مخيم عشوائي للمهاجرين في لاشابيل شمال باريس/مهاجرنيوز
مخيم عشوائي للمهاجرين في لاشابيل شمال باريس/مهاجرنيوز

يعيش المهاجرون في منطقة لاشابيل شمال العاصمة الفرنسية باريس أوقاتا صعبة يواجهون بها مأساة التشرد في الشوارع وخطر الوقوع بين أيدي تجار المخدرات. ظروف صعبة تثير قلق وغضب الجمعيات الإنسانية في ظل مشكلة السكن المتزايدة التي تشهدها العاصمة خاصة مع قدوم الربيع وإغلاق مراكز الإيواء الطارئة التي تم تخصيصها للمهاجرين أثناء الشتاء.

عند التاسعة من كل صباح يتجمع مئات المهاجرين أمام جمعية "آرمي دو سالو" شمال باريس بالقرب من بورت دو لاشابيل للحصول على وجبة الفطور، تتوالى أسئلة المهاجرين الذين لا يخفى عن وجوههم التعب والإنهاك، ويحاول معظمهم فهم سير الإجراءات الإدارية، وعلى بعد بضعة أمتار فقط يتجمع العشرات من مدمني المخدرات الذين لا يترددون بالاختلاط بين صفوف المهاجرين.

يسعى تجار المخدرات لإغراء المهاجرين بشتى الوسائل ويقدمون لهم بعض الجرعات بشكل مجاني، ويعرضون عليهم مواد مخدرة تتضمن الكوكايين (كراك) الممزوج مع عناصر كيميائية أخرى يسهل الإدمان عليها ولها تأثير فوري على المخ، وفقا لجمعية "ويلسون".


وإلى جانب طريق السيارات السريع، يقيم هؤلاء المدمنون تجمعا صغيرا في لاشابيل خلف الجسر الرئيسي الواصل بين الضواحي الشمالية ومدينة باريس، حيث خيم المهاجرين الذين تصل أعدادهم إلى 500 شخص، بحسب تقديرات الجمعيات المحلية.

بالنسبة للشاب الأفغاني محمود الذي مضي على وجوده بضعة أيام فقط، فيرى أن هؤلاء مجرد "أشخاص يتصرفون بغرابة طوال الوقت، لا أفهم حقا ماذا يقولون ولا سبب مجيئهم لرؤيتنا". ويضيف "حاولنا منعهم من الدخول، أمس، لكنهم عادوا إلينا بعد مضي بعض الوقت وكأنهم نسوا ما حصل".

وجود المدمنين على المخدرات يزيد الأمور سوءا


لكن الأمر ليس بهذه البساطة، ويعبر الصومالي كامل عن استيائه من وجود هؤلاء الأشخاص "أتيت إلى هذا المخيم فور وصولي إلى فرنسا منذ نحو 6 أشهر، لم أعتقد أن الأمر سيكون بهذا السوء، ووجود هؤلاء المدمنين يزيد الأمور سوءا فغالبا ما يأتون خلال الليل ويسرقون حتى القليل من الطعام الذي نحصل عليه في بعض الأحيان من سكان الحي".

رغم هذا الوضع الصعب والرائحة الوخزة التي تملأ المكان، إلا أن الشاب العشريني يحاول جاهدا التعلق بأمل الحياة علّ الأمور تتحسن.

وكانت السلطات الفرنسية نظمت خلال الشتاء عدة عمليات تفكيك مخيمات المهاجرين، لوضع الأشخاص في مراكز إيواء لحمايتهم من الطقس البارد، إلا أن الشتاء قارب على الانتهاء وبدأ إغلاق المراكز التي تم تخصيصها لإيواء هؤلاء الأشخاص، وقدوم الربيع بالنسبة لهؤلاء الأشخاص يعني العودة إلى الشارع.

توضح الناشطة كلير من جمعية "آرمي دو سالو"، أن "منطقة لاشابيل تعتبر كنقطة دخول إلى باريس، وأضحت خيم المهاجرين موزعة على أطراف باريس الشمالية (بين بورت دوبرفيلييه وبورت دو كلينيانكور). ونحن نشهد تدفقاً بشرياً مستمراً ومتحركاً، ونرى يوميا عائلات وقصّر معزولين ورجال عازبين يصلون إلى باريس ويطرحون علينا الكثير من الأسئلة المتعلقة بالحياة اليومية والإجراءات الإدارية".

