صورة أرسلها لنا محمد لبد بعد وصوله إلى بروكسل
صورة أرسلها لنا محمد لبد بعد وصوله إلى بروكسل

"باركور غزة"، فريق اشتهر قبل بضعة سنوات بممارسة تلك الرياضة الفريدة بين أنقاض المنازل المدمرة. مؤسسو الفريق باتوا جميعا مهاجرين في بلجيكا. مهاجر نيوز تمكن من التواصل مع أحدهم.

الضاحية 13، فيلم حركة (أكشن) فرنسي خرج إلى صالات السينما عام 2004، اشتهر بتصوير الممثلين وهم يؤدون مجموعة من الحركات الرياضية، كالقفز من فوق المباني والدوران في الهواء، دون استخدام أسلاك ودون إخضاع مشاهدهم لبرامج مؤثرات خاصة.

عرفت لاحقا الحركات التي أداها الممثلون خلال الفيلم برياضة الباركور. وهي مجموعة حركات يكون الغرض منها الانتقال من مكان لآخر بأسرع ما يمكن وبأكبر قدر من التناغم والسلاسة، بغض النظر عن الموانع التي قد تصادف اللاعب.

عندما عرض الفيلم، تأثر كثير من الشباب حينها به وبالحركات التي أداها الممثلون خلاله. في غزة، لاقى الفيلم رواجا كبيرا في أوساط الشباب، ما أدى ببعضهم للذهاب أبعد من الإعجاب إلى ممارسة الرياضة نفسها.

الباركور في غزة

محمد لبد وعدي العجرمي ومحمد الهندي، شبان من غزة راودهم حلم احتراف اللعبة منذ صغرهم. عام 2008 كانت البداية. كان هؤلاء الشبان يقصدون المناطق المدمرة والأبنية المقصوفة، ليستخدموها كساحات تدريب.

سعى الشبان الثلاثة لتأسيس فريق لهذه اللعبة حينها، ونجحوا بتشكيل نواة من عدد من الشباب الغزيين الذين اعتمدوا شوارع وساحات المدينة كمرافق خاصة بهم للتدريب. الفريق الذي شكلوه أطلقوا عليه اسم "فري ران غزة" (Free Run Gaza).

خلال فترة وجيزة تمكن الفريق من استقطاب اهتمام الصحافة المحلية ومن ثم العالمية، فالرياضة التي يقومون بها ليست مألوفة، كما أنهم كانوا من الأوائل في المنطقة ممن راحوا باتجاه احترافها.

يقول محمد لبد أحد مؤسسي الفريق "شاركنا بالعديد من الفعاليات، حتى أننا شاركنا ببرنامج المواهب آرابز غوت تالنت، وسافرنا إلى بيروت للمشاركة فيه. كانت مرحلة لا تنسى...".

المنازل المدمرة أماكن للتدرب

يعود لبد إلى فيلم الضاحية 13 ومدى تأثره وأصدقائه بأداء الممثلين فيه، إلا أنه يعود ويكرر بشكل دائم أن الظروف المحيطة بهم كانت صعبة وغير صديقة لممارسة هذا النوع من الرياضات.

"كنا نتمرن بين المنازل المدمرة بفعل القصف الإسرائيلي المستمر على غزة"، يقول لبد. "كنا معرضين دوما للإصابة، فالبيئة التي كنا نتمرن فيها كانت غير مهيئة. أنا نفسي خلال أحد التمرينات عام 2008 سقطت، وأصبت إصابة بليغة منعتني من ممارسة الرياضة لاحقا، فتحولت إلى التدريب".

يتحدث لبد بحماس وحب عن الباركور، واصفا إياه كرياضة تعطي اللاعب القدرة على التغلب على مخاوف وآلامه، ومن ثم نقل ذلك إلى حياته اليومية. عليه أن يتعلم كيف يتحكم بعقله بالطريقة التي تمكنه من إتقان فن الباركور.

