زورق خفر السواحل الليبي على متنه حوالي 500 مهاجر ، معظمهم أفارقة ، يصل إلى ميناء مدينة مصراتة | الصورة: أرشيف / وكالة حماية البيئة / سترينجر
زورق خفر السواحل الليبي على متنه حوالي 500 مهاجر ، معظمهم أفارقة ، يصل إلى ميناء مدينة مصراتة | الصورة: أرشيف / وكالة حماية البيئة / سترينجر

على الرغم من سجله في الانتهاكات، يبقى خفر السواحل الليبي الذي يموله ويدربه الاتحاد الأوروبي هو الشريك المفضل لمنع المهاجرين من الوصول إلى الأراضي الأوروبية. بعد اعتراض طريق نحو 20 ألف شخص في عام 2017 فقط، أصبح خفر السواحل الليبي ذو فعالية في البحر المتوسط؛ ورغم ذلك فهناك الكثير من التساؤلات التي تدور حول مدى التزام أفراده بالقوانين. يلقي موقع مهاجر نيوز نظرة على عمليات التمويل والتدريب والمراقبة التي هي محل تساؤلات متعددة لقوات ضعيفة التنظيم ، كان أعضاؤها في الغالب أفرادا فاعلين في الميليشيات المسلحة بليبيا!

في السادس من نوفمبر 2017، غادر حوالي 100 مهاجر طرابلس على متن زورق متهالك في محاولة منهم للوصول إلى أوروبا. بمرور الوقت يصبح البحر أكثر قسوة ويبدأ الزورق في الامتلاء بالمياه. يسقط ركاب في البحر، أغلبهم من دون سترات نجاة.

من خلال هاتفهم المتصل بالأقمار الصناعية، يتصل المهاجرون بخفر السواحل الإيطالي طلباً للمساعدة، والذي يقوم بدوره بتنبيه جميع السفن في المنطقة إلى الموقع التقريبي لزورق المهاجرين، وفي الوقت نفسه يتم الاتصال بالشريك المفضل: خفر السواحل الليبي.

في الوقت الذي وصلت فيه سفينة خفر السواحل الليبية المسماة "رأس جدير" في صباح ذلك اليوم إلى موقع زورق المهاجرين، كان 15 شخصًا قد غرقوا بالفعل. يتجاهل قائد السفينة أساليب الإنقاذ المتعارف عليها ويقترب بسرعة عالية من زورق المهاجرين محدثاً موجات عالية وقوية ما يتسبب في سقوط عدد من المهاجرين في المياه.

"كان هناك الكثير من الأشخاص حولي في المياه لكننا كنا متفرقين".. كانت هذه هي كلمات أحد الناجين لصحيفة "نيويورك تايمز" -التي أعادت بناء مشهد المأساة مع مجموعات بحثية متخصصة في الطب الشرعي وعلومه. يضيف: "لم يتمكن بعض الأشخاص من الطفو في المياه، لذا غرق معظم من كانوا في المياه".

Snapshot of a video produced by the New York Times about the fatal attempt of some 100 migrants to cross the Mediterranean in November 2017  Credit The New York TimesSea-Watch

مع صراخ المهاجرين ومحاولاتهم البقاء على قيد الحياة، وبدلاً من مساعدتهم يعيق خفر السواحل الليبيون محاولات هؤلاء للنجاة من الغرق بدلاً من المساعدة في عملية الإنقاذ. يظهر أحدهم وهو يسجل المشهد بهاتفه الذكي.

"كنا نصرخ: ساعدونا! ساعدونا! لكنهم لم يستجيبوا لنا".. يقول مهاجر آخر.

بعد ذلك، تصل سفينة سي ووتش 3 والتي تلقت بدورها إنذار خفر السواحل الإيطالي. وصل قارب إنقاذ المهاجرين بعد بضع دقائق من وصول خفر السواحل الليبي. تتوقف السفينة على مسافة آمنة من زورق المهاجرين ويرسل الطاقم زورقاً صغيراً بسرعة للوصول إلى الضحايا.

بعدها بقليل، يهدد الليبيون طاقم سفينة الانقاذ سي ووتش ويبدأون في قذفهم بأشياء صلبة لإبقائهم بعيداً عن المهاجرين.

