الرحلات في مرحلة الهجرة الفعلية أو خلال مرحلة الإعداد..

وإلى حد الآن، تم العثور على جثة تعود لفتاة تبلغ من العمر 26 عاما أصيلة المهدية تدعي أنس الزوالي، يبدو أنها اختارت "الحرقة" مع شقيقها العشريني، فيما تتواصل عملية البحث عن باقي المفقودين.  فما هي قصة أنس ولماذا هزت الرأي العام في تونس؟

أنس  الزوالي .. لاعبة  كرة اليد في المهدية تقطعت بها السبل

أنس فتاة تبلغ من العمر 26 سنة حاصلة على إجازة في التربية البدنية ، وهي لاعبة في صفوف الجمعية النسائية الرياضية بالمهدية والأمل الرياضي برجيش جنوب مدينة المهدية، وأنهت أنس دراستها الجامعية في 2014 ولكنها ظلت منذ ذلك الحين تعاني من البطالة. 


وأمام تفاقم الأزمة الاقتصادية في تونس وانعدام فرص الشغل، قررت أنس مع مجموعة من الشبان والشابات البحث عن فرص حياة أفضل خارج القارة الإفريقية. لكن أنس اختارت مع رفاقها الهجرة سرا عبر قارب بدائي غير مؤهل للإبحار، انقلب بهم في عرض البحر.

وأثارت الحادثة ضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وعبّر الناس عن تعاطفهم مع الضحايا ورفضهم لاستمرار هجرة حملة الشهادات الذين تقطعت بهم السبل واضطروا للمجازفة بأرواحهم في سبيل تغير أوضاع تزداد تعقدا يوما بعد يوم. 



الهجرة السرية ظاهرة تؤرق المجتمع التونسي

أظهر استطلاع للرأي أجرته شبكة بحث إفريقية مستقلة "أفروباروميتر" أجري في 2018 أن أكثر من نصف عدد الشباب في تونس يرغب بشكل جاد في الهجرة بسبب البطالة والصعوبات الاقتصادية التي تمر بها البلاد منذ 2011. 

 وحسب تصريحات استقاها مهاجر نيوز من بعض الناشطين في مجال الهجرة في تونس العاصمة أو الصيادين في المنطقة الساحلية بجرجيس، لم يعد الشباب الراغب في الهجرة في حاجة لخدمات مهربين، إذ "يساهم كل منهم بقدر من المال في شراء قارب مزود بمحركين، يصل ثمنه إلى 13 ألف دينار، أي ما يعادل حوالي 4 ملايين يورو، ويركبه أكثر من 13 شخصا"، كما يقول الصياد صلاح الدين في حديث لمهاجر نيوز بجرجيس جنوبي تونس، وسبق لصلاح الدين أن التقى بمراكب للمهاجرين وسط البحر، وقدم لهم المساعدة.

وهذه الظاهرة لا تقتصر على الشباب من الرجال فقط، فقط بل شملت النساء والأطفال أيضا كما هو الحال في هذه الحادثة التي ذهبت ضحيتها أسرة تتألف من زوجين وطفلة في الرابعة من عمرها.

أسباب الظاهرة وطرق التعاطي معها

نظرا لما عرفته تونس من أحداث سياسية في العام 2011، شهد المجتمع تحولا في مجال الحريات وفي سقف أحلام الشباب الذي ارتفع مقابل تعاقب حكومات تفتقر إلى رؤية واضحة والتزام بالوعود والتعهدات.

وأمام هذه المفارقة، واستفحال الهوة بين الأحلام والواقع أصبحت الهجرة أملا للهروب من تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

بالنسبة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، يقول رمضان بن عمر المكلف بالإعلام، إن هذه الموجة من الهجرة كانت منتظرة، وإنه سبق للمنظمة أن دقت ناقوس الخطر، و"في 2016 نبهنا في دراسة إلى أن تونس مقبلة على موجة جديدة من الهجرة التي بلغت ذروتها في 2017، بعد الموجة الأولى في 2011 مع الإطاحة بالرئيس السابق زين العابدين بن علي".

ويؤكد أن السلطات التونسية تتحمل المسؤولية عن هذه الكوارث ، فقد "اختارت المقاربة الأمنية من خلال تعزيز المراقبة على السواحل. لكن كلما تم تشديد المراقبة بنقطة من النقاط، يتحول المهاجرون لنقطة أخرى"، بحسب بن عمر. وشدد أيضا على ضرورة "بعث رسائل أمل للشباب من قبل السياسيين" في ظل وضع اجتماعي صعب، يدفعهم إلى خوض مغامرة "الحرقة" أي الهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت.



وفي ريبورتاج سابق لمهاجر نيوز، أكد بن عمر أن البحر التهم المئات من المهاجرين التونسيين منذ 2015، وتشكلت على خلفية ذلك جمعيات لأسر المفقودين في رحلات الهجرة السرية، للمطالبة بكشف مصير أبنائها. ويبدو أن السلطات التونسية تجد صعوبة في إقناع نظيرتها الإيطالية بالتعاون في الموضوع. ويعتبر بن رمضان أن "الحكومة تنسق مع إيطاليا في الترحيل، وحراسة السواحل، لكنها لا تحب التنسيق معها في قضية المفقودين"، قبل أن يضيف "قد يكون الطرف الإيطالي يرفض التعاون، لكن من المفروض على الحكومة كشف ذلك بشكل رسمي".

وفي آخر الأرقام التي قدمها الحرس الوطني التونسي، بلغ عدد الموقوفين من المهاجرين برا وبحرا في تونس حتى موفى شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، 3,489 مهاجرا، بينما أورد المنتدى في تقرير صدر في آخر 2018 أن عدد الواصلين إلى السواحل الإيطالية خلال الأربع سنوات الأخيرة بلغ 6,006 مهاجرا بينهم 1,028 قاصرا بدون مرافق، و120 قاصرا مصحوبا بذويه و138 امرأة.

 

للمزيد