الشاب ألفا برفقة المزارع بيير في الحقول القريبة من مدينة ليموج وسط فرنسا. الصورة: مهاجرنيوز/مهدي شبيل
الشاب ألفا برفقة المزارع بيير في الحقول القريبة من مدينة ليموج وسط فرنسا. الصورة: مهاجرنيوز/مهدي شبيل

بين الجبال والحقول الخضراء، قرر الشابان ألفا وعمر خوض مغامرة جديدة في المزارع الفرنسية. يشارك المهاجران تفاصيل حياة الفلاحين اليومية، يتعلّمان الزراعة وأسس الحصاد، ويمضيان الوقت مع حيوانات عديدة كالأبقار والأغنام والدواجن. تجربة يعتبرها الشابان فرصة للقضاء على الملل وإمضاء بعض الوقت وسط الطبيعة، وقد تكون وسيلة للتعرف على مهنة جديدة في الزراعة وتربية الماشية.

بعيدا عن ضوضاء المدينة وصخب الشوارع، يمضي الشاب العشريني يومه وسط الحقول الخضراء. يستيقظ في الصباح الباكر ليخرج من مسكنه المؤقت في عربة صغيرة، ويبدأ نهاره بقراءة كتيّبات حول أسس الزراعة وتربية الماشية، ومن ثم يبدأ العمل.

قرب مدينة ليموج الفرنسية، يعيش ألفا مغامرة جديدة تلهيه عن متاعب حياته اليومية وتعطيه فرصة لاستيعاب ما مرّ عليه من أحداث قاسية دفعته إلى ترك بلده وعائلته بحثا عن ملجأ آمن. وبينما ينتظر الشاب الغيني مصير طلب اللجوء الذي تقدّم به، دفعه الفضول لتجربة الحياة في المزارع العضوية التي تعتمد على المواد الطبيعية في تربية الماشية وزراعة الخضار بعيدا عن استخدام المبيدات والمواد الكيميائية.


يتناول ألفا فطوره مع بيير وجولي وصغيرهما أليكس، ويتجه بعدها برفقة بيير لتفقّد أمور الماشية. يحمل عصاه الخشبي والدلو الأحمر الذي يحتوي على الحبوب لإطعام الماعز والأبقار. يقول ألفا "في اليوم الأول كنت أشعر بالخوف قليلا، لم أكن أعرف كيف أتعامل مع البقرة، لكنّي سرعان ما بدأت أشعر بالألفة مع تلك الحيوانات، وبدا الأمر أكثر سهولة".

تجربة جديدة يعيشها ليس فقط ألفا، وإنما أيضا العائلة الفرنسية التي قررت استقبال الشاب الغيني لمدة أسبوع ضمن ما يسمّى بالـ"ووفنغ"، وهي عبارة عن مبادرة تضم شبكة من المزارعين الفرنسيين تقوم على مبدأ المصلحة المتبادلة. يقّدم الفلاح الطعام والمأوى فيما يشارك الزائر في العمل بالأرض لنحو أربعة ساعات يوميا لمدة قد تصل إلى بضعة أسابيع.

الفضول كان العامل المشترك لدى الطرفين، يقول بيير "نعيش في هذه المزرعة بعيدا عن المدينة ولا نرى الكثير من الأشخاص، فكانت هذه تجربة جيدة بالنسبة لنا للتعرف بشكل أفضل على ألفا وعلى المكان الذي يأتي منه. نتبادل الأحاديث سوية وأصبحنا نعرف أكثر عن وضع اللجوء هنا وما يمر به طالب اللجوء. من جهة أخرى، نرى فيها تجربة جيدة للشباب للعيش ضمن عائلة والتعرّف على المجتمع الفرنسي عن قرب".


فرصة جيدة لأبتعد عن التفكير بهمومي
_ ألفا


بينما يجلس ألفا شارد الذهن سارحا في أفكاره بعد انتهائه من مهامه، يقترب الطفل أليكس ذو الثلاثة أعوام منه ويبدأ حديثه بحماس حول الدجاجة التي علقت البارحة بين أسلاك السياج. يضحك كلاهما، ويستسلم ألفا لمطلب أليكس ليذهبا للعب سوية. تقول جولي "استطاع أليكس تكوين علاقة خاصة مع ألفا"، تبتسم وتتابع "أحيانا يكون الأمر أكثر سهولة مع الأطفال، فهم ليسوا كالبالغين يطرحون مئات الأسئلة الجادة التي تكون منهكة بالنسبة لطالب اللجوء في بعض الأحيان".


