تعمل عصمت شيرازي كعاملة اجتماعية في  بلدة صغيرة معروفة بكاتدرائيتها الخلابة | الصورة: dpa
تعمل عصمت شيرازي كعاملة اجتماعية في بلدة صغيرة معروفة بكاتدرائيتها الخلابة | الصورة: dpa

يرغب كثير من اللاجئين وطالبي اللجوء في ألمانيا بالعيش في المدن الكبرى، لكن لماذا؟ وهل المدينة الكبير أفضل من قرية أو بلدة صغيرة؟ للإجابة على ذلك أجرى موقع مهاجر نيوز حوار مع خبيرة اجتماعية، وهي لاجئة سابقة وتعمل في مجال مساعدة ورعاية طالبي اللجوء بمنطقة ريفية في شمالي ألمانيا.

عصمت شيرازي تعرف ما يحتاج إليه اللاجئون في المناطق الريفية وذلك انطلاقاً من تجربتها الشخصية. عندما أتت إلى ألمانيا كطالبة لجوء من إيران في منتصف التسعينيات، عاشت في قرية "غودو Gudow" الصغيرة ثم في "مولن Mölln" شمالي ألمانيا بولاية شليسفيغ هولشتاين. وبسبب عملها كمتطوعة لمساعدة اللاجئين وطالبي اللجوء الآخرين في منطقتها، حصلت شيرازي عام 2012 على "وسام الاستحقاق من جمهورية ألمانيا الاتحادية" وهي أرفع جائزة تمنحها الحكومة لمن يحقق إنجازا مميزا في المجال العلمي أو الأدبي أو الاجتماعي أو العمل التطوعي أو غير ذلك.

وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، كانت شيرازي تعمل بدوام كامل لحساب الحكومة المحلية في راتزبورغ (وهي بلدة صغيرة أخرى في منطقتها) كعاملة اجتماعية تساعد اللاجئين وطالبي اللجوء على الاستقرار في حياتهم الجديدة. وللاطلاع أكثر على تجربتها وخبرتها في مجال مساعدة اللاجئين، أجرى موقع مهاجر نيوز الحوار التالي معها:

مهاجر نيوز: هل من الأسهل بالنسبة للاجئين بدء حياة جديدة في ألمانيا، الإقامة في منطقة ريفية، أم في المدينة؟

عصمت شيرازي: الأمر يختلف وليس له قاعدة محددة. قد يكون العيش في بلدة صغيرة ذات موقع مركزي أمر جيد للغاية، خاصة في الأشهر الستة الأولى من الوصول، إذا كان هناك نظام دعم كاف. الأمر نفسه ينطبق على العيش في قرية، على الأقل إذا كانت غير معزولة ويسهل الوصول إليها (من حيث وسائل النقل العام)يمكن للناس أن يجدوا الهدوء والراحة هناك بعد رحلتهم الصعبة. في الشهرين الأولين أو نحو ذلك بعد وصولهم يصاب كثير من اللاجئين بآلام في المعدة والصداع وآلام في الظهر. لكن بعد ذلك، يجب تطبيق برنامج جيد للمعيشة بحيث يكون هناك هيكل للدعم في مركز استقبال اللاجئين.

يحتاج الشخص إلى  أحد يشرح له كيف تسير الحياة في ألمانيا، والنظام التعليمي وكيف يفصل الناس القمامة، وكيف يمكن استئجار شقة، وما يعنيه الحصول على موعد في مكتب شؤون الأجانب. ومن المهم أيضا أن يعرفوا كيف يمكن أن يصبح الشخص مديناً بسرعة في ألمانيا، فالكثير من الناس يوقعون على عقود هواتف محمولة لا يفهمونها، ثم يدركون أنهم لا يستطيعون تحمل تكاليفها. في هذه المرحلة، لا يمكنك شرح هذه الأشياء لهم باللغة الألمانية وإنما عليك فعل ذلك بلغتهم الأم.