يبدأ رجل في الغرق. كان يمكن لليبيين إنزال زورقهم الصغير من على متن سفينتهم، لكنهم زعموا أن به عطلاً. يلقون للمهاجرين بسترات النجاة، لكن هذا لا يكفي. يفقد الرجل حياته ويغرق.

مات أربعة أشخاص على الأقل في هذا المشهد الفوضوي.

إسناد مهمة مراقبة الحدود لجهات خارجية 

قبل بضع سنوات خلت، كانت الدول الأوروبية لا تزال تقود جهود الإنقاذ في البحر الأبيض المتوسط في إطار عملية "ماري نوستروم". بين عامي 2013 و 2014، أنقذت السفن الإيطالية وحدها أكثر من 100000 شخص من الغرق. لكن بعدها بوقت قصير أُطلقت مهمة أمنية حدودية جديدة تحت اسم ("عملية تريتون") بتمويل أقل وبعدد أقل من السفن لتحل محل عملية "ماري نوستروم" في عام 2014، لتبدأ الوفيات في البحر الأبيض المتوسط في الارتفاع. في عام 2016، وخلال ذروة ما يسمى بأزمة المهاجرين الأوروبية، بلغت الوفيات وحالات الاختفاء أكثر من 5100 حالة، وفقًا لأرقام المنظمة الدولية للهجرة.

وفي عام 2016 أيضًا، ومع اكتساب الأحزاب اليمينية المتطرفة شعبية وارتفاع موجة العداء للمهاجرين، اتخذت أوروبا قرارًا مفاجئًا بالاستعانة بمصادر خارجية لإسناد مسؤوليات مراقبة الحدود إليها، وكان الشريك الجديد: خفر السواحل الليبي. أرسل الاتحاد الأوروبي الأموال والقوارب ونظم بعض الدورات التدريبية لخفر السواحل اللليبي بهدف وقف وصول موجات الوافدين إلى الشواطئ الأوروبية.

ولكن في حين أن الشراكة مع ما يسمى بخفر السواحل الليبي كانت فعالة في خفض عدد الوافدين إلى إيطاليا - انخفض الرقم من 144000 في عام 2017 إلى 46000 في عام 2018 - إلا أن هذا كان يعني من ناحية أخرى زيادة معدلات خطر الوفاة على طريق وسط البحر المتوسط الذي يسلكه المهاجرون، فوفقًا لتقرير صدر مؤخراً عن المنظمة الدولية للهجرة، لقي شخص واحد -من بين 35 شخصًا يحاولون العبور- حتفه في عام 2018، مقارنةً بشخص واحد من بين كل 50 شخصًا في عام 2017.

وتطول قائمة الاتهامات الموجهة لخفر السواحل الليبي: من انتهاكات لحقوق الإنسان، بما في ذلك التعذيب والعنف وإعاقة جهود المتطوعين لتنفيذ عمليات الإنقاذ. وتتألف قوات خفر السواحل الليبية من عدة جماعات مسلحة كانت في الغالب مليشيات سابقة تورطت في شبكات لتهريب البشر. ولا ينبغي أن يكون ذلك مفاجئاً، ذلك أن ليبيا تشهد صراعاً مستمراً منذ سقوط معمر القذافي في عام 2011.

ما هو خفر السواحل الليبي؟

المعلومات حول خفر السواحل الليبي شحيحة. وفق التقارير الإعلامية فإن خفر السواحل الليبي غير منظم ولا متماسك ويرتبط بمختلف الفصائل والميليشيات الليبية. عندما تواصل مهاجر نيوز مع المفوضية الأوروبية للسؤال عن خفر السواحل الليبي كان رد المفوضية بأنها لا تعرف عدد السفن والطائرات التي يمتلكها خفر السواحل الليبي ولا عدد الأفراد المنضمين إليه أو العاملين فيه حالياً. ولا يبدو أن لخفر السواحل الليبي أي وجود رسمي على شبكة الإنترنت فيما عدا حساب على موقع تويتر.

