مركز احتجاز منيل أملو شمال العاصمة باريس/المصدر: جمعية "سيماد"
مركز احتجاز منيل أملو شمال العاصمة باريس/المصدر: جمعية "سيماد"

مساء اليوم الخميس، تعتزم السلطات الفرنسية ترحيل اثنين من طالبي اللجوء السودانيين بعد أن تم احتجازهما لنحو شهر في مركز "منيل أملو" شمال باريس. إعادتهما إلى السودان تجعل حياتهما عرضة للخطر، شارك كلاهما في المظاهرات ضد النظام في الخرطوم وتعرضا للاعتقال والتعذيب هناك. سبب آخر يزيد من تعقيد الأمور، هو أن المرأة حامل في الأسبوع السابع وحالتها الصحية لا تسمح لها بالسفر على متن الطائرة أو الإقامة في مركز احتجاز، وفقا لتقرير طبي.

خرجت ريم* في مظاهرات ضد النظام في السودان، شاركت هي وزوجها رشيد* في الحراك المدني في الخرطوم، تعرض كلاهما بعدها للاعتقال والتعذيب على يد السلطات السودانية، وفور خروجهما من المعتقل منذ 5 أشهر، بدءا البحث عن ملجأ آمن ليصلا إلى باريس في 19 أيار/مايو 2019.

لكن وصولهما إلى فرنسا لم يسجل "نهاية سعيدة" بالنسبة لهما. تشردا في شوارع باريس وأخذا من مخيم "لا شابيل" شمال العاصمة مأوى لهما، كما يقول الشاب الثلاثيني خلال حديث مع مهاجر نيوز، لينتهي بهما المطاف في مركز الاحتجاز الإداري "منيل أملو" بعد أن رفضت السلطات منحهما حق اللجوء وصدر بحقهما قرار ترحيل.

ومن المقرر ترحيل الزوج إلى السودان مساء اليوم حوالي الساعة العاشرة مساء، إلا أن هذا الأمر يعني الموت بالنسبة للشاب السوادني "لا أعتقد أن حياتي مهددة بالخطر فحسب، بل أنا على ثقة ويقين أنه بمجرد أن تطأ قدمي مطار الخرطوم، سيتم اعتقالي وقتلي. أشعر بأني فقدت الأمل".

تحقيق الحرية والعدالة والمساواة، هذه كانت مطالب رشيد الذي خرج في مظاهرات ضد نظام عمر البشير. شارك الشاب في اعتصام 6 نيسان/أبريل أمام القيادة العامة في أم درمان غربي العاصمة السودانية، "تعرضت للاعتقال مرتين، وتم تعذيبي بأقسى الطرق، زوجتي كانت تعمل في الكادر الطبي لإسعاف المصابين، تم اعتقالها وتعرضت للتعذيب والتحرش أيضا".

يشرح الشاب الذي ينتمي لإحدى قبائل دارفور المعروفة بتعرضها للاضطهاد، أنه وصل إلى فرنسا بعد أن حصل على تأشيرة سياحية مع زوجته "لقضاء شهر العسل في هولندا، "كانت هذه الطريقة المضمونة بالنسبة لنا دون أن نضطر لعبور ليبيا، نظرا للأمور المروعة التي تحصل هناك. بالطبع حصلنا على هذه التأشيرة بعد أن قمنا بتقديم الكثير من الأوراق لنحصل أخيرا على تأشيرة شنغن. من هولندا وصلنا إلى فرنسا. كانت الخطة أن نذهب بعدها إلى بريطانيا حيث يوجد لدينا الكثير من المعارف والأصدقاء ولأننا نتقن اللغة الإنكليزية".

ويتابع "تعرضنا للسرقة وفقدنا أوراقنا الرسمية خلال إقامتنا في المخيمات العشوائية في باريس، فاضطرت زوجتي إلى بيع آخر مجوهرات كانت تملكها، لدفع تكلفة جوازات سفر مزوّرة تتيح لنا السفر إلى بريطانيا، لكن تم كشف أوراقنا المزورة من قبل سلطات المطار وقاموا باحتجازنا لمدة 24 ساعة قائلين بأنه يحق لنا الاستعانة بمحامي والتوجه إلى محكمة بعدها. فوجئنا بعدها بنقلنا إلى مركز الاحتجاز الإداري للترحيل دون أن نحصل على أي مساعدة قانونية".

خلال فترة الاحتجاز الإداري في "منيل أملو"، حصل الزوج على مساعدة من جمعية "لا سيماد" لتقديم طلب اللجوء في فرنسا، لكن "المقابلة مع مكتب حماية اللاجئين أوفبرا لم تسر بشكل جيد".