هل من الأسهل على اللاجئين الاندماج في المجتمع إذا كانوا يعيشون في مناطق ريفية؟

في بلدة صغيرة مثل راتزبيرغ ..نعم بالتأكيد.. أقول دائمًا: عندما يصل اللاجئ، في البداية يكون الاستقرار في بلدة صغيرة هو الخيار الأفضل له. يمكنه الوصول إلى كل ما يحتاج إليه بسهولة، كما يمكنه مقابلة كل موظف رسمي شخصياً. وإذا كان الموظف المعني بالقضية يعرف اللاجئ شخصيا، فمن المرجح أنه سيتفهم الأمر إذا ما فاته موعد. أما في مدينة كبيرة، حيث يتم التعامل مع كل شيء مركزيا، فليس لدى اللاجئ هذا النوع من الاتصال الشخصيوالحقيقة أن الموظفين الذين يعملون على ملفات طالبي اللجوء يتغيرون باستمرار في المدن الكبرى ما يمكن أن ينتج عنه سوء فهم. وكثير من اللاجئين يشكلون هذا الانطباع بسرعة، ويقولون "أوه، إنهم لا يحبونني".

لكن ما يهم فعلياً هو وجود برامج تساعد اللاجئين. بصراحة، يحاول الكثير من الناس الانتقال إلى راتسبيرغ [حيث تعمل شيرازي]، لأنهم عرفوا بشكل ما أن لدينا شبكة دعم كبيرة والكثير من المتطوعين الذين يساعدون اللاجئين. ولكن على الرغم من أن لدينا شبكة رائعة للمساعدة قائمة بالفعل، إلا أن معظم الناس يرغبون في الانتقال إلى مدينة أكبر بعد فترة.

لماذا ا؟

لأن هناك توجد الجامعات، وهناك المزيد من فرص للعمل أو إمكانية أكبر للحصول على تدريب أو تاهيل مهني. الحياة في مدينة كبيرة لها العديد من المزايا. فالمواصلات العامة متوافرة بشكل متواصل، ومحلات السوبر ماركت موجودة في كل مكان، ويمكن للناس إنجاز معظم مهامهم بسهولة أكبر وبسرعة. ولكن في كثير من الأحيان ينتج عن ذلك أن يكون لدى الناس الكثير من أوقات الفراغ. على سبيل المثال، فإن خطر أن يدمن الرجال على المقامرة أكبر بكثير، نظرا لأن المقامرة محظورة في معظم الدول الإسلامية، فإن العديد من اللاجئين معرضون لهذا الخطر بشكل خاص.

عصمت شيرازيك لاجئة إيرانية سابقة تعمل كخبيرة اجتماعية وفي مساعدة اللاجئين في ألمانيا

ما مدى أهمية أن يكون بجانب اللاجئين أناس من وطنهم حيث يستقرون؟

بالتأكيد هذا أمر مفيد للغاية في البداية. لقد عملت كثيرا مع الأطفال. وغالبا ما يكون من المفيد لهم خاصة وهم لا يجيدون الألمانية بعد أن يتحدثوا إلى أطفال آخرين بلغتهم الأم. إنه لأمر جيد للثقة بالنفس. إذا كان بإمكان طفلين عراقيين على سبيل المثال أن يتحدثا سوياً، فيمكنهما من خلال ذلك أن يقولا للأطفال الألمان: انظروا، قد لا نفهم لغتكم، لكنكم ايضاً لا تفهمون لغتنا.

هناك جوانب إيجابية وسلبية لهذا الأمر. فعندما لا يعرف اللاجئ الألمانية بعد، يمكن للآخرين أن يشرحوا له كيف تسير الأمور وتعمل الأشياء من حوله بلغته الأم. وبذلك يمكن للمعلومات أن تنتشر بشكل أسرع. لكن في بعض الأحيان ينقل الناس أيضا معلومات غير صحيحة. إذا كنت سيئ الحظ، فقد تجد نفسك محاطاً بكم كبير من المعلومات الخاطئة والشائعات التي تنتشر بسرعة كبيرة.

