يموت معظم المهاجرين خلسة قبل الوصول إلى وجهتهم.
يموت معظم المهاجرين خلسة قبل الوصول إلى وجهتهم.

إحدى الطرق الأقل شيوعًا والأكثر خطورة التي يتم اتباعها لأغراض الهجرة غير النظامية هي السفر متخفيا في حجرة إطارات الطائرة. غالبية المسافرين المتخفين بهذه الطريقة يحصلون عادة على تذكرة باتجاه واحد فقط: الموت المحتم.

لم تعد محاولات المهاجرين الذين يقومون برحلات بحرية خطرة، أو يحاولون الوصول إلى أوروبا كركاب سريين عبر الشاحنات تتصدر عناوين التقارير الإعلامية. وبالرغم من الأخبار التي تتناقل عمليات الإنقاذ البحري بشكل عابر، يحاول بعض اليائسين مغادرة بلادهم بطرق أكثر خطورة، وذلك بالسفر خلسة وذلك بالاختباء داخل فجوات بالطائرات وذلك كوسيلة للانتقال بين البلدان وحتى بين القارات.

وبالرغم من أن هذا الأمر لا يحدث بشكل كبير، وذلك في ظل الإجراءات الأمنية المشددة للمطارات في جميع أنحاء العالم، إلا أن هناك العشرات من الحالات المسجلة لأشخاص يختبئون في أماكن معينة في الطائرة والتي تكون على الأغلب في التجويفات الخاصة بعجلات الطائرة.

هذه الرحلات الخطيرة للغاية والمميتة عادة ما يكون معدل البقاء خلالها على قيد الحياة حوالي واحد من كل أربعة محاولات، وحتى هذه النسبة تعتمد على سلسلة من المصادفات، التي قد تلعب دورا حاسما في بقاء الراكب خلسة على قيد الحياة من عدمه.

سبب خطورة هذه الطريقة

هناك ثلاثة مخاطر أساسية مرتبطة بالسفر الجوي والتي يجب دراستها بدقة في أي رحلة، حتى بالنسبة للركاب العاديين:

أولاً، عندما تصعد الطائرة إلى المستويات العليا في الغلاف الجوي، تنخفض درجة الحرارة ، وهذا هو السبب في أن كابينة الطائرة مكيفة بدرجة حرارة مناسبة. معظم الرحلات المتوسطة وحتى البعيدة تصل إلى ارتفاع يتراوح بين 32000 و 35000 قدم، أي حوالي 10 كيلومترات فوق مستوى سطح البحر.

تتراوح درجات الحرارة عند هذا الارتفاع بين -40 درجة مئوية إلى -60 درجة مئوية. للمقارنة: يبلغ متوسط درجة الحرارة في فصل الشتاء في القارة القطبية الجنوبية عادة -34.5 درجة مئوية. لا يكاد أحد يجرؤ على السفر خلسة على متن طائرة في هذا الوضع، حيث تؤدي البرودة هذه إلى انخفاض حرارة الجسم الشديد وتجمده، ما قد يتسبب في بتر أحد الأطراف لاحقا في حال استطاع المسافر خلسة البقاء على قيد الحياة، ناهيك عن التهديد الكبير المتمثل في تعريض الجسم لمدة طويلة لدرجة الحرارة المنخفضة والتي قد تؤثر على وظيفة أعضاء الجسم.

بالإضافة إلى مشكلة تدني درجات الحرارة، هناك مشكلة انخفاض ضغط الهواء خارج مقصورة الطائرة إلى مستويات أقل بكثير مما يحتاجه الجسم والذي يلزم للبقاء على قيد الحياة. انخفاض الضغط له تأثيرات سيئة على الرئة البشرية التي ستعاني من أجل الحصول على الأوكسجين، ولهذا يتم معادلة الضغط بشكل صناعي داخل كابينة الطائرة، كما أن انخفاض نسبة الأوكسجين ستكون مشكلة أخرى بعد ارتفاع الطائرة. في الواقع، يوجد نصف الأكسجين في العالم في الغلاف الجوي تحت ارتفاع 18000 قدم، ووفقا لتقارير الخبراء فأن الأوكسجين يتناقص كلما ارتفعنا في الجو، حيث تشكل نسبته مثلا على ارتفاع 35000 قدم ربع نسبته فقط في الأوضاع الطبيعية.

