أثناء مقابلة تقديم اللجوء/مهدي شبيل
أثناء مقابلة تقديم اللجوء/مهدي شبيل

يحتاج معظم طالبي اللجوء الذين لا يجيدون اللغة الفرنسية الاستعانة بمترجمين فوريين أثناء موعد المقابلة مع مكتب حماية اللاجئين (أوفبرا) أو أمام محكمة النقض الإدارية. مترجمين يجب أن يمتلكوا الدقة والحياد أثناء عملهم، إلا أن الواقع قد يكون مختلفا عن ذلك في بعض الأحيان، وقد تقع أخطاء تغير مصير طالب اللجوء بأكمله.

"الترجمة خيانة"، عبارة عالمية شهيرة تتردد على ألسن الكثير من الأشخاص، فالنقل من لغة إلى أخرى يخضع لهامش الخطأ، وفي حالة طالبي اللجوء بشكل خاص، قد تؤثر مشاكل الترجمة على مصير المهاجرين.

لهذا السبب وضع مكتب حماية اللاجئين (أوفبرا) ميثاقا للمترجمين الفوريين لديه، الذين يتم توظيفهم عبر وكالات ترجمة خاصة. في فرنسا، يحق لطالب اللجوء الحصول على مترجم فوري بشكل مجاني خلال المقابلة مع مكتب الأوفبرا، أو في المحكمة الإدارية في حال الاستئناف.

بموجب هذا الميثاق، يطلب الأوفبرا من المترجمين أن يتحلوا بمهنية عالية، ومن الضروري الترجمة "بأمانة"، "بدون إضافة أو إغفال"، "بدون تعليق" أو "تقييم"، والحرص على التحلّي بـ"سلوك واستخدام كلمات محايدة".

رحيمة، مترجمة تعمل في مكتب اللاجئين منذ عدة سنوات، تكشف لمهاجرنيوز أهمية "السرية والحياد" التي تحيط بعملها، وتقول "على سبيل المثال، لم يكن لدي الحق في تقديم نفسي لطالبي اللجوء، أو إخبارهم عن المدينة التي أتيت منها من أفغانستان".

لغة عربية سيئة، وعدم وجود مفردات كافية

بالرغم من وجود كل تلك التقييدات والمواثيق، إلا أن المترجمة المحترفة تقر بإمكانية وقوع أخطاء، قد تكون ناتجة عن الإنهاك من العمل.

تقول المترجمة رحيمة إنها في إحدى الجلسات كانت تترجم لأكثر من ثلاث ساعات متواصلة، "قمت بالتلخيص، لم أترجم كل شيء حرفيا". المهمة في الواقع تتطلب الكثير من التركيز، يجب ترجمة كل ما يقوله طالب اللجوء وكذلك موظف الأوفبرا، فيمضي المترجم وقته بالاستماع إلى الأطراف المختلفة والتنقل بين لغتين.

من جهة أخرى، يؤكد العديد من المحامين المتخصصين في قانون اللجوء أن "معظم المترجمين الفوريين يقومون بعملهم بشكل جيد للغاية"، إلا أنه في بعض الحالات تحصل مشاكل متعلقة باللغة والمفردات والنزاهة. وأعطى المحامون مثالا حول طالب لجوء سوري لم يكن مترجمه على دراية كافية باللهجة السورية وكان يجيد العربية المغاربية، وفي حالة أخرى، لم يكن للمترجم المستوى المطلوب للترجمة بشكل جيد إلى اللغة الفرنسية.

وتروي المحامية عائشة أنه خلال جلسة استماع في المحكمة "كان المترجم يقلّب عينيه وينظر إلى الأعلى أثناء سرد موكلي قصته"، الأمر الذي دفعها إلى التدخل، فكان على رئيس المحكمة أن يذكّر المترجم بأن يلتزم بأقوال طالب اللجوء دون أن يقوم بأي إيماءات أو إيحاءات.

في حالة أخرى، لاحظت المحامية أثناء الاستماع إلى تسجيل صوتي لموكلها أثناء المقابلة في مكتب حماية اللاجئين، أنه خلال المقابلة طلب المترجم الاستعانة بـ "مترجم غوغل" للتحقق من معنى كلمة. فيما بعد، استخدمت المحامية عائشة ذلك كحجة أثناء الاستئناف في المحكمة حول مدى مصداقية الترجمة.

مكتب حماية اللاجئين لا ينكر وجود مشاكل في الترجمة، إلا أنه يشدد على أن طالب اللجوء تبقى حقوقه محمية في جميع الأحوال. ويشير مسؤول التواصل في المؤسسة الفرنسية لمهاجرنيوز أن "قانون 29 تموز/يوليو 2015 سمح للأوفبرا بتسجيل [بشكل منهجي] مقابلات اللجوء، والتي هي ضمان إضافي لطالبي اللجوء مع إمكانية الشخص طلب إعادة الاستماع إلى تسجيل الصوت في حال وجود شكوك حول مصداقية الترجمة".