وفقًا للوكالة الأوروبية لمراقبة وحماية الحدود الخارجية (فرونتكس)، تمتلك ليبيا حاليًا قوتين لمهام خفر السواحل: الإدارة العامة للأمن الساحلي (GACS)، والتي تنضوي تحت نطاق وزارة الداخلية؛ وخفر السواحل الليبي  (LCG) والذي هو جزء من البحرية الليبية ويقع ضمن مسؤولية وزارة الدفاع. وللتسهيل على القارئ سنشير في هذه المقالة إلى كلا الهيئتين بــ"خفر السواحل الليبي" .

من يمول خفر السواحل الليبي؟

وفقًا لمصادر الاتحاد الأوروبي، فإن ما مجموعه 336 مليون يورو قد سلمت لخفر السواحل الليبي منذ عام 2014 من خلال برامج تتعلق بالمهاجرين في ليبيا في إطار صندوق الاتحاد الأوروبي الاتئماني لأفريقيا، تم إنفاق 91.3 مليون يورو منها على تدريب وتجهيز خفر السواحل الليبي، من بين عدة أمور أخرى. تم استثمار مبلغ 91.3 يورو في "الإدارة المتكاملة للحدود والهجرة" والتي تتضمن برنامجين، يتشارك كلاً منهما مناصفة في المبلغ الإجمالي. يهدف البرنامج الأول، الذي تم تبنيه في يوليو 2017 ، إلى "تعزيز قدرات إدارة الحدود لدى السلطات الليبية" ، من بين أمور أخرى.

أما البرنامج الثاني، والذي تم تبنيه في ديسمبر 2018 وتنفذه وزارة الداخلية الإيطالية، فيشمل "دعم خفر السواحل الليبي، وبالأخص مركز تنسيق الإنقاذ البحري (MRCC)، وشراء وصيانة زوارق الدوريات".

تقوم إيطاليا أيضًا بتدريب وتجهيز وتمويل وتنسيق عمليات خفر السواحل الليبي بشكل مباشر بعد اتفاق عقد بين الحكومة الإيطالية (يسار الوسط في ذلك الوقت) مع ليبيا منذ فبراير 2017 بهدف إعادة السفن والمهاجرين إلى ليبيا. ونتج عن الصفقة - التي أقرها الزعماء الأوروبيون - خفض عدد المهاجرين الذين يصلون إلى الساحل الجنوبي لإيطاليا بشكل كبير. ومنذ ذلك الحين قامت سفن البحرية الإيطالية المتمركزة في طرابلس بتنسيق جهود خفر السواحل الليبي.

A map showing the Mediterranean Search and Rescue zones. Each state is responsible for large parts of water outside of its national waters | Credit: Worldwide Search and Rescue SAR contacts, managed by the Canadian Coastguard

بحلول يونيو 2018، تم قبول طلب ليبيا لتحديد منطقة البحث والإنقاذ الخاصة بها (SAR)، وبدعم من الحكومة الإيطالية الجديدة وافقت المنظمة البحرية الدولية (IMO)، على الطلب. تسمح منطقة البحث والإنقاذ الجديدة قانونياً لخفر السواحل الإيطالي بإحالة أي اتصال يرد من السفن غير الموجودة في منطقة البحث والإنقاذ الخاصة به إلى السلطات الليبية.

مؤخراً، بدأت نسبة المهاجرين الذين يتم اعتراضهم وإعادتهم إلى ليبيا في الارتفاع، ووصل الرقم إلى أكثر من 2300 حالة من هذا النوع منذ يناير من هذا العام، وفقاً للأمم المتحدة.

في أبريل الماضي، بدا واضحاً أن أنشطة خفر السواحل الليبي في منطقة البحث والإنقاذ الخاصة به توقفت لثلاثة أسابيع على الأقل. في ذلك الوقت ، زعمت صحيفة (أفينييري) الإيطالية أن قوارب الدوريات الليبية التي تستخدم عادة في مهام البحث والإنقاذ كانت مستغلة في عمليات قتالية في الحرب الأهلية الليبية.

في يوليو 2018، وقعت حكومة يمين الوسط الجديدة في إيطاليا بقيادة حزب الرابطة الذي يرأسه وزير الداخلية ماتيو سالفيني اتفاقية مع ليبيا تنص على "تسليم 5 ملايين يورو إلى ليبيا للحد من الهجرة إلى أوروبا عن طريق إيقاف القوارب". وشملت الصفقة مجموعة جديدة من زوارق الدورية لخفر السواحل الليبي إلى جانب برامج للتدريب العسكري.