وعلى الرغم من أن نقص الأوكسجين وضغط الهواء لن يقتل المسافر خارج الكابينة بشكل فوري إلا أن معظم الناس سوف يصابون بالإغماء عند تعرضهم لهذه الظروف، ومع طول مدة السفر على هذا المنوال قد يكون هذا قاتلا. بمعنى آخر، تزيد احتمالات الموت مع طول مدة الرحلة.

المخبأ المثالي للعديد من المسافرين خلسة

 

كيف ينجو البعض ؟

المثير في الموضوع أن الظروف التي قد تفضي إلى الموت هي نفسها التي قد تنقذ الجسم البشري. فوفقا لبيانات إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكي( FAA)، يحاول الجسم التكيف بشكل لا إرادي مع الظروف القاسية التي تحيط به، فنقص الأوكسجين وانخفاض الضغط سيؤدي إلى فقدان الوعي بشكل تدريجي، وسيرافق ذلك انخفاض حرارة الجسم تبعا لتدني درجات الحرارة، نتيجة لذلك ستقل حاجة الجسم إلى الأوكسجين، ويحاول التأقلم مع قلة نسبته وكثافته في الجو، وهو ما قد يحافظ على حيوية الجهاز العصبي.

بمعنى آخر، يدخل جسم الإنسان في حالة مشابهة للسبات، حيث يتطلب طاقة أقل للبقاء على قيد الحياة. وكمية أقل من الأوكسجين، كما يتباطأ معدل ضربات القلب بشكل كبير، وكذلك التنفس، ويشار إلى هذه الحالة طبيا باسمpoikilothermic .

 بعض الأخطار الأخرى؟

المرحلة الحاسمة بالنسبة للركاب هي الاستيقاظ من فقدان الوعي في الوقت المناسب لتجنب السقوط من الطائرة عندما يتم تحرير العجلات أثناء الاقتراب والهبوط يُفترض أن العديد من أولئك الذين ماتوا ظلوا في حالة من عدم الوعي، وبالتالي سقطوا من السماء  بعد تحرير الطائرة للعجلات قبل الهبوط. بشكل عام، يحصل الشباب والأطفال على فرصة أكبر للبقاء. ومن غير الواضح سبب ذلك، حيث لم تكن هناك حالات كافية لدراسة هذه الحالات المعجزة. ومع ذلك، فإن احتمال استعادة الوعي عاجلا هو أعلى بين الشباب والأطفال، علاوة على ذلك، فان سبب النجاة أحيانا يكون اختيار المسافر لرحلات المسافات القصيرة عوضا عن الرحلات الطويلة عبر القارات.

من المثير للدهشة أن انخفاض درجات الحرارة ليست التهديد الوحيد داخل تجويف عجلات الطائرة بل هناك أيضا ارتفاع درجات الحرارة لدى الإقلاع: مع تسارع عجلات الطائرة إلى 240 - 285 كم/ ساعة قبل الإقلاع تتولد حرارة كبيرة داخل تجويف عجلات الطائرة. قد تسبب هذه الحرارة حروقا شديدة في حال ملامسة أجزاء الجسم لضغط الهواء الناتج بين العجلة والجدران الداخلية لها، كما أن الضغط الكبير قد يؤدي إلى سحق الجسم بواسطة ممتص الصدمات والمكونات المعدنية الأخرى. كما أن المساحة الصغيرة الموجودة في التجويف الخاص بالعجلات لا تسمح بالجلوس بشكل صحي، كما قد يؤدي المكوث هناك إلى تجلط الأوردة والسكتات الدماغية والنوبات القلبية (خاصة في الارتفاعات العالية).

حالات معروفة

هناك حالات مسجلة في ألمانيا لأشخاص حاولوا الوصول إليها، من أماكن مثل روسيا ومالي وجمهورية الدومينيكان، إلا أن معظم الحالات المسجلة حدثت في المملكة المتحدة والولايات المتحدة كوجهات نهائية معتمدة.