منذ خمسة أعوام ترك ألفا بلده، وكان حينها في الـ17 من عمره، بعدما تم اغتيال والده لمشاركته في المعارضة السياسية، حسب قوله، "اضطررنا أنا ووالدتي وأخوتي إلى ترك بيتنا وأصبحنا نعيش في خطر حقيقي. عبرت مدنا وقرى، اجتزت الصحراء والبحر وصولا إلى أوروبا. دخلت فرنسا أخيرا منذ عامين وقدمت طلب اللجوء". لكن الأمور لم تستقر بعد بالنسبة له، وتم رفض طلب لجوئه. يقول الشاب "حاليا أنا في انتظار رد المحكمة الإدارية بعدما تقدمت بطلب استئناف. آمل أن أحصل على رد إيجابي لأتمكن من بدء حياة جديدة هنا".

"أفكر دوما في عائلتي، أشتاق لأمي وأخوتي الصغار. فقد مر عليّ الكثير من الأحداث المؤسفة. أحيانا أستيقظ وسط الليل ولا أستطيع النوم"، يشرح ألفا لمهاجر نيوز "لكني عندما علمت بوجود هذه المبادرة عبر المساعدة الاجتماعية، قلت لنفسي ربما هذه فرصة جيدة لأبتعد عن التفكير بهمومي".

يعيش ألفا حاليا في إحدى الشقق المخصصة لطالبي اللجوء في منطقة لاسوتيرين وسط فرنسا. وفي نهاية الأسبوع، سيعود أدراجه وسيكون بإمكانه إعادة التجربة وزيارة مزارع أخرى في مختلف المناطق الفرنسية، "أعتقد أني سأعيد التجربة، ربما سأتمكّن في المستقبل من العمل بمجال الزراعة"، يضحك قائلا "لم أكن أتوقع ذلك، لكني أعتقد أن البقرة هي حيواني المفضل هنا، رغم أن حجمها كبير وقد تكون عدوانية في بعض الأحيان إذا شعرت بالخطر".

 

في مزرعة أخرى أقل انعزالا وأكثر قربا من مدينة ليموج، يرتشف عمر قهوته بعد أن استيقظ من قيلولته، "كان العمل متعبا اليوم، قمنا بحصاد الطماطم منذ الصباح الباكر".

على غرار ألفا، يبدو الشاب عمر أكثر ارتياحا وحماسا، فقرر خوض المبادرة من جديد، "المرة الأولى أمضيت نحو أسبوع هنا في هذه المزرعة، رأيت عن قرب طرق زراعة الطماطم والباذنجان والكوسا، لذلك أردت العودة من جديد لأسبوع آخر".

عمر ينحدر أيضا من غينيا ويرى في هذه التجربة فرصة للابتعاد عن صخب المدينة، على عكس ألفا الذي يحبّذ حياة المدن الكبيرة. يقول عمر "يروق لي العمل في الأرض، وأنا كنت أرغب بالابتعاد عن باريس والاتجاه إلى المدن الفرنسية الأقل ازدحاما".

يشارك المزارع الفرنسي الخمسيني في الحديث مع الشاب العشريني، "أصبح عمر بمثابة صديق بالنسبة لي، المرة الماضية تنزهنا سوية وذهبنا إلى البحر لقضاء بعض الوقت وتذوّق الطعام الجيد وثمار البحر اللذيذة".


علاقة جيدة تربط عمر بالمزارع أوليفييه الذي يمتلك أرضا زراعية بمساحة تتجاوز الهكتار ونصف، "أستقبل في منزلي العديد من الأشخاص الذين يأتون من مختلف الدول، إلا أني رغبت أيضا باستقبال الشباب المهاجرين وتقديم فرصة لهم للمجيء إلى هنا وعيش تجربة العمل معي والتعرف على عائلتي".

أوليفييه بدأ بالمشاركة في المبادرة منذ نحو ثلاثة أشهر، "استقبلت العديد من طالبي اللجوء خلال الفترة الماضية. في بعض الأحيان يكون الأمر أكثر تعقيدا بالنسبة للأشخاص الذين لا يجيدون اللغة الفرنسية، لكنها أيضا فرصة جيدة لهم لتحسين لغتهم".

يرى كلا الشابين أن خوض تجربة الـ"ووفنغ"، توفر لهما فرصة أيضا للقضاء على الملل والانتظار الطويل ريثما يحصلان على قرار طلب اللجوء، فالاشتراك في هذه المبادرة متاح لجميع المهاجرين سواء من اللاجئين أو من طالبي اللجوء الذين ينتظرون الحصول على أوراق إقامة.

وللانضمام إلى المبادرة بإمكانكم التوجه إلى المساعدة الاجتماعية المسؤولة عن ملفكم، أو التواصل بشكل مباشر مع المنظمين عبر الرابط التالي.

 

للمزيد