مهاجرون في مخيم Huttes في مدينة كاليه الحدودية شمال فرنسا تموز/يوليو 2019. الصورة: مهدي شبيل/مهاجرنيوز
مهاجرون في مخيم Huttes في مدينة كاليه الحدودية شمال فرنسا تموز/يوليو 2019. الصورة: مهدي شبيل/مهاجرنيوز

روتين يومي يعيشه المهاجرون في مدينة كاليه الحدودية شمال فرنسا، يبدأ بتفكيك الشرطة لمخيماتهم كل صباح وينتهي بمحاولة عبور الحدود البريطانية أثناء الليل. محاولات يائسة وخطرة تضعهم تحت إجهاد نفسي كبير وتعرّض حياتهم للخطر.

حوالي الساعة التاسعة صباحا، دخلت دورية للشرطة بسيارتين كبيرتين إلى مخيم عشوائي يعيش فيه حوالي 40 مهاجرا على أطراف مدينة كاليه شمال فرنسا. عناصر الدورية ركنوا السيارتين وسط الشارع لمنع الصحافيين والناشطين من مراقبة ما يحدث عن قرب، بدأ عناصر الشرطة المدججين بالسلاح بالنزول إلى موقع المخيم برفقة موظفين من محافظة الشرطة.

مشهد اعتاد عليه الطفل الصغير أحمد الذي لم يتجاوز الثالثة من العمر، "يهدأ ابني تلقائيا عندما يرى الشرطة، هو يعلم أن عليه التزام الهدوء في هذه الحالات"، تقول أم أحمد التي تعيش مع ابنها في هذا المخيم منذ خمسة أشهر.

اليأس يبدو واضحا على وجوه الشباب الذين يقطنون هذا المخيم منذ بضعة أشهر، ويستعجب البعض من وجود أكثر من 15 عنصرا من الشرطة لتفكيك مخيم لا يزيد عدد قاطنيه عن الـ40. ويقول الشاب الأريتري يوناس "مشكلتنا ليست مع الشرطة، لسنا مجرمين ولا نريد سوى الأوراق. المشكلة الأساسية هي اتفاقية دبلن".

يجلس المهاجرون إلى جانب الطريق على بعد بضعة أمتار من موقع مخيمهم حيث تزيل عناصر الشرطة الحاجيات القليلة التي تركوها خلفهم، فالشرطة تأتي كل يومين إلى هذا المخيم بنفس الموعد الصباحي، ويحضّر المهاجرون لهذه العملية، فيستيقظون ويوضبون خيمهم وحاجياتهم قبل وصول الشرطة.

          18

بينما تواصل الشرطة تفكيك مخيم "BMX"، تلتقط إحدى موظفات محافظة الشرطة (برفكتور) صور المهاجرين الجالسين إلى جانب المخيم. عمليات تفكيك لا تقتصر على هذا المخيم فحسب، وإنما تطال أيضا جميع المخيمات العشوائية الصغيرة المتوزعة على أطراف مدينة كاليه.

"ما الهدف من عمليات الإخلاء المستمرة؟"، تتساءل الطبيبة كلوي لوريو من منظمة "أطباء العالم" وتشير لمهاجر نيوز "بعد كل عملية تفكيك، يقوم الأشخاص بوضع خيمهم من جديد بعد بضعة ساعات في نفس المكان أو على بعد 10 أمتار، الشرطة تعلم أنهم سيعيدون وضع خيمهم، لكنها مع ذلك تأتي كل يوم لتفكيك المخيم، وأرى ذلك بأنه خيار سياسي يهدف إلى إنهاك هؤلاء الأشخاص ليصلوا إلى نوع من الاستسلام ويغادروا مدينة كاليه".

عملية التفكيك لها "الكثير من الآثار النفسية على الشخص، فالخيمة تمثل المساحة الوحيدة التي يتمتع بها الفرد بالخصوصية. وينتج عن عمليات الشرطة تلك آثار نفسية كبيرة، لأنها تعني انتهاك الخصوصية والمساحة الفردية. هم يعيشون في حالة طوارئ دائمة دون توقف".

تفكيك المخيمات بشكل يومي

"هل نستطيع عبور المانش سباحة؟ لا أعتقد أن المسافة كبيرة. أنا شخصيا تعبت من محاولات عبور الحدود عن طريق الشاحنات، الكلاب شرسة جدا هناك"، طرق واقتراحات عديدة يطرحها شاب أريتيري خلال حديثه مع باقي المهاجرين، نقاش يومي يحاول عبره المهاجر العشريني إيجاد الطريقة الأمثل التي تضمن له إنهاء حياة التشرد في المخيمات والعبور نحو مستقبل أفضل.

وبينما تعلو أصوات النقاش وتتوالى الأسئلة حول عبور الحدود، يجلس شاب يافع إلى حافة الطريق يراقب بذهول ما يحدث من حوله، "وصلت إلى كاليه منذ ثلاثة أيام فقط لكني لا أرى سوى الوجوه المنهكة من حولي. أشعر بأن مصيري مجهول"، يقول سالم البالغ 21 عاما من العمر لمهاجر نيوز "أمضيت أكثر من عامين في ألمانيا، لكن تم رفض طلب لجوئي هناك وحصلت على قرار ترحيل إلى العراق. أنا لا أستطيع العودة إلى بغداد، لم يعد لدي شيء هناك، لذلك قررت العبور إلى بريطانيا".

