مقبرة طريفة في جنوب إسبانيا. دافيد غورميزانو
مقبرة طريفة في جنوب إسبانيا. دافيد غورميزانو

وفقاً لتقارير أعدتها منظمات غير حكومية إسبانية في العقود الثلاثة الأخيرة، لاقى ما بين 6700 و8000 شخصاً مصرعهم أثناء محاولة الوصول لأوروبا عن طريق عبور مضيق جبل طارق بين المغرب وإسبانيا. وما زالت المقابر الموجودة بالقرب من المضيق شاهدةً على ما عاشه هؤلاء الضحايا.

تقع مدينة طريفة في أقصى جنوب شبه جزيرة أيبيريا، ما جعلها المحطة الأولى لأغلب المهاجرين القادمين من المغرب عبر مضيق جبل طارق. وتمتاز هذه المدينة بطقسها الجذاب وسمائها الصافية، لكن زيارة واحدة للمقابر الموجودة بجانب المضيق كفيلة بكشف جانب آخر من حقيقة هذه الشواطئ، فلا يمكن تجاهل مقابر المهاجرين الذين قضوا أثناء محاولاتهم الوصول لأوروبا. بعضهم كُتب اسمه على قبره، فيما دُفن آخرون دون تحديد هويتهم.

مقابر المهاجرين مجهولي الهوية

عند الدخول لمقبرة طريفة والشروع بقراءة شواهد القبور، تسهل ملاحظة أربعة قبور لمهاجرين كتب عليها "مهاجر مغربي، السابع من آذار/مارس 2001". ويمكن ملاحظة قبور كتبت عليها أسماء تدل على شخصية أصحابها مثل "إستير أدوال، نيجيريا، 24 فبراير/شباط 2003"، و"أمل إبراهيم، نيجيريا، 19 نيسان/أبريل 2005"، و"ياكوبا كوني، ساحل العاج، 17 نيسان/أبريل 2013"، وهذه جميعها قبور لمهاجرين قضوا في البحر وتعرفت عليهم الشرطة الإسبانية. لكن ولأسباب غير معروفة، لم تتم إعادة جثثهم إلى بلدانهم الأصلية.

شاهد تذكاري على قبر يعود لـ24 مهاجراً قضوا غرقاً في التسعينيات. دافيد جورميزانو

لكن ما يلفت النظر أكثر أثناء التمعن في القبور في طريفة، هو قبر كتب عليه "جثة مجهولة الهوية، الدائرة الثالثة لمحكمة الجزيرة الخضراء. قرار أولي 47/2017" في إشارة واضحة لوجود جثث مجهولة الهوية لمهاجرين فقدوا حياتهم أثناء عبورهم البحر. فوفقاً لجمعية حقوق الإنسان الأندلسية (APDHA)، فقد 1064 شخصًا حياتهم في 2018 أثناء عبورهم من المغرب إلى إسبانيا على الرغم من قصر مدة الرحلة، غالباً ما يتم التعرف على معظم الضحايا بسرعة لأنه عند تحطم القارب وغرقه، يتعرف الناجون على جثث الضحايا ممن كانوا معهم على متن القارب وغرقوا خلال الرحلة، لكن هناك من يبقى مجهول الهوية ويتم دفن جثثه في إسبانيا دون اسم.  

قبور مهاجرين مجهولي الهوية في مقبرة طريفة. دافيد جورميزانو

دور الكنيسة في التضامن وزيادة الوعي

وأكد جوزيه ماريا بيريز، وهو أحد الأعضاء الناشطين في الكنيسة المحلية في مدينة طريفة، إن هذه القبور تستقبل زواراً "مسلمين ومسيحيين" بشكل منتظم، و"أن الناس على الطرف الآخر من المضيق يعرفون بوجود هذه القبور".

من جانبه، ينظم غابرييل ديلغادو، المسؤول عن مساعدة المهاجرين في أبرشية مقاطعة قادس والتي تتبع لها مدينة طريفة، فعالية مركزية في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام لإحياء ذكرى المهاجرين الذين غرقوا في مضيق جبل طارق، ويطالب ديلغادو بـ"ممر آمن للراغبين بالهجرة إلى أوروبا، وأولئك الذين تحتاجهم أوروبا"، تماشياً مع موقف الكنيسة الكاثوليكية الداعم لقضية اللاجئين. وفي ذات الوقت، تنظم جمعيته Tierra de Todos حلقات تضامن في يوم الأربعاء الثاني من كل شهر في عدة مدن على جانبي مضيق جبل طارق، تتخلل هذه الوقفات دقائق صمت ويشارك فيها أشخاص من أصول مختلفة تحت شعار "التضامن مع المهاجرين".

أما في اليوم العالمي للمهاجرين من كل عام، يقوم ديلغادو بصلاة على شاطئ طريفة ويشارك فيها متضامنون وسكان.

صاموئيل كابامبا

على بعد 25 كلم من مدينة طريفة، في ميناء باربات، توجد الكثير من القبور لمهاجرين لم يتم التعرف على هوياتهم، يعود أقدمها لعام 2002. يبرز بين هذه القبور قبر طفل من جمهورية الكونغو الديمقراطية اسمه صاموئيل كبامبا. حركت قصة الطفل ذي الخمسة أعوام مشاعر الكثيرين في جنوب إسبانيا وخارجها، حيث وجدت جثته في نهاية كانون الثاني/يناير 2017 على شاطئ بالقرب من ميناء صيد، بينما قذفت أمواج البحر جثة أمه، فيرونيك، بعد 15 يوماً على الشواطئ الجزائرية.

قصة الطفل صامويل الذي غرق أثناء محاولة عبور البحر مع والدته في 2017 صدمت إسبانيا. دافيد جورميزانو

وأثارت قصة صاموئيل ردود أفعال هيئات الدفاع عن المهاجرين، إضافة لغابرييل ديلغادو الذي نظم جنازة رمزية على الشاطئ الذي وجدت عليه جثة صاموئيل، حيث شارك 100 شخص في هذه الجنازة وألقوا الورود في البحر تضامناً مع ضحايا الهجرة في البحر. ولاقت قصة صاموئيل انتشارا إعلامياً واسعاً لربطها بقصة آلان الكردي، الطفل السوري الذي وجدت جثته على شواطئ تركيا في أيلول/سبتمبر 2015.

وكانت قد سمحت السلطات الإسبانية لوالد صاموئيل بالقدوم إلى إسبانيا، حيث سمح له بدفنه في باربات في 10 آذار/مارس بعد التأكد من أنه والده، وامتلأت الكنيسة بأكملها بالسكان والمتضامنين لوداع صاموئيل قبل دفنه. وتطوعت مجموعة سيدات بوضع الورود على قبره كل يوم "لأن أقاربه بعيدون، وعلى أحد أن يعتني به" كما شرحت سيدة مسنة.

يقوم السكان بوضع الورود على القبور في مقبرة برباط. دافيد جورميزانو

 

للمزيد