تييري وأحد أصدقائه في مركز كاريتاس في نيقوسيا. الصورة: آن دياندرا لوارن
تييري وأحد أصدقائه في مركز كاريتاس في نيقوسيا. الصورة: آن دياندرا لوارن

يبدو أن هناك طريق هجرة جديدة بدأ المهربون باعتمادها من أفريقيا إلى قبرص عبر تركيا. مهاجر نيوز التقى بمهاجرين كانوا موعودين بالذهاب إلى إيطاليا، ولكنهم عوضا عن ذلك وجدوا أنفسهم في قبرص. فكيف حصل ذلك؟

لا تنتهي عناءات المهاجرين مع شبكات التهريب، التي تسعى بمعظمها لاستغلال كل ما لديهم بهدف تحقيق أعلى ربح مادي، حتى ولو كان على حساب مستقبل وحياة المهاجرين أنفسهم.

في قبرص، الجزيرة المتوسطية المقابلة للسواحل اللبنانية والسورية، يكثر الحديث عن النشاط المتزايد لهذه الشبكات، وأساليبها المبتكرة التي أفضت إلى تحويل الجزيرة، شيئا فشيئا، إلى وجهة مرغوبة من قبل المهاجرين، ولكن دون معرفتهم. فكيف يتم ذلك؟

مهاجر نيوز قصد الجزيرة المقسومة، جزء شمالي يخضع للاحتلال التركي (منذ 1974) وجنوبي يخضع للسلطات القبرصية. قصص المهاجرين هناك تختلف باختلاف جنسياتهم ومواطنهم الأصلية. إلا أن إحدى أكثر القصص إثارة للاهتمام، جاءت من مهاجرين أفارقة، جل ما كانوا يحلمون به هو الوصول لأوروبا بحثا عن مستقبل أفضل.

في أحد مراكز أنشطة الهجرة واللجوء التابعة لمنظمة كاريتاس الإنسانية، والكائن مباشرة على الحد الفاصل بين شطري المدينة المقسومة، يجلس تييري وهو مهاجر قادم من الكاميرون إلى جانب أشخاص آخرين من مواطنيه يتبادلون أطراف الحديث. يقول تييري لمهاجر نيوز "وضعت كافة مدخراتي التي جمعتها طيلة حياتي لأصل لأوروبا. المهرب الذي اتفقت معه أكد لي أنه سيوصلني إلى إيطاليا... صدقته وانطلقت بالرحلة. وصلت إلى إسطنبول، هناك استقليت طائرة أخرى قال لي المهرب إنها متوجهة لإيطاليا...".

ولكن الرياح جاءت بما لم تشتهيه سفن المهاجر الكاميروني. "حطت الطائرة فوجدت نفسي في القسم التركي من قبرص".

طريق هجرة جديد

لم يدرك تييري إلا متأخرا بأنه بات في مأزق خطير. "لم يكن أمامي من حلول كثيرة. لم يطل الأمر حتى وجدت مهربا هناك. طلبت منه أن يوصلني للجانب الأوروبي من الجزيرة. طلب مني 400  يورو، لكنني لم أكن أملك ذلك المبلغ، فقد دفعت كل أموالي للمهرب في الكاميرون. حينها، قال لي المهرب بأنه يمكنني العمل هناك حتى أتمكن من جمع المبلغ الكافي، وهذا ما حصل. عملت في مجال البناء لمدة ستة أشهر مقابل 6 يوروهات في اليوم... كانت الظروف المعيشية مروعة، اعتقدت أنني لن أخرج أبدا من ذلك الجحيم، لكنني تمكنت في النهاية من الوصول إلى هنا".

                      cyprus-maps

أكثر من تسعة أشهر مرت منذ وصول تييري للقسم القبرصي، "ما أن دخلت القسم الأوروبي حتى طلبت اللجوء". كالكثير من طالبي اللجوء هناك، لم يتم استدعاء تييري لإجراء المقابلة مباشرة. "هناك أشخاص هنا ينتظرون تحديد موعد للمقابلة منذ أكثر من عام. لا يتم إخبارنا بأي شيء".