وعلى عكس الانطواء الذي يبديه سالم، يبدو الشاب الأريتيري أكثر اندماجا وتفاعلا مع محيطه، عليه إيجاد "الحل الأفضل" للدخول إلى الأرارضي البريطانية، لينهي بذلك روتينه اليومي الذي اعتاد عليه منذ نحو خمسة أشهر، يبدأ بتوضيب أغراضه في الصباح الباكر استعدادا لعملية تفكيك مخيم "Huttes" الذي يقطن به من قبل السلطات الفرنسية، وينتهي بمحاولته أثناء الليل عبور الحدود مجرّبا شتى الطرق والحيل للتهرب من أعين شرطة الحدود.

 Huttes

بداية رفض الشاب الأريتيري الحديث معنا، فالإنهاك يبدو واضحا عليه، يحاول كامل ضبط أعصابه لكن الوضع لا يتغير بالنسبة له، "سئمنا من الحديث عن مشاكلنا هنا. نريد الحصول على أرواق. هذا كل ما نطلبه، لكن اتفاقية دبلن تعقّد حياتنا". يأمل الشاب العشريني الوصول إلى بريطانيا، بعد أن تم رفض طلب لجوئه في فرنسا لأن لديه بصمات مسجلة في إيطاليا.

يحمل الشاب حقيبته الصغيرة الذي اعتاد على توضيب حاجياته القليلة فيها، بعد أن تأتي الشرطة لتفكيك المخيم في موعدها المعتاد حوالي الثامنة والنصف صباحا، ويكمل طريقه باتجاه الأشجار الكثيفة التي تتوزع بينها عشرات الخيم الملونة الصغيرة لتأوي نحو 200 شخص.

وفقا لـ"مرصد حقوق الإنسان"، قامت السلطات في كاليه بتنفيذ 783 عملية إخلاء منذ 8 آب/أغسطس 2018 وحتى بداية حزيران/يونيو من هذا العام.

شعور مشترك بالإحباط

"ازدادت المحاولات البائسة والخطيرة لعبور الحدود البريطانية، خاصة منذ نحو عام حين بدأت الشرطة بتفكيك المخيمات العشوائية كل يوم. أستطيع القول بكل وضوح أنه هناك شعور مشترك بالإحباط نراه عند المهاجرين هنا من خلال عملنا معهم بشكل يومي"، تحذر الناشطة شارلوت في جمعية "يوتوبيا 56" المتخصصة في مساعدة اللاجئين.

في كاليه التي استضافت أكثر من 10 آلاف مهاجر ضمن "مخيم الغابة" الذي تم تفكيكه منذ ثلاثة أعوام تقريبا، تبنّت السلطات الفرنسية استراتيجية جديدة في آب/أغسطس 2018 تعتمد على إخلاء التجمعات العشوائية للمهاجرين بشكل يومي.

وتحوّل اليوم موقع "مخيم الغابة" القديم إلى "محمية طبيعية"، وتم وضع أسوار حول المكان الذي كان يشكّل مدينة صغيرة لعائلات وأطفال وشباب من مختلف الجنسيات لسنوات عديدة. الأسوار لا تقتصر على هذا الموقع الجغرافي بالتحديد فقط، وإنما أضحت شوارع المدينة والجسور العالية محاطة بأسلاك شائكة بيضاء تضفي على المدينة طابعا موحشا. وتنبّه الناشطة شارلوت "طريق العبور أضحى أكثر خطورة جراء وضع هذا الكم الهائل من الأسلاك الشائكة والأسوار العالية. لكن الأشخاص أصبح لديهم نوع من الإدمان على محاولة العبور دون أن يكون لديهم وعي كامل حول خطورة الطريق وإمكانية فقدان حياتهم. الوضع سيء أيضا بالنسبة للقاصرين".

"نحن هنا في سجن كبير"، تقول أمينة التي تعيش في المخيم العشوائي منذ نحو خمسة أشهر مع ابنتها الصغيرة وطفلها الذي لا يتجاوز عمره ثلاثة أعوام.


تحاول ابنة أمينة التي تبلغ ثمانية أعوام إلهاء أخيها الصغير وإبقائه هادئا، ليتحول ذلك إلى نشاطها الوحيد للحصول على بعض التسلية. تقول المهاجرة الأريتيرية لمهاجر نيوز "منذ نحو خمسة أشهر، في إحدى محاولاتنا لعبور الحدود، أعتقد أن زوجي نجح في الاختباء بإحدى الشاحنات، إلا أنني أنا وطفلي الاثنين بقينا عالقين هنا ولم نستطع اجتياز الحدود. عدت وحيدة مع أختي وأطفالي إلى المخيم وانقطعت أخبار زوجي منذ تلك الليلة. أشعر بالخوف على طفلي، الوضع سيء جدا هنا. علي إيجاد طريقة مضمونة لأنني لا أستطيع الاستمرار بهذه الطريقة".

