اللبنانيين الثلاثة أمام فندق ريمي في نيقوسيا
اللبنانيين الثلاثة أمام فندق ريمي في نيقوسيا

خلال زيارة قبرص، صادف مهاجر نيوز ثلاثة شبان لبنانيين مهاجرين مقيمين بفندق ريمي في العاصمة نيقوسيا. للوهلة الأولى، لا يخيل إليك أنك ستلتقي بمهاجرين لبنانيين، فلبنان ليس بلدا مصدرا للمهاجرين. مهاجر نيوز استمع للشبان الثلاثة وعاد بهذا النص.

ثلاثة شبان لبنانيين يجلسون عند مدخل فندق ريمي في العاصمة القبرصية نيقوسيا. أحدهم يحمل وعاء بلاستيكيا والآخران يتناقشان بأمور عامة.

للوهلة الأولى لا يمكنك تمييز جنسيتهم، إلا أنه بعد أن تبدأ بالاستماع إلى أحاديثهم، تكتشف أنهم لبنانيون وتحديدا من مدينة طرابلس، من خلال اللهجة الطرابلسية المحببة والمشهورة لسكان بلاد شرق المتوسط.

أكبرهم محمد (40 عاما)، يستلم دفة الحديث متوجها بكلامه لمهاجر نيوز بالقول "أنا لبناني، واخترت الهجرة بعيدا عن وطني وعائلتي وحياتي كلها لأنني لم أعد أحظى بمكان في بلدي. في لبنان لا عمل، والاستشفاء غير متاح لمن هم بمثل وضعي، والتعليم حدث ولا حرج، وفضلا عن ذلك كله لم أعد أشعر بحريتي بالتعبير عن آرائي".

خلال حديثه، كان الشابان الآخران حسام (30 عاما) وأحمد (17 عاما) يستمعان إليه ويهزان برأسيهما موافقان على كلامه، قبل أن يضيف "سأستمر بالحديث عن نفسي وتجربتي. في لبنان كنت عضوا في إحدى الجمعيات المدنية التنموية، كان ذلك بمثابة شغف لي. ولكن نتيجة النزاعات السياسية وتقلص مساحة حرية التعبير لم تعد تلك الجمعية موجودة".

يرينا محمد مجموعة من الفيديوهات على موقع يوتيوب تظهره في عدد من المسيرات الكشفية والأنشطة الخاصة بالأطفال، ليثبت صحة كلامه. "عملي الأساسي هو صياد، أنا صياد سمك. ولكن مؤخرا، وأعني منذ عدة سنوات، بات نزولي إلى البحر لعنة يومية، فكمية النفايات التي كنت أجمعها فاقت تصوري، حتى انتهى بي الأمر بجمع النفايات بشباكي بدلا من السمك".

للمزيد: لم نعد نبالي... خسرنا كل شيء ولكن لن نجازف بمستقبل أولادنا

"مللت، بات عمري 40 عاما وأنا لا أملك بيتا، حتى أنني لا أضمن أنني سأتمكن من إطعام نفسي في اليوم التالي، هذه ليست حياة".

ظلمت وسجنت فقررت الهجرة

يستفيض محمد بحديثه عن الأوضاع المعيشية والاقتصادية في لبنان التي دفعته لاتخاذ قرار الهجرة ليتدخل حسام.

حسام، صياد سمك أيضا، تربطه بمحمد علاقة قديمة جدا، ولكن أسبابه للهجرة تختلف بعض الشيء، "إضافة لكل ما ذكره محمد، أنا تعرضت لظلم كبير، سجنت ظلما لعدد من السنوات. خسرت خلال تلك المدة الكثير، لم أعد أريد الحياة في مكان ظلمني وتسبب بانهيار حياتي بشكل كامل. ما أن خرجت من السجن حتى بدأت بالتفكير الجدي بالهجرة، حينها اكتشفت أن محمد يفكر بالموضوع أيضا".

لدى سؤالهم عن سبب اختيارهم قبرص يجيب محمد "نعم كان هدفنا قبرص تحديدا، لطالما سمعت عن احترام حقوق الإنسان هنا، وهذا ما نسعى له جميعنا، نريد أن نعيش في بلد يحترمنا ويحترم كياننا كبشر. لا نريد أن نعود للحياة التي كنا نعيشها في لبنان".

يسرد محمد تفاصيل يوم وصولهم إلى قبرص، "وصلنا إلى شاطئ ليماسول يوم 2 أيار/مايو 2019. ما أن رصدنا الطراد البحري القبرصي حتى اقترب منا. وبعد التأكد من هوياتنا طلب منا اللحاق به إلى الميناء. الاستقبال الذي حظينا به هناك كان دافئا جدا، مجموعة من الأشخاص عمدت للاهتمام بالأطفال والنساء مباشرة. عرضونا على طبيب وأمنوا لنا الطعام. ولاحقا نقلونا إلى مخيم استقبال في مدينة كوكينوتريميثيا -غرب نيقوسيا- لمدة 15 يوما، بعد ذلك أودعونا في هذا الفندق (ريمي)".


