يعاني نصف اللاجئين والمهاجرين تقريباً في ألمانيا من أعراض صدمة نفسية. COPYRIGHT: picture-alliance/dpa/N. Armer
يعاني نصف اللاجئين والمهاجرين تقريباً في ألمانيا من أعراض صدمة نفسية. COPYRIGHT: picture-alliance/dpa/N. Armer

بعد وصولهم لوجهتهم والتخلص من الخطر والخوف، يدخل معظم المهاجرين في دائرة من الشك وتأنيب الذات تجاه عائلاتهم التي تركوها في مناطق الصراع، وتجاه اوطانهم ومجتمعاتهم التي هاجروا منها. فما أسباب هذه الحالة؟ وما أعراضها؟ وكيف يمكن تجاوزها؟

يمر المهاجرون بحالات نفسية مختلفة، كل حسب الظروف التي عايشها في البلد الذي جاء منه وطبيعة الصراع فيه، يضاف إلى ذلك الصعوبات والمآسي التي يشهدونها على طريق الهجرة باتجاه البلد الذي ينوون الوصول إليه. لكن، وفقا للدكتور نظير حمد، وهو طبيب نفسي مقيم في باريس، تؤثر الدول وقوانينها على اللاجئين، وغالباً ما تسبب إجراءات طلب اللجوء وما تتطلبه من وقت وجهد ببعض الصدمات النفسية التي قد تستمر لفترة طويلة. 

مراحل تطور الحالة النفسية للمهاجرين

يقسّم الدكتور حمد المراحل التي يمر بها المهاجرون بعد وصولهم لوجهتهم إلى ثلاث، "يشعر المهاجرون عند وصولهم لبر الأمان بالنجاة والخلاص، لكن سرعان ما يفاجؤوا بأن المجتمعات التي تستقبلهم تنتظر منهم أن يندمجوا فيها وأن يطوروا ذاتهم، فتبدأ تراودهم الكثير من الأسئلة حول الخطوة التي اتخذوها وإن كانت صحيحة أم لا، قد تستمر هذه الحالة لفترة طويلة تتخللها نوبات من تأنيب الضمير وندب الحظ. قبل أن يصلوا للمرحلة الثالثة والأخيرة، التي يجد فيها اللاجئ دوره في مجتمعه الجديد."

يرى الدكتور حمد، صاحب كتاب "Psychologie de l'Immigration" الصادر باللغة الفرنسية حول الحالة النفسية للمهاجرين، أن تأنيب الضمير الذي يشعر به المهاجر بعد استقراره يكون لعدة أسباب، غالباً ما تكون متصلة بعقدة ذنب تجاه من تركهم خلفه، "الأهل أو الزوجة والأبناء، الأصدقاء والزملاء، جميعهم يشكلون هاجساً لدى اللاجئ، فيبدأ بطرح أسئلة تدينه كشخص لم يحمي أحبائه وتركهم للخطر."

من جانب آخر، يبدأ اللاجئ بسؤال نفسه عن واجبه تجاه بلده ومجتمعه. يقول الدكتور حمد إن كثيراً من اللاجئين الذين يقابلهم أثناء عمله يشعرون بالذنب تجاه أوطانهم ومجتمعاتهم، متسائلين عما كانوا سيقدمونه في حال بقائهم فيها. منوهاً إلى أنها تساؤلات عاطفية خالية من الموضوعية. وحتى عند محاولتهم التغلب على هذه الأفكار، يبرر اللاجئون لأنفسهم ما فعلوه، أي الهجرة وطلب اللجوء، بأنهم قد أنقذوا أنفسهم وهذا الأهم، دون مواجهة مخاوفهم بشكل مباشر.  

وأضاف الدكتور حمد أن بعض اللاجئين، وبعد قبول طلبات لجوئهم، يبدؤون بالتفكير بالتفاصيل التي ذكروها في طلبات اللجوء المقدمة للسلطات الأوروبية. "لا شك أنها تجربة صعبة، ليس من السهل أن يكتب المهاجر قصته ويحاول فيها تبرير خروجه من بلده. بغض النظر إن كانت التفاصيل المذكورة صحيحة أم لا، ليس من السهل أن تشرح مخاوفك وأن تحاول إثبات أنك سيتم قتلك في بلدك."

ومن الجدير بالذكر، أن معظم الحالات التي يقابلها الدكتور حمد ممن يمرون في حالة "تأنيب الضمير"، يعانون من "الشكوى الدائمة" على حد تعبيره، "يذهبون للأطباء بشكل دائم، ويشكون من آلام موضعية دون إيجاد علاج لها. في الحقيقة، حالتهم النفسية والشعور الدائم بتأنيب الضمير يشعرهم بالمرض والألم."

