مصدر الصورة: موقع أنسبلاش،غوغل
مصدر الصورة: موقع أنسبلاش،غوغل

عبد الكريم، صومالي وصل منذ ثلاثة أشهر إلى فرنسا، روى لمهاجر نيوز حكاية وصوله والتقائه بحبيبته فردوس في مستودع تحت الأرض في ليبيا بعد أن خطفهما مهربون.

قصتي بالعموم بدأت في الصومال بعد أن قتلت حركة الشباب والدي وشقيقَيّ واختطفت أختي. أمي، طلبت مني بعدها الذهاب إلى مكان آمن، وقررت حينها التوجه إلى أوروبا. ولكن قصتي مع فردوس بدأت من اللحظة التي دخلت فيها ليبيا.

بداية اللقاء

اسمي عبد الكريم، أبلغ 24 عاماً، قدمت من الصومال إلى ليبيا. كنت دائم الالتزام بتعليمات المهربين، ولكن مذ دخلت عن طريق السودان، إلى مدينة الكُفرة في ليبيا، تم اقتيادي مع آخرين إلى قرية تزوربا. وضعت في مخزن في القرية، تحت الأرض. كنا ثلاثة، فردوس كانت بيننا. لم أدرك كم من الوقت سنقبع داخل المخزن، لم أتكلم مع أحد حينها. شيئاً فشيئاً بات عددنا يكبر حتى غدونا أكثر من 120 شخصاً داخل المخزن.

لا نور، ولا هواء. لم نكن نعلم عن العالم العلوي إلا أن ثلاثة مهربين يأتوننا منه، يضربون بعضاً منّا، يغتصبون نساء ويتطاولون على الجميع وينتهون بتوزيع وجبة طعام "معكرونة وماء" لم تتغير طوال ستة أشهر، ولا حتى بعد أن مات أكثر من 20 شخصاً.

كنا نعتاد على الحياة السفلية المهينة، كنا سجناء مختلفين. لكل منا قصة وأسلوب حياة وسبب ودافع، لكن مع ذلك كنا ضعفاء عدى فردوس. لم يتمكن أحد من الاقتراب منها. كانت تحمل أملاً ما يحاول الجميع معرفة سره. كانت تصلي دائماً، وتصوم وترحم الآخرين، حتى السماسرة حينما يدخلون لا يقتربون منها. في الشهر الأول أعجبتني طاقتها في المكان البائس، حاولت التعرف عليها ومحادثتها، كنت أحادث الحزانى، والفرحين واللامباليين وأحادثها.

كانت مختلفة عن الجميع، شعرت معها بالطمأنينة الخالصة. كانت تحكي لي عن الأحلام، واقتربنا من بعضنا، وروت لي ما الذي سنصنعه حينما نخرج. كانت متأكدة من الخروج والخلاص. كانت تجذبني إلى عالمها فأصدق ما تقوله، إلى أن جاء يوم أخبرتها عن نيتي الزواج بها، أريد أن نبقى سوياً مدى الحياة. كنا مختطفين داخل مستودع في ليبيا، هناك قررت طلبها للزواج.

كان علينا أولاً إيجاد طريقة شرعية للزواج، وثانياً محاولة الاتصال بالصومال، هناك أمها، الفرد الوحيد المتبقي من عائلتها.

استطعنا تدبر هاتف والاتصال بأمها، تلقينا المساعدة وبات الكل مشغول بنا وكأننا أمل الجميع، في النهاية وبعد تشويش الخط وصعوبة القول وأيام من المحاولة، علمت أمها بالأمر وباركت لنا. بعدها، كان لا بد من المهمة الأكبر، عملية البحث "داخل العالم السفلي" عن أحد بإمكانه تزويجنا.

زواج غير تقليدي

شعرت فجأة أنني في عالم آخر. انتقلت معها لشيء أبعد بكثير عن الواقع الذي كنا نعيشه كلنا سوياً. كنا فعلاً نبحث عن أحد يزوجنا لنضمن مستقبلنا سوياً، مع العلم أننا لم نمتلك أدنى فكرة، كيف ومتى سنخرج. وجدنا في عالمنا السفلي رجل من الصومال، مهاجر مثلنا، إلا أنه شيخ. سارعت بطلب الأمر منه ووافق ونظمنا زواجاً شرعياً لربما هو الأول من نوعه في ذاك المكان. تزوجت انا وفردوس وبتنا سوياً وقطعنا عهدا على أنفسنا بذلك.