من الذي يدرب خفر السواحل الليبي؟

يتم تدريب قوات خفر السواحل الليبية تحت رعاية بعثة قوات الاتحاد الأوروبي البحرية المتوسطية (EUNAVFOR MED)، فيما يعرف باسم "عملية صوفيا". وفقًا للمتحدث الرسمي باسم المفوضية الأوروبية، فقد تم تدريب 399 فرداً من خفر السواحل والبحرية الليبيين حتى الآن.

وتتم الدورات التدريبية التي بدأت في عام 2016 في إيطاليا واليونان ومالطا وكرواتيا، من بين بلدان أخرى. نظرًا لأنها تجري في شكل برامج، فإنها تختلف في مدتها الزمنية.

 وبحسب المفوضية الأوروبية، يحصل المتدربون على مهارات مثل إجراءات عمليات البحث والإنقاذ والإسعافات الأولية والرعاية الطبية إلى  جانب دراسة القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون البحري ومكافحة الاتجار غير المشروع في البحر وطرق جمع الأدلة والملاحة وإجراءات طلب اللجوء والمعلومات العامة.

ساهمت المنظمات التالية في تلك الدورات التدريبية وشاركت فيها وهي: فرونتكس Frontex والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين UNHCR والمنظمة الدولية للهجرة IOM والمكتب الأوروبي لدعم اللجوء (EASO) وكذلك المنظمات غير الحكومية Rava Foundation و Corpo Italiano di Soccorso dell 'Ordine di Malta و CISOM) .

بدأت فرونتكس - وكالة حماية الحدود والسواحل التابعة للاتحاد الأوروبي - مشاركتها في عام 2018 بتدريب حوالي 20 من حرس السواحل الليبيين بالتعاون مع إيطاليا وبعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية في ليبيا (EUBAM) ، وفق ما صرح به متحدث باسم فرونتكس لـمهاجر نيوز. كان الهدف هو "تحسين قدرة قوات خفر السواحل المدنية الليبية في مجال البحث والإنقاذ وإنفاذ القانون العام والحقوق الأساسية". ووفقًا لـفرونتكس، فقد "تم تسليط الضوء على مسالة حماية الحقوق الأساسية طوال مدة الدورة التدريبية كما كانت موضوع درس منفصل".




وبغض النظر عن التدريب في مجال حقوق الإنسان وبناء القدرات والمؤسسات، فإن الاتحاد الأوروبي قام أيضا بما يلي:

  • دعم هيئتي خفر السواحل الليبية في شكل تدريب ، بما في ذلك التدريب على استخدام المعدات (بمعنى إصلاح السفن الحالية، وتوريد معدات الاتصالات والإنقاذ)
  • إنشاء "غرف عمليات أساسية" لخفر السواحل في طرابلس.

لكن بحسب تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش نُشر في يناير / كانون الثاني فقد ساهم دعم أوروبا لخفر السواحل الليبي في ارتفاع عدد حالات الاحتجاز التعسفي. وبعد مرور عامين على البرنامج التدريبي، أظهرت التقارير المسربة أيضًا أن خفر السواحل الليبي لم يتمكن من إدارة أنشطة البحث والإنقاذ بنفسه.

وفي الوقت الذي تركز فيه "عملية صوفيا" على مكافحة عصابات التهريب قبالة السواحل الليبية، إلا أن الفضل يرجع إليها في إنقاذ أكثر من 45000 شخص في البحر منذ أن بدأت في عام 2015. ومع ذلك، لم تعد السفن البحرية جزءًا من العملية صوفيا منذ بداية أبريل بسبب عدم اتفاق الدول الأعضاء على كيفية تقاسم جهود الانقاذ فيما بينها. وتقتصر العملية حالياً على المراقبة من الجو وتدريب خفر السواحل الليبي الأمر الذي يعني أن العملية صوفيا لم تعد قادرة على إنقاذ المهاجرين المعرضين للغرق في البحر.

 من الذي يفحص خلفيات أفراد خفر السواحل الليبيين؟

وفقًا للمفوضية الأوروبية، "يخضع الموظفون المستحقون للتدريب لعملية فحص شاملة دقيقة للغاية"، يتم إجراؤها بواسطة كل من خفر السواحل والبحرية الليبية وعملية صوفيا والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وكذلك شرطة يوروبول والإنتربول.

