مخيمات المهاجرين على أطراف العاصمة باريس. الصورة: مهاجر نيوز
مخيمات المهاجرين على أطراف العاصمة باريس. الصورة: مهاجر نيوز

خيم صغيرة وأشخاص كثر، على أطراف الطرق السريعة شمال العاصمة الفرنسية باريس حيث يعيش أكثر من 2000 مهاجر مشردين داخل تجمعات عشوائية تستوعب أكثر من طاقتها. جرذان وروائح كريهة تحيط بهذا المكان المأساوي الذي يشكل خطرا على حياة هؤلاء الأشخاص، خاصة وأن باريس لم تشهد هذا العدد الكبير من المهاجرين المشردين في مثل هذا الوقت من العام منذ أربعة سنوات، وفقا لما أكدته عدة جهات ناشطة. مهاجر نيوز ذهب لتفقد أوضاع المهاجرين ولقائهم.

في خيمة صغيرة بالكاد تتسع لشخص واحد، يمضي ماجد لياليه برفقة يوسف منذ نحو شهرين على أطراف "عاصمة الأنوار"، دون فراش يحميه من قساوة الأرض.

"الحياة قاسية وأنا اعتدت على ذلك، ليست عندي مشكلة، ظهري أيضا قادر على تحمل قساوة الأرض"، يحاول الشاب الصومالي جاهدا البحث عن فرصة لحياة جديدة بعدما ترك بلده وحيدا دون أهله، لكن "الواقع هنا لا يبشّر بالخير".

أثناء الليل، تخرج الفئران من جحورها لتسرق الطعام القليل الذي يحتفظ به بعض الأشخاص بين أغراضهم "نعاني من السرقة هنا، والأشخاص الذين يأتون لسلبنا أغراضنا غالبا ما يحملون السكاكين الحادة، لكن ذلك لا يكفينا سوءا لتأتي الجرذان أيضا مطالبة بحصتها".




الناشطة ماري في جمعية "آرمي دو سالوت" التي تنظم توزيع وجبات طعام مجانية بشكل شبه يومي على المهاجرين، تحذّر من سوء الوضع وتقول لمهاجر نيوز "منذ 4 سنوات، ولم نر هذا العدد من الأشخاص الذين يعيشون في مخيمات شمال العاصمة في مثل هذا الوقت من العام"، فتجاوز عدد المهاجرين في مخيمات "لا شابيل" ومحيطه الـ2000 شخص.

الصراع من أجل الحياة

أمضى ماجد سبعة أعوام في النروج قبل أن يحصل على قرار ترحيل، فقرر الهرب من جديد إلى فرنسا "كانت رغبتي الوحيدة هي إكمال دراستي، فكان عمري 16 عاما حين وصلت إلى اليونان، بقيت هناك ثلاثة أعوام وبعدها بدأت إجراءات طلب اللجوء في النروج، لكني أهدرت سبعة أعوام من حياتي دون أن أتمكن حتى من دخول أي مدرسة رسمية في النروج".

الأربعيني يوسف الذي يشارك ماجد خيمته، والذي أمضى 22 عاما في النروج دون التمكن من الحصول على حق اللجوء، يشعر بأنه معزول عما يدور من حوله في باريس "نشعر بالخوف هنا، لا نستطيع ترك الخيمة لوقت طويل لأن السرقة أضحت أمرا اعتياديا هنا"، وبالتالي يمضي الشابان أيامهما يبحثان عن احتياجاتهما الأساسية من طعام وماء وأماكن استحمام، دون أن تكون لهما حتى القدرة على الذهاب لتفقد نشاطات الجمعيات التي تقدم الدعم لطالبي اللجوء، خوفا من أن تتعرض خيمتهما للسرقة.

واستقر الشابان في هذا المخيم الذي يأوي مئات المهاجرين المنحدرين من الصومال وأريتريا بشكل رئيسي، ولا يخلو أيضا من وجود بعض العائلات والأطفال الصغار.

القاطنون في هذه المخيمات ليسوا فقط طالبي لجوء أو أشخاصا ليست لديهم أوراق رسمية، فهناك الكثير من اللاجئين الذين يحملون أوراقا رسمية لكن في ظل غياب وجود حلول للسكن، يجد اللاجئون أنفسهم مشردين في الشوارع. وتقول الناشطة لولا من جمعية "يوتوبيا 56" إن "الشعور بالإحباط يسيطر على معظم المهاجرين وحتى اللاجئين، فمنذ أسبوع جاءني أحد اللاجئين ووضع بطاقة إقامته على رأسه قائلا: انظري إن البطاقة لا تحميني من التشرد، لربما من الأفضل أن أجلس هنا وأراقب الجرذان".

بيير هنري رئيس "فرنسا أرض اللجوء"، أكبر المنظمات المعنية بحقوق اللاجئين، يحذر من تدهور الأوضاع وأكد لمهاجر نيوز "لقد نبّهت السلطات حول تدهور الوضع في شمال باريس. وكل يوم يمضي، أعتقد أن معجزة ما تحصل ففي كل صباح أشعر بالامتنان لعدم وقوع مشكلة خطيرة".