"لن أعود إلى وطني، هذا سبب كافٍ للشعور بتأنيب الضمير"

تقول ولاء*، وهي فتاة فلسطينية من قطاع غزة طلبت اللجوء في فرنسا، إنها تشعر بالحزن الشديد لأنها أجبرت على اتخاذ قرار اللجوء، فقد خرجت من غزة قبل ثلاثة أعوام لدراسة إدارة الأعمال في إحدى جامعات باريس على أمل العودة والعمل في غزة. لكن الوضع المتأزم هناك دفعها للبقاء في فرنسا. "كان عليّ الاختيار بين العودة إلى غزة والمخاطرة بان أعيش مقيدة بقية حياتي بسبب المجتمع وعاداته والحصار المفروض على غزة، أو أن أبقى في فرنسا وأفقد حقي بزيارة وطني ورؤية عائلتي. اخترت أن أبقى هنا في فرنسا وأن أحافظ على الحد الأدنى من الحرية، حزينة لأنني لن أرى عائلتي في المستقبل القريب، ناهيك عن الشعور القاسي بأنني قد تخليت عن هويتي وكياني بتسليمي كل أوراقي الثبوتية كفلسطينية."

حال ولاء لا يختلف كثيراً عن صديقتها ديما*، والتي نالت اللجوء في بلجيكا. تقول ديما إنه "ليس من السهل أن نهرب من وطننا، وأن يكون السبب هو الوضع المتأزم بسبب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وتأثيره على مجتمعنا وعاداته. نتواصل مع عائلاتنا ونحن بعيدون وعاجزون عن مساعدتهم في واقع صعب كالذي تعيشه غزة. وهم بدورهم قلقون علينا في هذه الحياة الجديدة المليئة بالبيروقراطية وبالتحديات. لا أعرف كيف سنتجاوز هذا الشعور المتواصل بالعجز والوحدة."  

"كنت مجبراً على المغادرة، وشعوري بالأمان كان مقترناً بعائلتي"

أما رضا*، وهو شاب سوري مقيم في باريس، فقد خرج من سوريا للأردن ثم إلى فرنسا في عام 2012 بعد أن تم استدعاؤه للخدمة العسكرية في الجيش السوري. "عند وصولي إلى الأردن شعرت بالأمان لابتعادي عن الحرب، لكني سرعان ما بدأت بتأنيب نفسي، فعائلتي وأصدقائي كانوا يعانون من الحرب والقصف، كيف أشعر بالأمان وهم في خطر دائم؟ في ذات الوقت، لم أكن قادراً على فعل أي شيء. حتى في حال بقائي في سوريا، كنت سأجبر على الالتحاق إما بالجيش السوري، او بإحدى الجهات المعارضة، والخياران خطيران."

"ما ذنب ابني ليعيش دون وطن وعائلة كبيرة؟"

يعيش الزوجان الجزائريان، أحمد* ووفاء*، برفقة ابنهما خالد* ذي العامين، في مخيم عشوائي في شمال العاصمة الفرنسية باريس. وكان الزوجان قد تركا الجزائر قبل ثلاثة أعوام بعد أن تلقيا تهديدات من عائلتيهما بسبب علاقتهما التي سبقت إعلان زواجهما. تقول وفاء "لم نجد خياراً سوى الهرب، كنت حاملاً بخالد، وبدأت عائلتينا بالتهجم علينا".

"لطالما حلمنا بأن نبني أسرتنا في الجزائر، وأن يكبر أبناؤنا بين أعمامهم وأخوالهم. أما الآن، فنحن نفترش الأرض، نعيش في ظروف صعبة، ونشعر بخيبة الأمل تجاه كل ما مررنا فيه."

أكد أحمد على أنه وزوجته يحاولان جاهداً التواصل مع عائلتيهما، وأشار إلى أنهما استطاعا التحدث مع والديهم الذين سامحوهم على حد قوله. "يريدون رؤية خالد، فهو حفيدهم، ومن حقه أن يكبر ويتعلم في بلده، خاصة وأنه لم يرتكب أي خطأ. نفكر كثيراً بالقرار الذي اتخذناه ونشعر أحياناً بتأنيب الضمير خاصة تجاه خالد وعائلتينا، ولكن الأوان قد فات. نحن هنا ويجب أن نتعامل مع هذه الظروف ونتخطاها على أمل اللقاء بهم."  

"علينا أن نواجه هذه التساؤلات بموضوعية"

من وجهة نظره، يعتقد الدكتور نظير حمد أن الحل بيد اللاجئين أنفسهم وأن عليهم "مواجهة أفكارهم السلبية بموضوعية".

"أغلب التساؤلات التي تشعر اللاجئين بتأنيب الضمير لا إجابة لها، لذلك عليهم أن يواجهوا هذه الحقيقة. فهل كانوا قادرين فعلياً على تغيير الوضع بشكل كامل في بلدهم؟ بالتأكيد لا. وهل كان بإمكانهم إنقاذ كل عائلاتهم؟ لا. الواقعية والموضوعية هي الخطوة الأولى لطي صفحة الشك، وللاندماج بالمجتمع الجديد على أمل اللقاء بعائلاتهم وأحبتهم في واقع أفضل."

أنهى الدكتور حمد حديثه بالتأكيد على أن المهاجرين القادمين من مناطق الصراع لديهم حلم ورغبة كبيرة بتحسين ظروف حياتهم، مشيراً إلى أن الدافع الأساسي للمخاطرة بحياتهم هو "عدم شعورهم بإنسانيتهم في بلدانهم"، وهذا سبب كافٍ لاستيعاب حالتهم النفسية، ودعمهم على تخطي أي مصاعب تواجههم.

 

للمزيد