المفوضية الأوروبية قالت إن الهدف من هذه العملية هو المساهمة في "التشغيل الفعال لهذه القوات والكيانات، بما يتماشى مع القواعد والمعايير الدولية، ولا سيما فيما يتعلق باحترام سيادة القانون وحقوق الإنسان". وأضافت المفوضية أن "لا أحد من خفر السواحل مدرج على قائمة عقوبات الأمم المتحدة".

فرونتكس بدورها قالت لمهاجر نيوز إنها "لا تشارك في عملية الاختيار والتدقيق".

من يراقب خفر السواحل الليبي؟

في عام 2017، أنشأت المفوضية الأوروبية آلية "لمراقبة طويلة الأجل لكفاءة تدريب خفر السواحل والبحرية الليبية" مع التركيز على "فهم أفضل لقدرتهم على أداء مهمتهم ومراقبة سلوكهم العام."

تحتوي هذه الآلية على محاذير رئيسية: لا تتم مراقبة "أداء الأفراد" ، وألا يتواجد أي من موظفي الاتحاد الأوروبي على متن أي من أسطول خفر السواحل الليبي على الإطلاق." وبعبارة أخرى: لا توجد آلية مباشرة لمراقبة وتوثيق سلوك حرس السواحل والانتهاكات المحتملة لمعايير التدريب بطريقة موضوعية.

علاوة على ذلك، لم يكن هناك أي تقييم إيجابي لعمل حرس السواحل الليبي حتى الآن.

وعند سؤال المتحدث الرسمي لـ  (بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية في ليبيا) "EUBAM Libya عما تفعله فرونتكس لضمان التزام خفر السواحل الليبيين بمعايير التدريب، قال: "ستساهم أيضًا في التحقق من فعالية التدريب قدر الإمكان بالنظر إلى الوضع الأمني ​​المعقد في البلاد. "

وبشأن علاقة خفر السواحل الليبية الوثيقة للغاية بشبكات التهريب، أشار المتحدث باسم المفوضية الأوروبية إلى "عملية التدقيق الشاملة" التي سبق الإشارة إليها. وأشار أيضًا إلى أن المفوضية الأوروبية نفذت عقوبات فرضها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في يونيو من العام الماضي على ستة من المهربين والمتاجرين بالبشر. وقد عوقبت المجموعة المؤلفة من أربعة مواطنين ليبيين واثنين من الإريتريين، بحظر السفر وتجميد الأصول. أحد المواطنين الليبيين الأربعة كان قائد خفر السواحل الليبي (LCG) في مدينة الزاوية، غربي مدينة طرابلس ؛ وكان عدد من المسؤولين تحت قيادته قد حصلوا على تدريب في إطار "العملية صوفيا" وذلك وفق تقرير مسرب، كما تورط في تلك الأنشطة مواطن ليبي آخر هو قائد ميليشيا تدعى "أنس الدباشي"، والذي كان العنصر الرئيسي في تسهيل عمليات تهريب المهاجرين.

وبسؤال فرونتكس عن العلاقة مع شبكات التهريب، أوضحت لمهاجر نيوز بأن الاتحاد الأوروبي كان مشاركًا في "بناء المؤسسات والهياكل الديمقراطية" وهو الأمر الذي "يتطلب بذل جهد والتزام منسق من جانب العديد من الجهات الفاعلة". وأضاف المتحدث باسم فرونتكس بأن "التدريب وبناء القدرات هي أداة مهمة لتغيير العقول والمواقف بما يؤثر إيجابياً على السلوكيات".

هذا الوضع الغامض يترك العديد من الأسئلة دون إجابات، على سبيل المثال: هل توجد أي آليات أو إرادة سياسية للمعاقبة على ارتكاب أي أفعال خاطئة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فبموجب أي قانون يتم ذلك؟

"نهج التهرب" القاتل

بالعودة إلى البحر الأبيض المتوسط في نوفمبر 2017، فقد تم نقل نحو 12 شخصاً - من إجمالي 100 شخص من المهاجرين الذين غرقت زوارقهم قبالة ساحل ليبيا في نوفمبر 2017 - على متن سفينة "رأس جدير" التابعة لخفر السواحل الليبية. وعلى متن هذه السفينة، قام أفراد خفر السواحل الليبيين بضرب بعض المهاجرين بحسب ما أظهرت لقطات صورها فريق سي ووتش، ما دفع عدد من المهاجرين إلى القفز من السفينة إلى البحر، على الرغم من أن بعضهم لم يكونوا يعرفون السياحة. قال أحد المهاجرين: "استخدموا حزاماً لضربي، فقمت بالقفز في البحر مرة أخرى".

