الفنان اللاجئ منير حسن أمام لوحته التي تحكي مغامرته في البحر المتوسط
الفنان اللاجئ منير حسن أمام لوحته التي تحكي مغامرته في البحر المتوسط

الشاب منير حسن فر من أريتريا بسبب معارضته لسياسة الرئيس والذي يعتبر ‏‏"ديكتاتوراً". عبر طريق الهجرة السرية غير الشرعية وصل إلى إيطاليا ومنها ‏إلى فرنسا. إنه يحلم بدخول المعهد العالي للفنون الجميلة، فهو فنان موهوب، لكن ‏مشكلة اللغة تبقى عقبته الرئيسية.‏

"أحلم بدخول المعهد العالي للفنون الجميلة وإقامة معارض لرسوماتي في فرنسا… الرسم هو الحياة" هذا ما يردده منير حسن الذي اختار أن يغادر بلاده أريتريا ليسير بطريقة الهجرة غير الشرعية ليوصله "الحظ " إلى فرنسا.

لقد غامر بحياته لأنه لم يعد "قادراً على العيش في ظل حكم ديكتاتوري حيث القمع والخدمة العسكرية الاجبارية التي لا مدة زمنية لإتمامها (…) حتى أن اللوحات التي كنت أرسمها على الورق أو القماش، لم تكن تتعدى المناظر الطبيعية أو الخالية من أي تعبير قد يتعارض مع الرئيس، وإلّا السجن مصيري".

في إحدى لوحاته الجديدة، يمكن رؤية ما وصفه بـ "الرئيس الديكتاتور الذي يعطل الدستور ويغيّب القوانين عن حكمه. هذا الديكتاتور هو ذلك الرجل ذو العينين المخبأتين بظلال أسود وقد كمّم فم امرأة ارتدت العلم الاريتري وحملت الدستور بين يديها لكنها في حالة غضب بسبب منعها من الكلام".




من مخيم ساوا إلى إيطاليا: درب زًرعت بالموت 

هذا الشاب الموهوب الحائز على إقامة لاجئ سياسي، كان يتابع في العاصمة الاريترية أسمرة، دروساً ليلية في فن الرسم في معهد الفنون، وذلك إلى جانب دراسته الثانوية. وبعد أن حاز على شهادة البكالوريا، وجب عليه تنفيذ الخدمة العسكرية. لكنه لم يتحمل أكثر من ثلاث سنوات من هذه الحياة. في تشرين الأول/أكتوبر من العام 2014 فرّ مع أربعة رفاق له من مخيم ساوا العسكري إلى السودان على أمل الوصول إلى أوروبا وطلب اللجوء فيها. لكن للوصول إلى السودان كان عليه أن يقطع الحدود ليلاً، سيراً على الاقدام مدة يومين. "كنا خائفين من أن يكتشف أمرنا رجال الامن أو الجيش فيقبضون علينا".

بعد مضي ثمانية أشهر في السودان، حيث عمل منير في تنظيف أحد الفنادق، اتصل ‏ورفاقه بأناس في ليبيا ليساعدوهم على ركوب البحر الابيض المتوسط لتحقيق ‏هدفهم الرئيسي وهو الوصول إلى أوروبا مقابل 3500 دولار.

رحلة الشقاء والمخاطر هذه غذت موهبة هذا الشاب، وزادت من عزيمته على المضي في ‏‏الرسم وترجمة مكنونات صدره وما رأته عيناه من أهوال ومصائب. فلوحاته تحكي لحظات القلق والخوف والرعب التي عاشها ورآها ‏‏في عيون الذين التقاهم.

ويقول هذا الشاب ذو الخامسة والعشرين من العمر اليوم "كل لوحة شكلت قصة بحد ‏‏ذاتها. لقد رسمت الناس وهم يسقطون في مياه البحر الأبيض المتوسط بعد أن بدأ ‏‏يفرغ المركب المطاطي من الهواء واخذت المياه بالتسرب إليه. وفي الجهة الامامية ‏‏من اللوحة تعلق صبي بما تبقى من الزورق والخوف يملأ عينيه. هذا الزورق المطاطي ‏‏كان على متنه خمسون راكباً. لقد كانوا يصرخون طالبين النجدة. للمرة الثانية رأيت أناساً يموتون لكن غرقاً في البحر".  

صورة ذلك الصبي وصراخ الناس لا يفارقان منير. فأكثر ما يؤلمه في ‏رحلته إلتي أرادها نحو الحرية "رؤية أناس يموتون من العطش والغرق. فهذا ‏أسوأ ما رأيته وأكثر ما أوجعني. في الصحراء الليبية، بقينا خمسة أيام بلا ماء. ففقدنا خمسة شبان ممن كانوا معنا".




منير والموعد مع "الحظ السعيد"

لم يكن منير ورفاقه الأربعة يعبرون الصحراء وحدهم بل كانوا مجموعة مؤلفة من 130 مهاجراً. لقد وضعوا في سيارات نقل البضائع (كتلك السيارة في الصورة). كل سيارة تكدس فيها 27 شخصاً.

ويكمل قصته المجنونة "في ليبيا بقينا مختبئين مدة أربعة أشهر. لا أدري ما اسم المكان. كل ما أعلم أننا كنا ‏مختبئين في قاعة كبيرة جداً. لم نكن نعلم جيداً كيف وإلى اين نتوجه. كل ما كنا ‏نعرفه اننا دفعنا مبلغ 3500 دولار مقابل نقلنا إلى أوروبا. الرجال الذين نقلونا كانوا يقطعون الحواجز دون ان يتم تفتيشنا. حتى وصلنا إلى السفينة ‏فصعدناها. كنا 700 شخص على متنها. وهي لا تتسع لأكثر من مئتي شخص. لم تكن آمنة على الاطلاق. محركها كان يتوقف باستمرار والماء ‏تدخل إليها. كنا ننتظر أن تغرق السفينة في أية لحظة وتجرنا معنا إلى قعر البحر. لكن بعد سبع ساعات من الإبحار، جاءت سفينة ‏‏انقاذ وانتشلتنا وأنزلتنا على جزيرة لامبيدوزا الإيطالية حيث بقينا شهراً، خلاله تقدمنا بطلب اللجوء، قبل أن ينقلونا إلى روما". 

وصل منير إلى فرنسا عن طريق الصدفة، "حظي كان سعيداً حين استفدت كغيري من عملية إعادة توزيع اللاجئين. وقد تم اختياري للانتقال إلى فرنسا. على الفور وافقت. رفضي للانتقال يعني أنه يجب البقاء في إيطاليا، حينها وجدت الحياة في ذلك البلد صعبة وشاقة".

اليوم بعد سنتين ونصف السنة من وصوله الى ديجون، يعيش في مسكن لللاجئين ويعمل في التنظيف في إحدى الشركات. وقبل أن يقيم أول معرض له في مدينة ديجون الفرنسية حيث ساعدته البعثة المحلية ‏التي تُعنى بالشباب، على تنظيمها، كان قد أقام معرضين في بلاده. المعرض الاول ‏كان مع مجموعة من الفنانين أما الثاني فكان منفرداً فيه.

لكن لتحقيق حلمه ومتابعة دروسه في المعهد العالي للفنون الجميلة، يجب أن يتخطى مشكلة اللغة. لذلك تابع دروساً في اللغة الفرنسية لكن "المشكلة تبقى في اللغة. ما تعلمته في المراكز المخصصة لتعلم اللغة غير كاف لي. جلّ ما أحلم به أن أجد مكاناً لي على مقاعد معهد الفنون الجميلة وأن أقيم معارض للوحاتي".

 

للمزيد