مدخل الصالة الملحقة بفندق ريمي في شارع سولونوس في نيقوسيا. الصورة: شريف بيبي
مدخل الصالة الملحقة بفندق ريمي في شارع سولونوس في نيقوسيا. الصورة: شريف بيبي

يقع فندق ريمي، الذي تستأجره الدولة القبرصية لإيواء عائلات من اللاجئين وطالبي اللجوء، في شارع سولونوس السياحي. مقاه ومطاعم ومحلات سياحية تحيط بالفندق المبني على الطراز اليوناني التقليدي. مهاجر نيوز التقى هناك بعزيز، مهاجر كردي عراقي، حيث دار حديث معه حول ظروف الحياة هناك وأبرز التحديات التي يواجهها وعائلته.

لدى دخولك إلى شارع سولونوس السياحي في نيقوسيا، أول ما يطالعك هو محلات بيع التذكارات السياحية والمقاهي والمطاعم المتناثرة على جانبيه. الشارع مخصص للمشاة، لا يمكن للسيارات المرور به أو بأزقته لضيقها، فضلا عن سعي السلطات للحفاظ على طابعه التراثي الجاذب للسياح.

تجلس في أحد المقاهي، يتناهى إلى سمعك أصوات أولاد يلهون بالقرب منك، يتحدثون العربية والكردية وبعض الكلمات اليونانية. للوهلة الأولى لن تتمكن من الربط بين هؤلاء الأطفال والمنطقة بشكل عام.

هؤلاء الأطفال يقطنون وأهلهم في فندق ريمي المتوسط للشارع التراثي. الفندق استأجرته وزارة الشؤون الاجتماعية لإسكان عائلات من اللاجئين أو طالبي اللجوء. الفندق يتكون من ثلاث طبقات، ومعه ملحق على الطابق الأرضي كان يستخدم كصالة للحفلات. على باب الصالة تقف مجموعة من الرجال يتبادلون أطراف الحديث، في الداخل مجموعة أخرى تتحلق حول طاولة مستديرة للعب الورق.

كل ما يحيط بالمكان يوحي بالهدوء والسكينة اللذان تقذفهما في نفسك شمس المتوسط الحارقة.

بدلا من ألمانيا وجدت نفسي في قبرص

ما أن يلحظنا عزيز حتى يقف تاركا لعبة الورق وسط انزعاج أصدقائه. يبدو الرجل وكأنه معروف جدا ومحبوب لدى الجميع هنا. بعد شرح بسيط لزملائه عن سبب اضطراره لترك اللعبة، توجهنا معه إلى الغرفة التي يسكنها وعائلته في الطابق الثالث من المبنى.

عزيز (بالقميص البني) يتحدث مع لاجئين آخرين يقيمان بنفس المركز. الصورة: شريف بيبي

عزيز طالب لجوء كردي عراقي، جاء مع عائلته إلى قبرص في أيلول/سبتمبر من العام الماضي.

تختزل قصة عزيز قصص المئات من المهاجرين وطالبي اللجوء ممن وقعوا ضحايا غش وكذب شبكات التهريب. فالرجل منذ اللحظة الأولى لتواصله مع المهربين في العراق، اتفق معهم على إيصاله وعائلته إلى ألمانيا مقابل مبلغ من المال يقدر بـ10 آلاف دولار.

"كان كل شيء معد بإحكام، هذا ما كان يقوله لي المهرب. الرحلة إلى تركيا كانت سلسة إلى حد كبير، حتى الرحلة إلى الجزء التركي من قبرص كان سهلا جدا، حيث استقلينا إحدى العبارات المتجهة من مرسين في تركيا إلى فاماغوستا في قبرص".

لم يخطر في بال عزيز وعائلته أنهم متوجهون إلى قبرص، "المهرب قال إننا سنذهب إلى إحدى الجزر السياحية التركية، ومن هناك ستأخذنا باخرة إلى ألمانيا. طبعا صدقناه".

وصلت العائلة إلى القسم التركي من الجزيرة، مهرب لاقاهم هناك ونقلهم بسيارته إلى القسم الأوروبي، "حتى الآن كل شيء على ما يرام، وصلنا محطة الحافلات المركزية في نيقوسيا في 16 أيلول/سبتمبر. طلب منا المهرب النزول من السيارة ريثما يركنها، نزلنا ومعنا شنطتان فقط لثيابنا، تركنا باقي الأغراض في السيارة، ثياب وأموال وهواتف نقالة. بعد طول انتظار أدركت أنه لن يعود. كما لم يطل الأمر كثيرا حتى اكتشفت أننا في قبرص من خلال استراقي السمع للغة وملاحظتي للسيارات التي تتم قيادتها من الجهة اليمنى".

تقبلت العائلة مصيرها وتوجهت إلى أقرب مركز للشرطة للتبليغ عن حضورها.

"مباشرة نقلونا إلى هذا الفندق الذي نحن فيه الآن"، يقول عزيز، ويتابع "حاولنا التأقلم سريعا، لا خيارات أمامنا".

جانب من الغرفة

فقدت الثقة بالأجهزة المعنية باللاجئين في قبرص

يشكو عزيز من الحالة السيئة نسبيا للفندق، فجدران الغرف تحتاج للصيانة بشكل واضح، "خلال الشتاء تبدأ المياه باجتياح أرض الغرفة من خلال الجدران. أبلغنا وزارة الشؤون بذلك عدة مرات، حتى أننا ناشدنا الصليب الأحمر، دون جدوى. في أحد الأيام، كان ابني يستحم فوقع عليه السقف، انهار، أحمد الله أنه نجا من سقوط الحجارة. صاحب الفندق قال لي إن هذا أمر طبيعي!!".