"أريد التنويه إلى أن المقابلة جرت عبر الفيديو والاتصال لم يكن واضحا، كنت أطلب تكرار السؤال أكثر من مرة لأن الصوت كان متقطعا، وحتى أن التيار الكهربائي انقطع مرتين خلال المقابلة". يشير الزوج إلى أنهما لم يشعرا بالأمان أثناء شرح ما حصل معهما لأنهما كانا في مكان غير معزول ولا يتمتع بأي نوع من الخصوصية، ومن الممكن لأي كان أن يستمع إلى أقوالهما التي من المفترض أن تكون سريّة.

تؤكد جمعية "لا سيماد" لمهاجر نيوز أن المقابلة مع مكتب حماية اللاجئين لم تكن في مكان خاص وآمن. وتشير أيضا إلى "الحالة النفسية المتدهورة" التي تعيشها ريم البالغة 24 من العمر، "فهي تعيش صدمة كل ما حصل معها في السودان وصولا إلى هنا". وتشير إلى أن السلطات الفرنسية طلبت من الثنائي الذهاب إلى القنصلية السودانية لترتيب عودتهما، إلا أنهما رفضا ذلك خوفا من الاعتقال.

الشابة العشرينية لا تواجه خطر الاعتقال في بلدها فحسب، بل حالتها الصحية تدعو إلى القلق نظرا لأنها حامل، وذلك وفقا لتقرير طبي تم إصداره من قبل طبيب في مركز "منيل أملو" يفيد بأن وضعها الصحي لا يسمح لها السفر بالطائرة، أو حتى وضعها في مركز احتجاز. ويؤكد رشيد أن زوجته "منذ تسعة أيام لم تأكل سوى القليل من الخبز واللبن".

وأوضحت الجمعية أن ريم تعرضت لوعكة صحية خلال موعدها في المحكمة الإدارية أثناء تقديم طلب استئناف قرار رفض طلب اللجوء.



أريد فرصة للعيش بسلام


منظمة العفو الدولية أطلقت حملة لوقف قرار الترحيل وطالبت السلطات المعنية بإطلاق سراح الزوج، ووجهت رسالة إلى محافظة سان دوني التي أصدرت القرار، كتبت فيها "بموجب مبدأ عدم الإعادة القسرية، حسب المادة 33 من اتفاقية عام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين، والمادة 3 من اتفاقية مناهضة التعذيب، والمادة 19.2 من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي، لا يمكن لفرنسا المضي قدما في إعادة شخص إلى بلد حيث تكون حياته في خطر".

وتنتقد المنظمة خلال حديث مع مهاجر نيوز قرار السلطات الفرنسية. وتعتبر جمعية "لاسيماد" أن الحالة النفسية بشكل عام في مراكز الاحتجاز متدهورة، مشيرة إلى وقوع "نحو 5 محاولات انتحار في مركز احتجاز منيل أملو، وذلك يثبت مدى الشعور باليأس الذي ينتاب هؤلاء الأشخاص".

مهاجر نيوز طلب توضيحات أيضا من محافظة سان دوني حول القرار، وجاء الرد على الشكل التالي: "تم القبض على الزوج في مطار شارل ديغول بحوزتهما جوازات سفر مزورة. وبالتالي تم إصدار أمر مغادرة الأراضي الفرنسي بحقهما مع منع عودة لمدة عام". وأوضح السكرتير العام للمحافظة جان سبيستيان لا مونتاني "تم رفض طلب لجوء رشيد وريم من قبل مكتب حماية اللاجئين ومن قبل المحكمة الإدارية أيضا، وأكد لنا الطبيب التابع لمكتب الهجرة والذي عاين الزوجة، أن حالتها الصحية تسمح تنفيذ السلطات إبعادها إلى بلدها الأم عبر الطائرة".

يقول رشيد "لا أثق بكل ما يحصل هنا، وأطالب برؤية طبيب لا يتبع إلى المركز، وزوجتي بحاجة لطبيب نفسي".

وفي ختام حديثه معنا يقول "أريد فرصة للعيش بسلام أنا وزوجتي آملين أن نبدأ حياة جديدة مع طفلنا. لا نطلب صدقة أو إحسان، فأنا مهندس كهربائي وزوجتي طبيبة أسنان، ونستطيع عبر مؤهلاتنا العلمية إيجاد عمل ومشاركة خبراتنا مع المجتمع الفرنسي".


*تم تعديل الأسماء

 

للمزيد