تشير الطبيبة في منظمة "أطباء العالم" كلوي لوريو، إلى أن "ظروف الحياة اليومية المتردية تؤدي إلى إصابة الأشخاص بالكثير من الأمراض الجسدية كالمشاكل الجلدية أو الهضمية، وفي ظل استمرار إقامة هؤلاء المهاجرين في مكان غير مهيئ وعدم قدرتهم على تنظيف ملابسهم والاستحمام بشكل دائم، فذلك يؤثر على نظرتهم الفردية تجاه أنفسهم، فالعجز في الحصول على حياة كريمة يولّد أنواعا من الإرهاق النفسي".

"إدمان" على محاولات العبور

وفي مخيم "virval" المجاور، بجسم ضعيف وحقيبة صغيرة على ظهره، يعود خالد من رحلته اليومية، "أنا أشعر بالتعب، اضطررت للمشي لأكثر من أربعة ساعات، لم أنجح بعبور الحدود اليوم، لكني سأحاول غدا بالتأكيد".

 Virval

اضطر خالد إلى الهرب من بلدته الصغيرة التابعة لإقليم بغلان شمال أفغانستان عندما كان في السابعة عشر من عمره، قبل أربعة أعوام، "لم يكن لدي فعلا الخيار. حركة طالبان كانت تسيطر على قريتي وكنت مجبرا على الانخراط في صفوف الجهاديين لكني رفضت ذلك، واضطررت للبحث عن مكان آمن خارج بلادي. رحلتي كانت طويلة جدا، فعبرت إيران وتركيا وصولا إلى القارة الأوروبية حيث استقريت في النروج لمدة عام ونصف، للأسف لم أستطع البقاء هناك لأن طلب لجوئي رفض".

أثناء حديثنا مع خالد، يقترب شاب عشريني ويتصرف بطريقة غريبة ويطلق بعض الشتائم، يعتذر خالد عن تصرفات صديقه ويطلب منا ألا نعيره انتباها "لقد مضى على وجوده في كاليه حوالي عام تقريبا، في الأشهر الأخيرة بدأ يتصرف معنا بغرابة ويتكلم مع نفسه بصوت عالي في بعض الأحيان، الجميع يعلم أنه تغيّر مع الوقت هنا وأصبحت لديه اضطرابات نفسية".

أما بالنسبة للشاب جمشيد الذي يبلغ 34 عاما، فهو ترك بلده إيران في العام 2016 بحثا عن ملجأ آمن وأملا بالعبور إلى بريطانيا، لكنه فقد الأمل نهائيا، ففرنسا تعني كاليه بالنسبة له.

ويشرح لمهاجر نيوز "بعد أن تمكّنت أخيرا من الوصول إلى بريطانيا، قامت السلطات بوضعي في مركز الاحتجاز والترحيل حيث بقيت لمدة 50 يوما هناك. عندما علمت أنه سيتم ترحيلي إلى فرنسا (وفقا لاتفاقية دبلن)، شعرت بالإحباط، أنا أفضّل الموت على العودة إلى كاليه، لذلك قررت أن أنهي حياتي. ابتلعت الكثير من الحبوب التي كنت قد قمت بجمعها على مدى بضعة أيام وثم بدأت بجرح يدي لقطع شريان الدم. فشلت محاولتي في الانتحار. لم أكن أشعر بأني على ما يرام في الأيام التي تلت تلك الحادثة، أشعر وكأني كنت فاقد الوعي غير قادر على استيعاب ما حدث من حولي. كل ما أعرفه هو أني وصلت إلى فرنسا. عدت إلى كاليه من جديد".


تشير الناشطة شارلوت إلى أن "محاولات الانتحار ليست مجرد حالات فردية أو نادرة، أصبحنا نسمع عن تلك الحالات مرارا وتكرارا خاصة خلال العام الأخير".

تؤكد الأعداد المتزايدة من الأشخاص الذين يحتاجون إلى رعاية نفسية بالفعل إلى خطورة الوضع، وتقول الطبيبة كلوي "منذ بداية العام، استطعنا توجيه شخص واحد أسبوعيا للمعاينة نفسية، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أن أكثرية الأشخاص ترفض رؤية طبيب نفسي، وأيضا من الصعب جدا متابعة الحالة النفسية للأشخاص في تلك الظروف التي لا يتمتع بها الأشخاص بأي نوع من الاستقرار".

الشعور بالإرهاق والتعرض لمضايقات من قبل الشرطة بشكل مستمر، يتراكم عند هؤلاء الأشخاص، حتى يصلوا إلى مرحلة يفقدون فيها الأمل، و"عندما تطول فترة بقاء الشخص في كاليه بسبب استحالة عبور الحدود، ذلك يعني المزيد من الإنهاك النفسي والجسدي"، بحسب منظمة "أطباء العالم".

 

للمزيد