مع ذلك، يصف عزيز صاحب الفندق بأنه رجل طيب، "منذ وصولنا سمح لنا باستخدام مطبخ المطعم التابع للفندق، كان يجلب لنا حاجياتنا لنطبخ طعامنا. كما أنه أتاح لنا استخدام صالة مطعمه مرتين يوميا، عند الفطور وعند العشاء. المشكلة ليست مع صاحب الفندق مع أنه يضيق علينا أحيانا ببعض الطلبات. مثلا، منعنا من امتلاك ثلاجات في الغرف، والصيف هنا حارق ونحتاج لثلاجات لنحفظ الطعام ونبرد المياه للأطفال. تمكنا من تهريب بعض الثلاجات إلى الغرف وأعتقد أنه يعلم بذلك، ولكنه يغض الطرف".

فضلا عن ذلك، ليس هناك غسالة في الفندق، زوجة عزيز شأنها شأن الباقين في الفندق، يغسلون على أيديهم.

بالنسبة لعزيز، المشكلة تكمن في الأجهزة الرسمية المعنية بمتابعة شؤون اللاجئين وطالبي اللجوء، "لدينا أزمة ثقة مع الموظفين في تلك الأجهزة. نشعر وكأنهم يكذبون علينا. فعلى سبيل المثال، يحق لي كطالب لجوء أن أتقاضى مبلغ 435 يورو شهريا كبدل مصاريف لعائلتي، إلا أنهم دائما يعطوني المبلغ بالتقسيط، لا أعلم لماذا".

المطبخ!

لا يسمحون لنا بالانتقال لمنازل حقيقية

حتى موضوع الإسكان، فبالنسبة لعزيز لا يمكن أن تكون الحياة التي يعيشها حاليا مناسبة للأولاد. فوفقا له أبلغتهم وزارة الشؤون الاجتماعية إمكانية استئجار منزل لهم ضمن مبلغ مالي معين، "وجدت 5 منازل، أحدهم بـ270 يورو بالشهر، لكنهم رفضوا. بالمقابل تدفع الحكومة إيجار هذه الغرفة أكثر من 85 يورو يوميا، يعني حوالى 2,550 يورو شهريا. قس ذلك على باقي الغرف، هناك الكثير من العائلات التي تشغل الكثير من الغرف هنا. إنه مبلغ خيالي، لا أعلم لماذا يرفضون نقلنا لمنازل مستأجرة بمبالغ أقل من ذلك بكثير؟".

تقدم عزيز بطلب لجوء وعائلته بتاريخ 8 آذار/مارس 2019، ومازال ينتظر جوابا. "أنا متفائل بحصولنا على اللجوء، ليس لدينا خيارات كثيرة أساسا. نحن لسنا سعداء هنا، تركنا بلدنا وأهلنا لنجيء هنا ونعيش في هذه الغرفة بهذه الظروف. أساسا اتخذنا قرار الهجرة من أجل مستقبل الأولاد، أخشى أنني لا أستطيع رؤية مستقبل جيد لهم هنا في قبرص. كنت أتمنى أن أذهب لألمانيا ولكن الآن ذلك شبه مستحيل. ما أسعى إليه هو أن أستفيد من الإقامة هنا إلى أقصى الدرجات، وأحاول أن أؤمن لأطفالي الحياة التي لطالما أردتهم أن يعيشوها".

وأكد عزيز أنه بداية لم يكن متاح لأطفاله التسجيل في المدرسة، "كان ذلك كابوسا بالنسبة لي. شاركت بالتظاهرات مع باقي اللاجئين أمام وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التربية للسماح لأبنائنا بالتعلم. سمح لنا بتسجيلهم بداية العام الحالي، وهم حاليا سعداء في المدرسة، باتوا يتحدثون الإنكليزية واليونانية...".

خزانة من المفترض أن تحفظ ثياب العائلة، ولكنها تحتاج للكثير من الصيانة.

ربما كان علينا أن نبقى في العراق

ويضيف بأن الظروف العامة غير ملائمة للأطفال في ذلك الفندق، إذ ليس هناك مساحات كافية لهم للعب، "في مرحلة ما، وصل عدد الأطفال هنا إلى 60، الجميع اشتكى علينا، مطاعم وفنادق سياحية وحتى الجيران. نتفهّم غضبهم ولكن ما بيدنا حيلة، هؤلاء أطفال يريدون اللعب...".

ويشير عزيز، الذي لم يتوقف عن استقبال أشخاص مختلفين من الساكنين في الفندق، يسألون عن تفاصيل معينة أو يستشيرونه بأمور متعلقة بالفندق بشكل عام، إلى أن أغلب لعائلات التي تسكن هناك هي كردية عراقية، مع تواجد قليل لعائلات من سوريا ولبنان والصومال.

ويختم الرجل الثلاثيني قائلا "كم أود أن أعود بعائلتي إلى قريتي في العراق، ولكنها مدمرة تماما والأمن هناك شبه مفقود. أشتاق لعائلتي ولحياتي هناك. أحيانا أفكر بأنه كان من الأفضل لنا أن نبقى على الرغم من الحروب والمعارك، على الأقل أنا هناك مرتاح نفسيا، ليس علي سوى التفكير بحماية عائلتي أثناء المعارك، لا أعلم ربما؟".

 

للمزيد