ويشكل بعض هؤلاء المهاجرين فريسة سهلة لتجار المخدرات الذين يبحثون باستمرار عن زبائن جدد، وعن ذلك تشرح الناشطة أليكس في جمعية "يوتوبيا"، أن "معظم المهاجرين الذين يأتون إلى هنا لا يعلمون مخاطر هذه المواد والكثير منهم لم يتعرضوا خلال حياتهم لمواقف مماثلة، وللأسف يجرب البعض هذه المواد لكنهم يدمنون عليها بسرعة".


ومع استمرار هطول المطر، تبدأ المياه بالتسرب إلى خيم المهاجرين الصغيرة والمتوزعة بين السيارات.

كلاريس، إحدى سكان الحي وناشطة في جمعية "ويلسون" الإنسانية، تستنكر الظروف المتردية التي يجد بها المهاجرون أنفسهم، وبالنسبة لها "الوضع أصبح كارثياً، إذ أرى كيف تزداد الأمور سوءا مع مرور الوقت"، ويزداد الأمر تعقيدا مع وجود المخدرات في متناول هؤلاء الأشخاص الذي يوجد بينهم أيضا قاصرين وشباب في مقتبل عمرهم لا ينعمون بأي نوع من الاستقرار.

وتؤكد الناشطة الحقوقية أن تردي الحالة النفسية للمهاجرين تحوّل إلى "ظاهرة".

مقابل تجمع خيم المهاجرين، يعمل الرجل الخمسيني في شركته الصغيرة على تقديم خدمات تنظيف للسيارات، ويقول لمهاجرنيوز "المهاجرون يأتون أحيانا إلى هنا لطلب المساعدة، لكن الأمر الذي يزعجني هو وجود هؤلاء المدمنين، فالأسبوع الماضي قاموا بسرقة هاتف أحد الزبائن، وبالأمس قاموا بتحطيم زجاج إحدى السيارات التي كنا نعمل على صيانتها".

رغم الطقس البادر يستلقي رجل في الثلاثين من العمر عاري الصدر أمام محطة المترو، ويمشي آخر مترنحا يحمل بيده غليون التدخين المخصص للكوكايين.

الأرق، فقدان الوزن، الصداع الشديد، نوبات الخوف، والهلوسة هي بعض الآثار الجانبية لتناول هذا المخدر عند بعض المستهلكين. وهذه الاضطرابات يمكن أن تؤدي إلى عواقب خطيرة، مثل حوادث الطرق. ويؤثر المخدر أيضا على الأنظمة العصبية والقلبية للمستهلكين، ما يزيد من خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية.

أحد المدنين على المخدرات شمال باريس

في فرنسا، يحظر استهلاك المخدرات ويعاقب عليها بغرامة تصل إلى 3750 يورو وبالسجن لمدة سنة كاملة. وخلافا لبعض أنواع المخدرات الأخرى، لا توجد أدوية لها نفس تأثير هذا المخدر بالذات، لذلك فإن الشفاء من الإدمان يتطلب وقتا طويلا وإحاطة طبية ونفسية واجتماعية.

في حالة هرب مستمر

الأمل ليس سيد الموقف هنا، فبالنسبة للشاب السوداني سعيد الأمور ليست منطقية، ويروي قصته لمهاجرنيوز "هربت من السودان إلى ليبيا حيث كنت سجين أحد مراكز الاحتجاز في طرابلس لمدة عام ونصف، تمكنت مع بعض السجناء الآخرين من الهرب من السجن".

ويضيف "نجوت من قوارب الموت لأصل إلى إيطاليا، الوضع المزري هناك دفعني أيضا إلى الهرب مرة أخرى إلى فرنسا، لكن انظروا إلى وضعنا هنا، لا يوجد سكن ولا عمل، حاولت عبور الحدود إلى بريطانيا عبر كاليه حيث أمضيت هناك شهرين. لكن جميع محاولتي فشلت. ذهبت بعدها إلى بلجيكا لكن دون جدوى أيضا. عدت اليوم إلى شوارع باريس ولا أعلم ما الحل. تم رفض طلب لجوئي ولم أحصل على جواب إيجابي من محكمة الاستئناف".

تنتقد كلاريس بشدة سياسة استقبال الدولة الفرنسية للاجئين، وتقول لمهاجرنيوز "نحن جميعا لدينا أطفال، وأنا لا أريد القول لابني لا تنظر إلى الطرف المقابل للشارع، لا أستطيع أن أقول له أن يغض بصره عن مأساة هؤلاء الأشخاص. واجبي كمواطنة وكشخص إنساني أن أقدم الدعم لهؤلاء المهاجرين في ظل ضعف الحلول التي تقدمها الدولة الفرنسية".

 

للمزيد