أحد أعضاء الفريق

هوس محمد وأصدقائه باللعبة دفعهم للبحث عن أي طريقة يتمكنوا من خلالها من تأسيس ناد رسمي لهذه الرياضة، ولكن كل جهودهم لم تؤت ثمارها. فوفقا لمحمد، "السلطات في غزة اعتبرت الباركور جزءا من الثقافة الغربية، وبالتالي ممنوع ممارستها هناك".

"لم نستسلم، استمرينا بالتدرب والمشاركة بأي فعالية تمكننا من إبراز هذه الرياضة وتحفيز الشباب على الانضمام إلينا... عام 2010 نظمنا حفلا لموسيقى الراب ورياضة الباركور في غزة، الحفل كان ناجحا جدا، إلا أنني سجنت بعده بحجة ممارسة أنشطة ممنوعة في غزة...".

من غزة إلى أوروبا

لم يتوقف الشبان عن متابعة السعي وراء تحقيق حلمهم. عام 2018، عرض عليهم المشاركة ببطولة العالم برياضة الباركور في ألمانيا. بعد جهد جهيد وتحصيل الأذونات والأوراق المطلوبة، تمكن الفريق من السفر إلى ألمانيا. "حققنا نتائج جيدة جدا" يقول لبد، "مباشرة بعد انتهاء البطولة، عرض علينا القدوم إلى بلجيكا للمشاركة بأكبر فعالية للباركور في أوروبا، ووافقنا مباشرة".

"بعد انتهاء الفعالية كنا أمام خيارين، إما العودة لغزة المحاصرة أو البقاء في أوروبا، فاخترنا الخيار الثاني. هنا لدينا كافة الإمكانيات المطلوبة لنتمكن من تحقيق حلمنا والانتقال بمهاراتنا إلى مستويات متقدمة".

"بعد انتهاء الفعالية في بلجيكا مباشرة، تقدمنا بطلبات لجوء. أنا حصلت على الحماية الثانوية، وأعيش الآن في أحد المراكز التي يشرف عليها الصليب الأحمر". ويضيف لبد "بعد انتقالي للمركز، بدأت بالعمل مع مجموعة من الأطفال هناك من جنسيات مختلفة، بلجيكيين وسوريين وأفغان وفلسطينيين وأفارقة. شكلنا فريقا صغيرا للباركور، بعد فترة عرض علينا الصليب الأحمر المشاركة بفعاليات مع مراكز أو أندية أخرى. هكذا بدأت قصة الفريق الذي أعمل معه الآن بالتبلور".

الفريق يتكون من 15 طفلا، موزعين على فئات عمرية بين 8 و16 عاما، وتمكن من تحقيق عدد من الإنجازات على المستويات المحلية.

هنا أشعر بإمكانية تحقيق أحلامي

وفقا للبد "باتت رياضة الباركور هوس الأطفال هنا، فمن خلالها باتوا يشعرون بقدرتهم على تحقيق الكثير... أشعر معهم بالنجاح لمجرد أن أراقبهم وهم يبذلون جهدهم ليتطوروا، وهذا بحد ذاته حافز إضافي لي لأطور قدراتي أكثر لأتمكن من تدريبهم بشكل أفضل".

جزء من فريق الأطفال الذي يدربه محمد لبد

إلى جانب الباركور، سيطر هوس التصوير على محمد منذ نعومة أظفاره "لطالما حلمت بتأسيس شركة لإنتاج الأفلام، هنا أشعر بأن هذا ممكن. تمكنت خلال فترة بسيطة من اكتساب الكثير من المهارات في مجال التصوير حتى بتّ أعمل كمصور حر. طبعا هذا لا يتنافى مع حلمي بتأسيس ناد للباركور".

وحول غزة والرغبة بالعودة إليها يقول محمد بشكل مباشر وبلهجة غزية صرف "ما صدقت أطلع من غزة وأتنفس شوي..."، ويضيف "الإنجازات التي حققتها في الخارج خلال سنة واحدة تفوق كل ما حققته في غزة من تاريخ بداياتي في الباركور والتصوير. طبعا أحب غزة ولكني لا أستطيع متابعة أحلامي وطموحي هناك".

 

للمزيد