يتشارك تييري غرفة مع صديق له، ولجمع مبلغ الإيجار يبحث عن وظائف يومية في قطاعات مختلفة. "إيجار الغرفة 350 يورو. بالكاد يمكنني تأمين حصتي كل شهر. من المفترض أن نتلقى مساعدات شهرية من الحكومة بقيمة 100 يورو للإيجار، لكنني لم أتلقاها إلا مرة واحدة منذ تسعة أشهر... نعاني من البيروقراطية والمعاملات الإدارية التي لا تنتهي هنا".

مثل تييري، هناك عدد كبير من المهاجرين الكاميرونيين تحديدا ممن وصلوا مؤخرا إلى قبرص بنفس الطريقة. فيديريكو، مدير مركز كاريتاس في نيقوسيا الذي يستقبل نحو 100 لاجئ يوميا، يؤكد هذا الموضوع. "وصلوا جميعا (الكاميرونيين) تقريبا عبر الحدود مع الشمال. حاليا، حوالي 70% من الأشخاص الذين نستقبلهم في هذا المركز من الكاميرون، ومعظمهم من الناطقين بالفرنسية".


فكرت في الذهاب إلى اليونان سباحة... لكنني عدلت عن الموضوع

يقول فيديريكو لمهاجر نيوز "يعدهم المهربون بإيصالهم إلى إيطاليا أو إسبانيا أو اليونان، إلا أنهم ينتهي بهم المطاف هنا. حين نريهم على الخارطة أين هم تحديدا، يبدأ الكثيرون منهم بالبكاء، فهم يائسون ولم يستوعبوا ما حصل لهم".

ويقوم فريق المتطوعين في مركز كاريتاس بمرافقة طالبي اللجوء خلال الإجراءات الإدارية التي عليهم القيام بها. "معظمهم لا يريد البقاء هنا. فهم اكتشفوا مدى سهولة الدخول إلى قبرص، وبالمقابل مدى صعوبة الخروج منها. هم يشعرون بأنهم محاصرون هنا، في مكان لم يختاروا القدوم إليه ولم يجدوا فيه الترحاب المناسب".

خلال الحديث، يقول تييري ممازحا "فكرت في الذهاب إلى اليونان سباحة... لكنني عدلت عن الموضوع، إنه أمر خطير للغاية." ليعود ويضيف "أعتقد أنه يمكن أن نحظى بمستقبل هنا، حتى لو كان وجودنا في قبرص خارج عن إرادتنا، ولكننا بحاجة لأن تسمح لنا الحكومة بالعمل، حاليا هذه هي العقبة الوحيدة بوجهنا... نحتاج فقط لأن نعامل باحترام، فنحن نساهم ببناء اقتصاد البلد مثل أي شخص آخر".

ووفقا لتقرير أصدره مجلس اللاجئين في قبرص حصل عليه مهاجر نيوز، نجح واحد من أصل اثنين من الكاميرون في الحصول على اللجوء أو الحماية الفرعية.

وحسب التقرير، تقدم 507 من الكاميرون بطلبات لجوء في قبرص في 2018، تم منح 25 منهم وضع اللجوء وتم رفض 30، في حين مازال آخرون ينتظرون.

وتتوقع تقارير عدة لمنظمات محلية غير حكومية بازدياد اعتماد المهربين على هذه الطريق الجديدة لإيصال المهاجرين من أفريقيا إلى قبرص. وبالنسبة للمنظمات، سيكون من الصعب متابعة كيفية معالجة طلبات اللجوء في هذه الجزيرة الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها 850 ألف نسمة، في ظل النظام المتبع حاليا والارتفاع المتزايد بتدفقات المهاجرين عليها.

 

للمزيد