الناس يعيشون بين الوحل والبراز والبول...هذا ليس طبيعيا

الوضع أصبح "دراماتيكي"، بحسب وصف هنري، "الناس يعيشون بين الوحل والبراز والبول...هذا ليس طبيعيا!".تحاول الجمعيات المحلية تقديم بعض المساعدة لتنظيف تلك التجمعات العشوائية، وتدخل الناشطة لولا من جمعية "يوتوبيا 56" إلى أحد المخيمات لتخبر القاطنين بأنها ستأتي برفقة أشخاص آخرين من أجل تنظيف المكان.

تجمع المدمنين على المخدرات شمال باريس/مهاجرنيوز

يبدو يوسف سعيدا لهذا الخبر، "نحن نحتاج لمساعدة في التنظيف، وعدا عن القمامة والجرذان الميتة، هناك بعض الأبر الفارغة المرمية على الأرض التي يستخدمها المدمنون على المخدرات ويقومون برميها عند المرور في مخيماتنا".

فإلى جانب هذه المخيمات العشوائية يوجد تجمع لمدمني المخدرات الذين يشكّلون خطرا على حياة المهاجرين وخاصة القاصرين منهم.

وتقع جميع هذه المخيمات العشوائية على أطراف الطرقات السريعة التي تعج بالسيارات، والأمر الذي ينذر بالخطورة أيضا، هو وجود عشرات المهاجرين الذين وضعوا خيامهم على منصّف طريق سريع يعلو نحو ستة أمتار وتحيط به السيارات المسرعة من كل الجهات، الأمر الذي ينتج عنه وقوع الكثير من الحوادث، فالأسبوع الماضي سقط أحد المهاجرين على الأرض وصدمته سيارة، وتم نقله إلى المشفى على الفور.

مخيم للمهاجرين بين الطرق السريعة بالقرب من بورت دوبرفيلييه شمال باريس. المصدر: مهاجرنيوز

آثار خدوش الجرذان واضحة على أجساد بعض الأشخاص

بما أن هذا العدد الكبير من الأشخاص يعيش في تلك المخيمات العشوائية، فالعواقب كثيرة وخطيرة، ففي المخيم المقابل لماجد ويوسف، يعيش نحو 700 مهاجر من جنسيات مختلفة في ظروف ليست أقل بؤسا من المخيمات المجاورة.

بين أكوام القمامة والرائحة الكريهة المنبعثة من الحمامات العامة التي وضعتها البلدية، يعيش الشاب الأفغاني أحمد في هذا "الجحيم"، بحسب وصفه، فهو يعاني من صعوبة بالتنفس ولديه مشاكل صحية في الكبد.

يحاول أحمد عندما تسمح له صحته بذلك، فهم الإجراءات الإدارية المعقدة الذي يتوجب عليه خوضها من أجل إنهاء تشرده والحصول على حق اللجوء.

يقترب الشاب العشريني من أحد المتطوعين الذين يوزعون وجبات الطعام قرب "بورت دو لا شابيل" كل صباح، ويمسك بيده ورقة غير قادر على فهم فحواها، تساعده إحدى المتطوعات وتشرح له بأن موعده في محكمة الاستئناف لنقض قرار رفض اللجوء يقترب وعليه الحصول على مساعدة قانونية.

ولا تكاد المتطوعة تنتهي من حديثها مع أحمد، حتى تتوالى الأسئلة من المهاجرين الذين يبدون تائهين بين حياة التشرد ومتابعة الإجراءات الورقية المعقدة.

بعيدا عن ذلك الروتين الصباحي وأجواء التضامن والمساعدة التي تقدمها الجمعيات، يعيش المهاجرون في خيمهم واقعا مختلفا أثناء الليل يشوبه الخوف على حياتهم في ظل وجود تجمع للمدمنين على المخدرات وشبكات "مافيا" تحاول الإيقاع بالمهاجرين اليافعين الذين يشعرون باليأس.

الناشطة لولا تعمل ضمن جمعية "يوتوبيا 56"، منذ نحو ثمانية أشهر بشكل شبه يومي في مخيمات المهاجرين وتؤكد أن الظروف في غاية السوء "يصل الناس بخدوش الفئران على وجوههم. توجد جبال من النفايات الناجمة عن ازدياد عدد القاطنين في المخيمات. المراحيض العامة قذرة وغير صالحة للاستعمال".

ومن خلال عمل الناشطة لولا مع المهاجرين، تؤكد أن الوضع يزداد سوءا خاصة من الناحية النفسية "الكثير من الأشخاص هنا، مضى على وجودهم بضعة أشهر وأصبحوا على دراية بأنه أثناء عمليات الإجلاء التي تقوم بها السلطات لن تتحسن الأمور، فهم فقدوا الثقة".

منظمة "أطباء بلا حدود" تبدي قلقها أيضا من تردّي الأوضاع المعيشية، وتدهور الحالة الصحية للمهاجرين، فالأمراض المنتشرة حاليا تتمثل بالمشاكل الجلدية والهضمية إلا أنه مع اقتراب الشتاء وانخفاض درجات الحرارة، قد تزداد نسبة الأمراض. كما أنه من الممكن أن يتلقط الأشخاص الكثير من الأمراض التي تنقلها الجرذان.

 

للمزيد