عائلة عراقية من بغداد تقيم في مركز غراند سانت شمال فرنسا. الصورة: مهدي شبيل/مهاجرنيوز
عائلة عراقية من بغداد تقيم في مركز غراند سانت شمال فرنسا. الصورة: مهدي شبيل/مهاجرنيوز

محاولات بائسة ومستمرة، وطرق متعددة وخطرة، يسعى من خلالها المهاجرون إيجاد "الفرصة المناسبة" لعبور بحر المانش وبلوغ الأراضي البريطانية. ظروف صعبة تدفع بهؤلاء المهاجرين للمخاطرة بحياتهم وعبور الممر البحري، الفاصل بين فرنسا وبريطانيا، سباحة، و معاودة الكرة دون توقف. تم إنقاذ أكثر من 1400 مهاجر في القناة الإنكليزية، أي أكثر من ضعف إجمالي عمليات الإنقاذ التي نفذتها السلطات الفرنسية والبريطانية العام الماضي.

"حاولنا عبور المانش سبع مرات أنا وأطفالي الخمسة وزوجي"، بهذه الكلمات تبدأ المرأة العراقية حديثها عن صعوبة الوضع في مخيمات شمال فرنسا بانتظار الفرصة المناسبة لدخول الأراضي البريطانية.

تعيش سعاد منذ عشرة أشهر في صالة "غراند سانت"، الرياضية (شمال فرنسا)، والتي تحولت إلى مركز لاستقبال المهاجرين. "الملل رهيب هنا"، تروي الأم الأربعينية تفاصيل حياتها اليومية التي تقتصر على مواصلة العيش في هذا المخيم ريثما تأتي "الفرصة المناسبة"، وليكون الحديث اليومي المكرر هو البحث عن الطريقة الأفضل للعبور.

"في محاولة عبور البحر الأولى، لم نستطع الإبحار سوى لدقائق معدودة لكن سرعان ما رأينا خفر السواحل الفرنسي، فكان علينا العودة أدراجنا، ورجعنا إلى المخيم". وهكذا باءت محاولتها الأولى بالفشل.

الإدمان على محاولة العبور

في كل مرة كانت هذه العائلة القادمة من بغداد تحاول العبور رغم المحاولات الفاشلة ليتحول ذلك إلى حالة من البؤس تدفعهم إلى "الإدمان" على المحاولة من جديد، "نسمع الكثير من العائلات التي رفضت طلبات لجوئها في فرنسا بعد أن أمضوا أكثر من عام. لا نريد البقاء هنا، نريد الذهاب إلى بريطانيا حيث يعيش أقاربنا".

المحاولة الأخيرة تركت ذكريات سيئة عند الأم والأطفال، "كان موعدنا مع المهرب عند منتصف الليل، إلا أننا لم ننطلق حتى الرابعة صباحا، وبعد إبحارنا بحوالي نصف ساعة، بدأت المياه بالتسرب إلى القارب المطاطي، فابتللت وأطفالي بالماء. الهلع كان سيد الموقف، بدأنا بالصراخ والبكاء فشعرت وكأن حلقي تمزّق من الصياح".

بقيت العائلة في عرض البحر في حالة هلع ريثما وصل قارب خفر السواحل لإنقاذهم بعد أن اتصلوا طلبا للنجدة، "علي ابني الأصغر يبلغ من العمر سنتين ونصف، فقد الوعي. لا أريد أن يموت ابني. كنت خائفة جدا".

في حديث سابق مع منظمة "أطباء بلا حدود"، أكدت الطبيبة النفسية كلوي لمهاجر نيوز أن "الأشخاص أصبح لديهم نوع من الإدمان على محاولة العبور دون أن يكون لديهم وعي كامل حول خطورة الطريق وإمكانية فقدان حياتهم"، ونبهت أيضا إلى خطورة الوضع بالنسبة للقاصرين غير المصحوبين بذويهم.

الأرقام الرسمية تؤكد أيضا ارتفاع محاولات عبور المانش. منذ بداية العام الحالي، تم إنقاذ أكثر من 1400 مهاجر في القنال الإنكليزية، أي أكثر من ضعف إجمالي عمليات الإنقاذ التي نفذتها السلطات الفرنسية والبريطانية العام الماضي.

ويتخذ البعض هذا الطريق البحري رغم الكثافة المرورية في مضيق كاليه، والتيارات والرياح العاتية ودرجات حرارة المياه المتدنية التي تجعل عبور المانش صعبا وخطيرا للغاية.