في حزيران/ يونيو 2018، سقط أحد الركاب المتخفين على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية الكينية من السماء عندما بدأت الطائرة التي أقلعت من نيروبي في الوصول إلى مطار هيثرو، أكبر مطارات لندن. هبطت جثة الرجل في حديقة في حي كلافام في لندن، على بعد متر واحد فقط  من أحد حمامات الشمس.

الحادث كان من الممكن أيضا أن يقتل أيضا أحد الناس في حال سقطت الجثة عليه، وما تزال القضية قيد التحقيق، وهذا هو السبب في أن الشرطة لم تفصح عن المزيد من التفاصيل عن المتوفى.

تشمل الأمثلة الشهيرة الأخرى التي تقترب من مدرج مطار هيثرو المثال المأساوي الذي حصل في يونيو/ حزيران 2015 لراكب موزمبيقي متخفي يبلغ من العمر 29 عاما، سقط جسمه مقطوع الرأس على سطح مبنى مكاتب في حي ريتشموند في لندن. وكان الضحية الموزمبيقي، كارليتو فالي قد سافر خلسة على متن رحلة لشركة الخطوط الجوية البريطانية قادمة من يوهانسبرغ بجنوب إفريقيا، وكان المسافر المتخفي يرافقه مسافر آخر نجا بالفعل من الرحلة الطويلة التي استغرقت 11 ساعة. وبعد ذلك عولج الرجل المجهول الهوية في المستشفى لتعرضه لإصابات خطيرة.

وفي عام 2012، كان شخصا موزمبيقيا آخرا يدعى خوسيه ماتادا يبلغ من العمر 26 عامًا قد اختبأ على متن رحلة لشركة الخطوط الجوية البريطانية من لواندا في أنغولا وسقط في أحد شوارع مورتليك بمدينة لندن. تصدرت القضية عناوين الصحف، حيث استغرق الأمر وقتًا طويلاً لتجميع مجريات ما حصل مع الموزمبيقي.

مآسي كان يمكن تجنبها

قد لا تتوفر أرقام محددة حول أعداد المسافرين خلسة، إذ لا يصل جميع الركاب إلى وجهاتهم المقصودة. تسقط بعض الأجسام المتجمدة من السماء من مكان لآخر دون قصد، حيث يقوم الطيارون أحيانا بفتح معدات الهبوط في منتصف الرحلة لأسباب تتعلق بمناورة الطائرة. ما قد يتسبب في سقوط هؤلاء المسافرين خلسة، وقد لا يتم استرداد تلك الجثث إذا وقعت في مناطق نائية.

في حالات أخرى، يُجبر الطيارون على الالتفاف حول المطارات أثناء انتظار مراقبة الحركة الجوية لتنظيم عمليات الهبوط، في المناطق الساحلية، ما يجعل الأجسام المتجمدة للمسافرين خلسة تسقط في عرض البحر.

أيضًا، يتم سحق الركاب المتخفين حتى الموت حين تتراجع أداة الهبوط في العجلة بعد الإقلاع. ويتلقى الطيار إشارة تشير إلى وجود مشاكل في جهاز الهبوط في هذه الحالات، وعلى سبيل البروتوكول، سيفتح ويغلق جهاز الهبوط مرة أخرى لتصحيح المشكلة، ما قد يسبب بسقوط مبكر للمسافرين خلسة.

ومع ذلك، فإن إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية قد سجلت حوالي 100 حالة سفر خلسة على مستوى العالم منذ عام 1947. وقد تم تسجيل الغالبية العظمى من هذه الحالات ابتداء منذ عام 2000، ويضم فقط السجل عددا قليلا من الناجين. في مثل هذه الحالات، يتحدث الخبراء الطبيون عن "المعجزات".

الحقيقة المحزنة في الأمر هي أن الغالبية العظمى من هؤلاء الركاب المتخفين يهلكون وهم يحاولون الوصول إلى أوروبا وأماكن أخرى على أمل الوصول إلى حياة أفضل. إنهم يسافرون حول العالم تحت وطأة ما يعيشونه، ويقتربون بشكل مؤلم من وجهة أحلامهم - ويعانون من موت رهيب فوق مبنى أو في شارع أو في حديقة شخص ما، على بعد أميال فقط من المطار الذي كانوا يأملون الوصول إليه.


 

 


 

للمزيد