نقص المترجمين بلغات نادرة

فيما يرى محام آخر "أن قلة الانتباه قد تولد بعض الأخطاء، لكن الأهم هو تجنب حصول تغييرات كبيرة". خاصة أنه من الصعب في بعض الأحيان إيجاد مترجم للغات النادرة. يوجد لدى مكتب حماية اللاجئين والمحكمة الإدارية مترجمين فوريين في حوالي 100 لغة، لكن الأمر يبقى صعبا بالنسبة لبعض اللهجات النادرة. ومنذ أسبوع، أكد محام في حديث مع مهاجرنيوز أن المحكمة لم تستطع العثور على مترجم لطالب لجوء عراقي يتحدث اللغة الكردية باللهجة الكرمانجية.

يمكن أن تدفع اللغات النادرة وكالات الترجمة إلى توظيف مترجمين فوريين على عجل، دون التحقق بشكل كاف من روابطهم السياسية. وكانت الصحافة الفرنسية كشفت عن حالات عمل فيها مترجمون مقربون من السفارة الأذربيجانية، لترجمة مقابلات طالبي لجوء هربوا من النظام الأذربيجاني. وتعتبر تلك الممارسة محظورة بموجب ميثاق الأوفبرا. وأثارت القضية في عام 2018 سخط رابطة المحامين للدفاع عن طالبي اللجوء.

وتروي المحامية جلسة تحضيرية لموكلها الذي ينتمي إلى مجتمع الهزارة في أفغانستان، بأنه شعر بعدم ارتياح شديد مع مترجم من مجموعة عرقية أخرى، فكان يترجم "الشيعة" على أنها "طائفة شيعية"، وبالتالي يقوم بإصدار حكم، كلما تحدث طالب اللجوء عن دينه.

وتقول المترجمة الأفغانية "لدينا التزام أخلاقي"، وتشدد على أن "الحياد أولوية"، وتقترح بناء على خبرتها في الأوفبرا أنه "لكي تكون متأكدا من الترجمة، يجب حضور مترجمين اثنين للتأكد من عدم وقوع أخطاء".

هل من الممكن التشكيك بالمترجم الفوري؟

قد يقرر المترجم الانسحاب من تلقاء نفسه إذا كان هناك تضارب في المصالح. على سبيل المثال، إذا كان يعرف طالب اللجوء. لكن من الممكن أيضا أن يقدم طالب اللجوء شكوى حيال المترجم. لكن ذلك لا يخلو من التعقيد.

-         خلال مقابلة مكتب حماية اللاجئين

بعد بدء اللقاء ببضعة دقائق، يسأل الموظف طالب اللجوء عما إذا كان يمكنه فهم مترجمه. "تدرس الأوفبرا كل حالة على حدة، وتقيّم الأسباب التي يقدمها الشخص لطلب تغيير المترجم، فلا يمكن أن تستند هذه الأسباب على عناصر بسيطة. في حال وجود أسباب واضحة وكافية، وإذا كانت الظروف مناسبة فالمكتب يحاول إيجاد حل على الفور، أو يتم تأجيل موعد المقابلة وتسجيل أسباب هذا التأجيل في نسخة المقابلة"، وفقا لما أكده مكتب اللاجئين لمهاجرنيوز.

عند انتهاء المقابلة، يمكن لطالب اللجوء أن يعطي رأيه حيال جودة الترجمة، إلا أنه "من غير الواقعي الاعتقاد بأن المهاجرين يجرؤون على إبداء رأي سلبي، بالنظر إلى موقفهم الضعيف"، وفقا لمحام مختص باللجوء، غالبا ما يتم تصحيح الترجمة في ملف طالب اللجوء بعد أن يتم رفض ملفهم والذهاب إلى محكمة النقض الإدارية.

-         أمام محكمة النقض الإدارية

لتقديم شكوى حول المترجم، "يجب أن يكون الشك في مصداقية الترجمة ضمن إطار قانوني"، وذلك بالاعتماد على تبرير قوي يقدمه المحامي كتابة إلى القاضي. على سبيل المثال، "عندما يكون المترجم الفوري هو نفسه للأوفبرا والمحكمة، وهو أمر يحدث أحيانا"، يوضح المحامي لمهاجرنيوز أن الحالات التي يتحدى فيها المحامون المترجمون نادرة جدًا.

أخيرا، حتى قبل الموعد مع الأوفبرا أو المحكمة، عند ملء ملف طلب اللجوء، يمكن لطالب اللجوء تقديم تفاصيل عن اللغة المحكية واختيار جنس المترجم، في حال كان طلب اللجوء يتعلق بالعنف الجنسي مثلا. يمكن أن يتم التغيير أيضا أثناء إجراء طلب اللجوء طالما يتم ترك وقت معقول للأوفبرا لإعادة تنظيم شروط المقابلة.

*تم تغيير الأسماء

 

للمزيد