رجل آخر تعرض للضرب كان يتشبث بشخص آخر على متن السفينة. قرر طاقم السفينة الليبية تجاهل جميع المناشدات للتوقف وقررت المغادرة وبعد تدخل مروحية عسكرية إيطالية تباطأت حركة السفينة لتسحب رجلاً آخر من الماء قبل أن تغادر المكان.

وفقا لتحقيق صحيفة نيويورك تايمز، فقد تلقى ثمانية من أفراد طاقم السفينة الليبيين البالغ عددهم 13 شخصًا في نوفمبر تدريبات من الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك دورات في مجال حقوق الإنسان.

Snapshot of a video produced by the New York Times about the fatal attempt of some 100 migrants to cross the Mediterranean in November 2017 | Credit: The New York Times/Sea-Watch100

ستيفاني هيلت، واحدة من المسعفين في طاقم البحث والإنقاذ (SAR) التابع لـسي ووتش قالت لصحيفة نيويورك تايمز إن سفينة خفر السواحل الليبية لم تكن سفينة إنقاذ ولكنها سفينة حربية تفتقر إلى قوارب سريعة وعلاج طبي وأطباء مضيفة بأنه "لم تكن هناك فرصة لإنقاذ جيد".

بدوره، وصف يوهانس باير ، رئيس بعثة سي ووتش أعمال خفر السواحل الليبية بأنها "جريمة قتل"، واضاف لصحيفة نيويورك تايمز: "في أوروبا، نعلم أننا لا نستطيع قتل الناس على حدودنا. لكن إذا فعل الليبيون ذلك، فهي ليبيا ... هذه أموال أوروبية تؤدي إلى غرق الناس في البحر الأبيض المتوسط".

يتوقف مصير الناجين على القارب الذي ينتهي بهم المطاف على متنه. هؤلاء الذين تم إنقاذهم بواسطة سي ووتش نقلوا إلى بر الأمان في أوروبا، بينما تم نقل من كانوا على متن السفينة الليبية "رأس جادير" إلى مراكز للاحتجاز في طرابلس. وبحسب ما تم توثيقه على نطاق واسع حتى الآن، فغالبًا ما يتعرض المهاجرون للضرب والاغتصاب والاحتجاز للحصول على فدية أو بيعهم لأغراض السخرة.

أحد الناجين قال لصحيفة نيويورك تايمز: "قد يقومون بتكبيلك وقد يستخدمون الأسلاك الكهربائية لصعقك". وقال آخر: "التجويع، الضرب، الكثير من الأشياء التي لم أرها من قبل رأيتها على أيدي هؤلاء".

كان من الممكن لفرقاطة فرنسية كانت على مقربة من موقع الحدث، تم تحريكها كجزء من "العملية صوفيا" المذكورة آنفًا، أن تصل إلى مجموعة الزوارق السابقة وإنقاذ المزيد من الأرواح. لكنها بقيت على مسافة طوال الحادث ولم تسهم في عملية الإنقاذ إلا في وقت لاحق من خلال أحد قواربها القابلة للنفخ .

لو أن البحارة الفرنسيين أخذوا المهاجرين على متن سفينتهم، لكان هؤلاء الأشخاص قد وصلوا إلى أوروبا. وقد وصفت صحيفة نيويورك تايمز ما فعلته السفينة الفرنسية بأنه "مثال على نهج عدم التدخل الذي يسعى إلى جعل التدخل الليبي ليس ممكنًا فحسب ولكن أيضًا لا مفر منه".