كان هناك خوف في ألمانيا من أنه إذا كان المهاجرون واللاجئون من بلد ما يتجمعون في منطقة أو مكان ما، فقد يشكلون "مجتمعات موازية" وبذلك لن يندمجوا في المجتمع ولن يتكيفوا مع عادات وثقافة البلد المضيف. ما رأيك في ذلك؟

لا يعني كون كل إيراني على اتصال مع الكثير من الإيرانيين الآخرين هنا أنه قد انغلق على نفسه. فإذا كنتُ منفتحا على الناس، بمن فيهم الألمان، فأنا بذلك أساهم في الثقافة - فكلا الثقافتين تختلطان وأنا أعيش في كلتا الثقافتين.

على سبيل المثال: على مدار السنوات العشر الماضية أو نحو ذلك، احتفلنا بعيد نوروز، راس السنة الإيرانية، في منطقتنا. احتفل الإيرانيون ومعهم العرب والألمان. في البداية اعتقد الناس أن الاحتفالية غريبة نوعاً ما.. رأس السنة الجديدة في 21 مارس؟ لكن الآن الناس - بمن فيهم الألمان - يسألون دائما: متى يتم الاحتفال بعيد النوروز القادم؟

كيف هي الحياة بالنسبة للاجئين الذين ينتهي بهم المطاف للاستقرار في القرى التي يبلغ عدد سكانها بضع مئات فقط من الناس؟

يجب أن تكون محظوظا لأن تكون مرتاحا في القرية. إذا كان هناك أشخاص يدعمونك ويقدمونك لأشخاص آخرين، فسيساعدك الجميع، ثم سيساعدك الناس في نقل أطفالك إلى المدرسة وإلى أصدقائهم في عطلات نهاية الأسبوع، وسوف يقلّونك في سياراتهم للذهاب إلى السوبر ماركت والتسوق معا. ولكن إذا لم يحالفك الحظ، فقد يتحامل السكان عليك ويحكمون عليك مسبقاً ويخافون منك وتنطلق حولك الشائعات لتصبح معزولاً، وستشعر وقتها أنت وعائلتك بأنكم ضائعون حقا.

ما مدى أهمية وجود سيارة إذا كنت تعيش في منطقة ريفية؟

على المدى الطويل لا يمكنك العيش في قرية بدون سيارة. فعلى سبيل المثال إذا مرض أحد الأطفال في منتصف الليل ليس من الممكن دائماً الاتصال بجارك في الثالثة صباحا لتسأله: "هل تستطيع أن توصلني بسسيارتك إلى مكان ما؟" وفي نهاية الشهر، قد لا يكون لدى الناس أموال كافية لمساعدتك في دفع تكلفة إحضار تاكسي.

هذا يعني أن الحصول على رخصة قيادة ألمانية قد يكون أمراً مهمًا للغاية.. كيف يمكن عمل ذلك؟

 إذا كانت لديك رخصة قيادة دولية، فيُسمح لك بالقيادة في ألمانيا لمدة ستة أشهر من تاريخ قدومك إلى ألمانيا. بعد ذلك ستحتاج إلى استخراج رخصة قيادة ألمانية. الآن يمكن للناس اجتياز اختبار القيادة النظري بعدة لغات منها العربية والإنجليزية والإسبانية والتركية. لكن  قد تختلف اللغات المتوفرة لهذا الاختبار من ولاية إلى أخرى. كثير من اللاجئين الناطقين بالعربية يحصلون على المعلومات النظرية للاختبار باللغة العربية، ومنهم من يمكنه القيادة بالفعل، وبالتالي فإن الاختبار العملي لا يمثل لهم أدنى مشكلة. لكنهم لا يستطيعون توفير الثمن اللازم لاستخارج القيادة ولشراء سيارة وتحمل مصاريفها. هذا أحد الأسباب وراء رغبة كثير من اللاجئين للانتقال إلى مدينة كبيرة في نهاية المطاف.

أجرت الحوار: مارا بيرباخ/ ع.ح


 

للمزيد