نازحون في بلدة أطمة على الحدود السورية التركية نهاية شهر أيار/مايو. الصورة: خليل عشاوي/رويترز
نازحون في بلدة أطمة على الحدود السورية التركية نهاية شهر أيار/مايو. الصورة: خليل عشاوي/رويترز

تتفاقم الأوضاع الإنسانية لأكثر من 300 ألف نازح في ريف إدلب شمال غرب سوريا، بالتزامن مع القصف الجوي والحملة العسكرية المستمرة التي يشنها النظام على ريفي إدلب وحماة منذ بداية العام الحالي. وتقيم أغلب العائلات في العراء ضمن تجمعات عشوائية دون امتلاكها لأدنى مستلزمات الحياة الأساسية.

خلال شهر ونصف فقط، نزح أكثر من 300 ألف شخص من مناطق عدة في ريف إدلب الجنوبي وحماة الشمالي، بحسب الإحصاءات الرسمية للأمم المتحدة، هرباً من القصف العنيف الذي تشنه قوات النظام وحليفتها روسيا، والذي يترافق مع اشتباكات عنيفة بين فصائل مسلحة وقوات النظام السوري.

ووفقا لشهادات نازحين فروا مؤخرا من العنف، أكدت عائلات نازحة لمهاجرنيوز عدم وجود أماكن لهم في المخيمات الواسعة المكتظة في منطقة بلدة أطمة الحدودية حيث يعيش عشرات الآلاف الذين نزحوا من مختلف المدن السورية على مدى الأعوام الماضية.

ولم يكن لتلك العائلات النازحة خيارات عديدة لتأمين مكان للإقامة، لتتحول، مؤخرا، الأراضي الزراعية والطرقات العامة لمقر يقيم به الأطفال والرجال والنساء دون امتلاك أدنى مقومات الحياة الأساسية، ومعظم النازحين لا يملكون خياما يحتمون داخلها.



وأوضح المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، خلال مؤتمر صحافي عقده الإثنين، أن نحو 307 آلاف شخص اضطروا للنزوح خلال الفترة من 1 نيسان/أبريل و22 أيار/مايو الماضيين، ويعيش معظمهم خارج المخيمات ومراكز الاستقبال.

وأشار إلى أنّ "100 مدرسة في إدلب تستضيف أعدادا كبيرة من هؤلاء النازحين، في حين يتعرّض الأمن الغذائي وسبل العيش لملايين الأشخاص، في جميع أنحاء حماة وإدلب وحلب، لمخاطر جمة بعد تدمير المحاصيل والأراضي الزراعية وغيرها".


فريق "منسقو استجابة سورية" وثق نزوح أكثر من 400 ألف شخص منذ بداية شباط/فبراير وحتى 3 حزيران/يونيو.

عدم القدرة على إنشاء مخيمات جديدة

المتحدثة باسم برنامج الأمم المتحدة في سوريا مروى عوض، أوضحت أن "نزوح الأشخاص مستمر ويتوجه معظمهم نحو الحدود الشمالية مع تركيا حيث تخطت المخيمات طاقتها الاستيعابية". فمخيمات شمال غرب سوريا تعمل بـ400% من طاقتها، وفقا لتقييمات الأمم المتحدة. أي أن المخيم المعد لألف شخص يستقبل 4 آلاف.

المخيمات المكتظة أساسا بالسكان حاولت استيعاب أعداد قليلة من النازحين الجدد، ليفترش باقي الأشخاص العراء. فالمنطقة، بوضعها الحالي، لا تملك القدرة على إنشاء مخيمات جديدة تأوي الأشخاص.

في حديث مع مهاجر نيوز، يشرح الطبيب محمد كتوب من الجمعية الطبية السورية الأمريكية "سامز" مدير حملات المناصرة في سوريا والمطلع على الوضع الصحي للنازحين، طبيعة المخيمات بشكل عام في سوريا، حيث يوجد نحو 9 آلاف نقطة تمركز للنازحين، منها مخيمات رسمية تقع تحت رعاية الجمعيات والمنظمات الدولية، وهناك ما يسمى بالمخيمات المؤقتة التي هي عبارة عن مراكز استقبال مؤقتة في المدراس أو المساجد مثلا. أما فيما يتعلق بالمخيمات العشوائية، فالـ"وضع يكون أكثر تعقيدا".

يبدأ تشكيل المخيم العشوائي عادة، عندما يباشر بعض الأشخاص بالتجمع في أرض ما دون امتلاكهم لخيم، فيضعون بعض الشوادر للاحتماء من الشمس أو المطر مثلأ. وهنا تحاول الجهات المحلية الفاعلة تقديم المساعدة والدعم لهؤلاء الأشخاص. ويبدأ المخيم بالنمو.

المشاكل التي تواجه النازحين في هذا النوع من المخيمات هي "عدم وجود احتياجات أساسية مثل مياه شرب نظيفة أو نظام صرف صحي، وهي ليست سهلة أبدا خاصة عندما يكون موقع التجمع في أراضٍ زراعية، فيعمد الأشخاص إلى وضع صهاريج مياه لكن هذا غير كاف وغير مستدام فتنهار المخيمات عند أدنى عاصفة جوية مثلا".

وفي إدلب تحديدا، السبب في عدم إقامة مخيمات جديدة أو تحويل العشوائيات لأماكن أكثر استدامة "يعود لمشكلة قانونية بيروقراطية بحتة، وهي مشكلة الأراضي والعقارات"، إضافة إلى بعض المعايير الأخرى التي تحول دون تشكيل المخيمات الرسمية. 