لم نملك المال للمهربين، فحولنا قاربي ليأخذنا إلى قبرص


وحول الطريقة التي وصلوا بها إلى قبرص، يتسابق الرجلان، محمد وحسام على سرد التفاصيل، ليستقر الحديث بالنهاية على محمد. يقول "القارب الصغير الذي كنت أملكه وأصيد بواسطته السمك هو الذي جئنا به. نهاية 2018، وبعد طول تفكير بيني وبين بعض الأهل والأصدقاء، ارتأينا أن الحل الوحيد هو الهجرة. وبما أننا لا نملك المال الكافي لنتوجه إلى أحد المهربين، قررنا استصلاح قاربي".

ويروي محمد وحسام كيف اتفقا مع أشخاص آخرين على جمع الأموال رويدا رويدا لشراء الاحتياجات اللازمة لتحديث القارب وللقيام بالرحلة. "رفعنا حواجز خشبية على طرفي القارب لحمايتنا من المياه، وركبنا فيه خزانا لمياه الشفة يتسع لـ300 متر. كما استحدثنا بالقارب صندوقا صغيرا وضعنا فيه بعض المأكولات".

ويضيف محمد "قبيل موعد الانطلاق، كنت أراقب الأرصاد الجوية للتأكد من الأوضاع المناخية. درست الخط البحري الواجب اتباعه، واشتريت بوصلة خاصة للملاحة البحرية... كما اشتركت بعدة قنوات على اليوتيوب لتعلم اللغة اليونانية، وتمكنت من حفظ بعض المفردات والجمل التي قد تساعدني".

للمزيد: مهاجرون أفارقة في طريقهم إلى إيطاليا... وجدوا أنفسهم في قبرص

الرجلان يسردان الكثير من التفاصيل حول الرحلة والرعب الذي أصاب جميع من كانوا على القارب، "كنا عشرة أشخاص، بيننا امرأتان وثلاثة أطفال. جميعنا لبنانيون وتربطنا صلة عائلية... الرحلة استمرت 25 ساعة، اختبرنا خلالها كل الرعب الذي يمكنك أن تتصوره".

مازال محمد وحسام طالبا لجوء، ومازالا ينتظران تحديد موعد للمقابلة الخاصة بهما. لا يضع الرجلان احتمال رفض اللجوء بتاتا، "لن أعود إلى لبنان" يقول محمد، لا حياة لنا هناك.

"أريد العودة إلى لبنان"

خلال الحديث، حافظ أحمد على هدوئه مكتفيا بالاستماع لما يقوله الرجلان. عند سؤاله عن قصته أجاب "أريد العودة إلى لبنان".

لم يكن الجواب متوقعا في ظل الحديث الذي سبقه. وعند سؤاله عن السبب يجيب ابن الـ17 عاما "أريد أن أعود إلى أهلي ومدينتي، أنا نادم جدا على قراري بالهجرة".

يبدو الشاب على شفير الانهيار، فهو لا يملك أي أوراق هنا. سألناه عما إذا اتصل بالسفارة اللبنانية ليجد طريقة يعود بها إلى لبنان، أجاب أحمد "نعم"، وجاء الجواب صادما جدا.

"اتصلت بالسفارة عدة مرات، لم أتمكن من تحديد موعد معهم لزيارتهم، وأنا لا أعرف كيف أصل إليهم. في الاتصال الأخير قال لي الموظف أنني بحاجة لإخراج قيد عائلي وإفرادي (ورقة تعريف مشابهة للهوية) ليتمكن من تسجيل طلبي ومساعدتي على العودة. قلت له أنني لا أملك أي وثيقة، وأهلي في لبنان كبار في السن وقليلي الحيلة، أجابني أن هذه ليست مشكلته".

خلال روايته للقصة، تبدو على أحمد نفسه علامات التعجب والاستهجان "أعلم أنني سأعود لظروف حياتية صعبة جدا، إذا كان هذا رد السفارة التي أنتمي إليها، فما بالك بالوضع بالبلد إجمالا". لكنه لا يظهر أي لين بنيته العودة إلى لبنان "سأعود، حتى ولو اضطررت للسباحة إلى لبنان".

ويختم الشاب "لا يمكنني وصف الرعب الذي عشناه في البحر، مع ذلك أريد العودة ولو بالبحر. لا يمكن لأحد تخيل مرارة الغربة والعيش بعيدا عن الأهل".

 

للمزيد