البحث عن حل للخروج بشتى الطرق حتى لو كلفهم ذلك حياتهم

في كاليه وغراند سانت شمال فرنسا، روتين يومي صعب يعيشه المهاجرون، يتمثل بتفكيك مخيماتهم العشوائية على أطراف المدينة ومواجهة عنف الشرطة والظروف المعيشية المتردية. فالشعور بالإرهاق والتعرض لمضايقات من قبل الشرطة بشكل مستمر، يتراكم عند هؤلاء الأشخاص، حتى يصلوا إلى مرحلة فقدان الأمل، و"عندما تطول فترة بقاء الشخص في كاليه بسبب استحالة عبور الحدود، ذلك يعني المزيد من الإنهاك النفسي والجسدي"، بحسب منظمة "أطباء العالم"، الأمر الذي يدفعهم إلى البحث عن حل للخروج بشتى الطرق حتى لو كلفهم ذلك حياتهم.

وفي آخر زيارة لمهاجر نيوز إلى مخيمات كاليه الشهر الماضي، التقينا بشاب أريتري يبلغ 21 عاما من العمر مضى على وجوده في المخيمات العشوائية أكثر من خمسة أشهر، وأول ما قاله لنا "هل نستطيع عبور المانش سباحة؟ لا أعتقد أن المسافة كبيرة".

السلطات البريطانية من جهتها، وبمعزل عن الأسباب التي تدفع المهاجرين في الشق الفرنسي لاتخاذ طرق خطيرة تضمن الوصول إلى بريطانيا، كانت قد أكدت على أنها مستمرة في تحصين حدودها البرية والبحرية، وشددت على أهمية استمرار التنسيق مع باريس لوقف عمليات العبور غير الشرعي وتدعيم الحدود المشتركة بطائرات المراقبة والرادارات وتسجيلات الفيديو لرصد عمليات التهريب وإيقافها.

وفي مقابلة صحافية، تعهد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الجمعة 23 آب/أغسطس بإعادة الأشخاص الوافدين إلى بلاده عبر المانش، قائلا "بالنسبة للأشخاص الذين يفكرون بالقيام بهذه الرحلة: أولا، الرحلة خطرة جدا، قد تعتقدون أن الطقس يبدو رائعا، لكنه أمر خطير للغاية. ثانيا، سنقوم بإعادتكم".

ومنذ بداية العام أعادت المملكة المتحدة أكثر من 65 مهاجرا دخلوا بصورة غير شرعية عن طريق البحر، إلى الدول الأوروبية التي أتوا عبرها. وكانت الحكومة البريطانية قد أصدرت قراراً في بداية العام يتيح إرجاع المهاجرين غير الشرعيين القادمين عن طريق فرنسا، وتحويل ملفات لجوئهم إليها وإن قدموا طلب اللجوء في بريطانيا.


ماذا تفيدني بريطانيا إذا كان ابني غير قادر على المشي؟

على الرغم من خطة التعاون الفرنسية - البريطانية "للحد من قوارب الهجرة غير الشرعية" التي تم التوصل إليها في كانون الثاني/يناير الماضي، إلا أن نسبة المحاولات استمرت بالازدياد "بوتيرة بطيئة لكنها ثابتة"، وفقا للسلطات الفرنسية. وتجري اليوم محادثات جديدة بين وزير الداخلية كريستوف كاستانير ونظيرته البريطانية.

السلطات البلجيكية، عثرت على جثة مهاجر عراقي يبلغ 48 عاماً كان يحاول عبور المانش الأسبوع الماضي من الشواطئ الفرنسية، مرتديا سترة نجاة صنعها بنفسه من القوارير البلاستيكية، وتعرفت السلطات على هويته بعد أن وجدت معه كيساً بلاستيكياً وضع فيه مستنداته الشخصية، حسبما أكد مكتب الإدعاء العام في بروج.

عبور الحدود البريطانية الفرنسية لا يقتصر فقط على المجال البحري، وإنما يعمد الكثير من المهاجرين إلى الاختباء في الشاحنات التي تعبر نفق "يوروتونيل" إلا أن في ذلك خطورة كبيرة قد تؤدي إلى وفاة الأشخاص اختناقا.

الاختباء في الشاحنات للوصول إلى بريطانيا، مغامرة خطيرة أخرى حاولتها سعاد، هذه الأربعينية العراقية، التي أنهت حديثها مع مهاجر نيوز قائلة "حاولت تجربة عبور الحدود البرية، لكني لن أعاود الكرة"، موضحة أن المهرب أجبرها على إعطاء ابنها حبوب مخدرة "منوّمة" كي يحافظ على هدوئه أثناء عبور الحدود عند نقاط التفتيش.

جربت سعاد طريقة الشاحنات مرتين "أعطيت ابني علي ذو السبعة أشهر تلك الحبوب المنومة، كذلك أعطيتها لابني حسين الذي لم يتجاوز عمره عامين. لكني نادمة على ذلك، لأن ابني الصغير لم يتمكن من الحبو حتى الآن، وأنا خائفة من تأثير تلك الحبوب على نمو عظامه، هو هش للغاية. ماذا تفيدني بريطانيا إذا كان ابني غير قادر على المشي؟ ".

 

للمزيد