الانتقال إلى حالة المخيم الرسمي، صعبة جدا، ويتساءل كتوب "من هي الجهة المانحة التي تقبل بالتمويل والشروط القانونية غير محققة؟". فالأراضي يجب أن تكون ممنوحة من صاحب العقار، خاصة وأن إقامة المخيم لن تكون لفترة قصيرة نظرا لوضع المنطقة. فالأرض يجب أن تكون متاحة لمدة دائمة، وفي أغلب الأحيان لا يتم القبول بعقد أجار مؤقت من مالك الأرض، ومن الطبيعي ألا يتم السيطرة على أرض تابعة لملكية خاصة لفترة دائمة "فهذا مجحف أيضا بحق أصحاب الأرض". وهنا نكون قد "دخلنا في حلقة مفرغة ومشكلة أخلاقية".

تنحصر المساعدات المقدمة للتجمعات العشوائية على توزيع سلل غذائية، لكن "نظرا لعدم وجود مرافق في هذا النوع من المخيمات، حتى توزيع السلل الغذائية لا يكون حلا للمشكلة، فلا توجد أماكن للطهي وبالتالي هم يحتاجون لوجبات جاهزة وبذلك تكبر المشكلة".


لا توجد عودة قريبة


ويضيف كتوب أنه من الواضح مع التصعيد العسكري الأخير "أنه لا توجد عودة قريبة سواء إن فرض النظام سيطرته عليها أم لا".

فالقصف طال نحو 200 قرية، والبنى التحتية أساسا ضعيفة في تلك الأماكن، ومع تعرضها للقصف تكون قد ساءت بها الأحوال أكثر، فإلى أين يعود السكان وبيوتهم قد تهدمت ولا توجد بنى تحتية؟

المشاكل الصحية في المخيمات العشوائية تتفاقم بسهولة، فمن الممكن أن يظهر طيف واسع من الأمراض الناجمة عن نقص المياه مع الطقس الحار، خاصة عند الأطفال، وتبلغ نسبة الذين هم تحت سن الخامسة تقريبا 14.5% في المجتمع السوري بشكل عام، أما نسبة القاصرين قد تتجاوز 40%.

وأكد الطبيب وجود إصابات سابقة بداء اللشمانيا، ويمكن أن تنتقل العدوى بسرعة لأن الذباب ينقلها بشكل رئيسي، كما ظهرت الكثير من حالات حمى التيفوئيد إضافة إلى الأمراض الهضيمة.

كما أنه في تلك التجمعات يوجد نقص واضح في القدرة على تأمين اللقاحات الضرورية للأطفال، وينجم عن ذلك أمراض عدة أهمها الحصبة.

إذا استمر الوضع على حاله، "سوف ننتقل إلى مرحلة انتشار الأوبئة خاصة مع قدوم فصل الصيف، وتضاعف عبء الرعاية الصحية في المنطقة بسبب الازدياد المفاجئ لعدد السكان، نظرا لأنها أكبر موجة نزوح منذ العام 2011".



هذا ودعت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف" إلى وقف معاناة الأطفال في المنطقة، لافتةً إلى أن عشرات الآلاف من الأطفال معرضون لخطر الموت الوشيك أو الإصابة أو التشرد مع تصاعد الهجمات العسكرية للنظام.

وأكدت المديرة التنفيذية للمنظمة، هنرييتا فور، في بيان لها، أن العنف المتصاعد أدى إلى مقتل 134 طفلا على الأقل ونزوح ما يزيد عن 125 ألف طفل آخر منذ بداية العام.

استهداف المستشفيات

استهدف القصف مختلف المنشآت الحيوية و"أراض زراعية ثمينة قد دمرت وسط القتال، ما يعطل الدورات الزراعية والحصاد، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي وسبل عيش ملايين السوريين الذين أرهقوا بالفعل تحت وطأة 8 سنوات من الأزمة"، بحسب اليونيسف، إلا أن الأمر الأخطر هو استهداف المستشفيات والمراكز الصحية.

بداية الأسبوع الحالي، استهدفت قوات النظام السوري مساء الإثنين، مدينة كفرنبل بـ14 صاروخاً، ما أدى إلى خروج آخر مستشفى عن الخدمة، وبتضرر هذا المستشفى وخروجه من الخدمة، تكون مدينة كفرنبل خالية من وجود مستشفيات، بعد خروج مرافقها الصحية الأربعة من الخدمة.

ووفق الأمم المتحدة، طال القصف المستمر منذ أواخر نيسان/أبريل 20 مرفقاً طبياً، لا يزال 19 منها خارج الخدمة.

ولفت من جهته الطبيب محمد كتوب إلى أن قصف المشافي مشكلة كبيرة، ففي الحملة الأخيرة تم استهداف 25 مرفقا صحيا (مشافي ومستوصفات)، منهم من أغلق أبوابه بشكل نهائي.

وصعّدت قوات النظام، منذ شباط/فبراير الماضي، وتيرة قصفها على إدلب ومحيطها، قبل أن تنضم الطائرات الروسية إليها فيما بعد. ومنذ نهاية نيسان/أبريل، بلغت وتيرة القصف حداً غير مسبوق منذ توقيع اتفاق سوتشي الذي تم خرقه، وأدى إلى وقوع ضحايا مدنيين في إدلب التي يقيم فيها نحو 4 ملايين مدني، بينهم مئات الآلاف من النازحين.



 

للمزيد