في مايو 2018، أقام الناجون من المعبر البحري القاتل في البحر المتوسط مع مهاجرين آخرين دعوى قضائية أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (ECHR) ضد إيطاليا. يزعم هؤلاء أن السلطات الليبية أعادت بعض الناجين إلى ليبيا "حيث احتُجزوا في ظروف غير إنسانية، وتعرضوا للضرب والابتزاز والتجويع والاغتصاب". ووفقًا للدعوى القضائية ، فإن تدخل خفر السواحل الليبي " جاء نتيجة لاتفاق إيطاليا وليبيا عام 2017. "

الاتحاد الأوروبي يدافع عن الإجراءات

وتلقي الأمم المتحدة ومجموعات الإغاثة باللوم في موت المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط ​​جزئيًا على سياسة الاتحاد الأوروبي في الشراكة مع خفر السواحل الليبي الهادفة لمنع المهاجرين من محاولة عبور البحر. اتُهمت إيطاليا بأنها تدرك أنه من غير القانوني القيام بالمهمة التي أوكلتها إلى خفر السواحل الليبي وهي منع المهاجرين من التماس الحماية في أوروبا عن طريق إعاقة هروبهم وإعادتهم إلى بلد تنتظرهم فيه أعمال عنف واستغلال هائلة.

ومع ذلك، فقد رفض الاتحاد الأوروبي بشدة انتقاد سياسته المتعلقة بالهجرة مع وجود استثناءات قليلة، وجادل بمثال الاتفاق بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وخفر السواحل الليبي والذي قلل بشكل كبير من عدد اللاجئين الوافدين إلى إيطاليا.

وفقًا للمفوضية الأوروبية (EC)، فإن الاتحاد الأوروبي يعمل مع خفر السواحل الليبي "لتعزيز قدرته على تنفيذ عمليات البحث والإنقاذ في منطقة مسؤوليته، حيث تنفذ معظم عمليات البحث والإنقاذ"، وأن هذا النموذج من التعاون هو الأفضل مقارنة بعمل سفن الإنقاذ غير الحكومية لأنه "لا يُسمح لأي قوارب بدخول المياه الإقليمية الليبية دون إذن من السلطات الليبية. ويقول الاتحاد الأوروبي إنه "يحاول إنقاذ الأرواح وإحباط نموذج أعمال المهربين".

في بيان صدر الشهر الماضي، دعا مجلس أوروبا ، وهو هيئة منفصلة تمامًا عن الاتحاد الأوروبي، إلى إنهاء التعاون مع خفر السواحل الليبي على خلفية تلك الظروف الكارثية.

في الوقت نفسه ، قال خفر السواحل الليبي إن ليبيا كانت "ضحية" لتدفقات الهجرة. وقال اللواء أجوب قاسم إن اللاجئين هم "عبء" على البلاد. واتهم الاتحاد الأوروبي "بعدم الاهتمام" بمصير اللاجئين.

الاتحاد الأوروبي بدوره قال مرارًا وتكرارًا ، بما في ذلك بعد الغارة الجوية القاتلة على مخيم تاجوراء للاجئين في ضواحي العاصمة طرابلس في أوائل يوليو ، إنه يجب إجلاء المهاجرين إلى أماكن آمنة. ومع ذلك، لم تقدم خطة ملموسة حول كيفية توزيع هؤلاء المهاجرين.

وقال وزير العدل الليبي السابق ومحامي حقوق الإنسان صلاح مرغني "هذه السياسة [الأوروبية] حولت ليبيا عمداً إلى حائط ناري يحمي أوروبا من اللاجئين الذين فروا من الحرب والمجاعة في إفريقيا"، مضيفاً: "يطرح جدار الحماية هذا على اللاجئين أحد خيارين: إما الغرق أثناء محاولتهم الهرب من أوروبا، أو إلقاء القبض عليهم في أعالي البحار لإرسالهم إلى ليبيا".

واليوم، يعج مركز احتجاز تاجوراء بالمهاجرين مرة أخرى بما في ذلك أولئك الذين اعترضهم خفر السواحل الليبي. علاوة على ذلك، استؤنفت الأعمال في ورشة أسلحة مجاورة للمخيم، على الرغم من دعوات الأمم المتحدة لإخلاء المخيم وغيره من المخيمات التي تقع على مقربة من الخطوط الأمامية للحرب الأهلية الدائرة في البلاد.


بنيامين باتكه/ عماد حسن

 

للمزيد