بقينا نعيش على الحلم، نقتات على أمل الخروج وما الذي سنحققه فيما بعد، هي تحب أن تكون ممرضة وانا أحب إكمال دراستي في هندسة المعلوماتية. تحدثنا عن مستقبلنا، عن منزلنا، عن الأولاد، عن كل ما يمكن تخيله هناك في الأسفل. لا داع لدخول الشمس، كنا نراها، أنا وهي فقط.

" كنت آمل أنها لم تمت"

بعد مرور شهرين على زواجنا، عرفنا أن المهربين اختلفوا، وسيتم اقتلاع جزء منا وأخذهم إلى مكان آخر. أنا بطبيعتي أكره الظلم، ضد أي إنسان، وكنت كثير التدخل فيما اعتبره المهربون ليس من شأني. إثر الخلاف بينهم، دخلوا كعادتهم، ضربوا بعضاً من الشباب وكنت من بينهم. ضربت بالحديد وخارت قواي ولم أكن أتمكن حتى من الكلام. فردوس كانت من بين المجموعة التي اقتيدت في أربع سيارات إلى وجهة مجهولة. لم أتمكن من دفع أحد. وأعتقد أنه تم بيعنا للمرة الثانية.

بعد عشرة أيام استطعت الكلام واستعادة عافيتي، ما كنت أدركه هو فكرة واحدة فقط لا غير، تجلس داخل مخزن رأسي، وتأكلني. لا بد من طريقة للخروج. قلت لمن معي إما أن نعيش بكرامة أو نبقى هنا ندافع عن حقنا في الحياة. علمت أنه قرار واحد، وكان لا بد أن أبحث عن فردوس. كنت آمل أنها لم تمت.

اتفق الكثيرون منا على الهرب، الخطة كانت بسيطة، ومخيفة ... ما إن يدخل المهربون الثلاثة أو الأربعة حتى ننهال عليهم بالضرب ونهرب، عددنا أكبر من عددهم على كل حال، من معي؟ سألتهم. وافق مئة شخص، وفعلاً هذا ما حصل.

أذكر الذهول يأكل وجه الناظرين إلينا. جمهرة من الأموات خرجوا من اللامكان. يمشون في القرية الصغيرة متجهين إلى المسجد، كنا نحج باتجاه المسجد فهناك الخلاص، خلاصنا.

ساعدنا السكان والجيش والجميع ووصلنا جميعاً بالطائرة إلى طرابلس. اتجهنا إلى مركز المفوضية السامية لشؤون اللاجئين هناك ليتم تسجيلنا كلاجئين. كنت أمشي باتجاه المبنى وأعتقد أنه كان بجانبه مكان لحجز النساء.

لقاء للمرة الاولى في وضح النهار

كانت جالسة تنظر وكأنها تعلم أني لا بد قادم، سرعت في مشيي ومن ثم ركضت باتجاهها، وحضنتها، وجدت فردوس.

قالت لي إن مشكلة أخرى حصلت أثناء اختطافهم، وتمكنوا من الهرب، واستطاعوا أيضاً الوصول إلى طرابلس وسجلت كلاجئة وأخبرتهم أنني مفقود.

بقينا في ليبيا في الاحتجاز لمدة من الوقت، أراها يومين بالأسبوع فهي أيضاً كانت محتجزة، ولكن كانت الأمور على ما يرام، أي شيء أفضل مما كنا فيه. تم بعدها نقلنا سويا كعائلة إلى مركز عبور في النيجر، ومن هناك إلى فرنسا.

مضى على وجودنا هنا قرابة ثلاثة أشهر، حياتنا جيدة فأحلامنا لاتزال في صباها وسنحققها سوياً، وسنرزق بطفلنا الأول بعد فترة، فزوجتي حامل.

 

للمزيد