عناصر من قوات الدعم السريع السودانية المعروفة باسم الجنجاويد، يقفون أمام سياراتهم العسكرية خلال عملية توقيف مهاجرين كانوا يحاولون عبور الحدود بشكل غير شرعي باتجاه ليبيا. رويترز، 25 أيلول/سبتمبر 2019.
عناصر من قوات الدعم السريع السودانية المعروفة باسم الجنجاويد، يقفون أمام سياراتهم العسكرية خلال عملية توقيف مهاجرين كانوا يحاولون عبور الحدود بشكل غير شرعي باتجاه ليبيا. رويترز، 25 أيلول/سبتمبر 2019.

أعلنت قوات الدعم السريع السودانية، المعروفة بالجنجاويد، ضبط عصابة لتهريب المهاجرين والإتجار بهم، مؤلفة من سودانيين وليبيين. كما أعلنت عن توقيف 120 مهاجرا كانوا يحاولون الدخول إلى ليبيا بشكل غير نظامي. من هي تلك القوات المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان؟ وإلى أي مدى تعتمد عليها الحكومة السودانية لكبح تدفق المهاجرين عبر أراضيها؟

أصدرت قوات الدعم السريع السودانية، المعروفة باسم ميليشيات الجنجاويد، بيانا الأربعاء أعلنت فيه القبض على 13 شخصا من عصابات التهريب والإتجار بالبشر، وتوقيف 120 مهاجرا غير نظامي على الحدود مع ليبيا.

ووفقا للبيان "قامت قوات الدعم السريع على الحدود السودانية الليبية بعملية نوعية تمكنت خلالها من القبض على 18 مركبة ذات دفع رباعي تقوم بتهريب الضحايا إلى ليبيا".

وأوضح البيان أنه تم إيقاف 120 مهاجرا غير نظامي على الحدود مع ليبيا، من بينهم 54 سودانيا و36 إثيوبيا و6 تشاديين و24 ليبيا.

وأشار إلى أنه تم القبض على 13 مهربا، بينهم خمسة ليبيين وثمانية سودانيين، ممن ينشطون في التهريب والإتجار بالبشر. كما قامت القوات بفك أسر تسعة سودانيين كانوا رهائن عند تجار بشر.

ويحتجز مهربو البشر أحيانا المهاجرين غير النظاميين بالسودان طلبا لفدية مالية، فتتحول الجريمة من تهريب بشر إلى إتجار بهم.

وكانت قوات الدعم السريع قد اصطحبت الأربعاء صحافيين إلى منطقة قوز أبو ضلوع الصحراوية الواقعة على بعد حوالي 100 كلم شمال الخرطوم، حيث كان يتم احتجاز عدد من هؤلاء المهاجرين، بحسب ما نقل مراسل وكالة الأنباء الفرنسية.

السودان كلف ميليشيا الجنجويد بمراقبة الحدود

وتم خلال السنوات القليلة الماضية نشر عناصر من قوات الدعم السريع على طول الحدود مع ليبيا لمنع عبور المهاجرين خلسة، في خطوة عبرت الكثير من المنظمات الحقوقية الدولية عن قلقها تجاهها، خاصة وأنه سبق أن اتهمت هذه القوات بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان في إقليم دارفور غرب السودان.

منظمة "هيومن رايتس ووتش" حذرت خلال عدد من بياناتها من خطورة الاعتماد على مثل تلك القوات لضبط الحدود ومنع عمليات الهجرة غير الشرعية. المنظمة تحدثت في تلك البيانات والتقارير عن الانتهاكات التي يتعرض لها اللاجئون والمهاجرون ممن يتم ضبطهم أثناء محاولتهم التسلل عبر الحدود للتوجه إلى ليبيا ومنها إلى أوروبا. وأكدت المنظمة الحقوقية مرارا أن ما من مؤسسة أو منظمة دولية أو أممية قادرة على مواكبة أوضاع هؤلاء اللاجئين، سواء أثناء اعتقالهم في السودان أم عند إعادتهم إلى بلدانهم.

وعبرت رايتس ووتش، كما عدد من المنظمات الحقوقية الدولية، عن قلقها من طريقة استخدام السلطات السودانية للتمويل الممنوح لها من الاتحاد الأوروبي لصالح ضبط حدودها مع دول الجوار وتحسين شروط وظروف اللاجئين على أراضيها، حيث ما من إمكانية لمراقبة الطرق التي تتم فيها استخدام تلك الأموال.

وإثر اتفاق بين الاتحاد الأوروبي والحكومة السودانية يهدف لوقف تدفق المهاجرين القادمين عبر أراضيه باتجاه المتوسط، تم تحويل مبلغ 215 مليون يورو العام الماضي لحكومة السودان من أجل أن تمارس رقابة أفضل على حدودها، إضافة إلى إقامة مخيمات لهؤلاء المهاجرين على أراضيها. وصرحت الحكومة السودانية حينه بأنها تستعين بإحدى الميليشيات المقربة منها لضبط حدودها مع الدول المجاورة.

الاتحاد الأوروبي يوقف تمويل "مشاريع الهجرة" في السودان

جيروم توبيان، خبير متخصص بشؤون السودان، قال لمهاجر نيوز إنه "منذ 2016، بدأ الاتحاد الأوروبي سلسلة محادثات مع السودان تهدف إلى تمويل مشاريع للحد من تدفقات الهجرة عبر حدوده. حينها، قامت السلطات السودانية بنشر ميليشيا الجنجاويد، أو قوات الدعم السريع على الحدود".

وأضاف "تلك القوات شبه العسكرية مارست انتهاكات جسيمة ضد حقوق المدنيين في مناطق النزاعات التي كانت جزءا منها... ومنذ انطلاق المحادثات الأوروبية السودانية، تفاخر هؤلاء بالقبض على عشرات الآلاف من المهاجرين... نحن نعتقد أنهم بسيطرتهم على الحدود باتوا يلعبون دورا مزدوجا، فمن جهة باتوا يبيعون المهاجرين للتجار الليبيين، ومن جهة أخرى أظهروا لأوروبا بأنهم عامل فعال في السيطرة على تدفقات المهاجرين".

للمزيد: هل تساهم سياسة أوروبا في النيجر والسودان بتعريض المهاجرين للخطر؟

ونوه توبيان إلى أن تغير الأوضاع السياسية في السودان، جاء بمحمد حمدان دقلوا، العسكري السوداني المعروف باسم حميدتي، وهو قائد قوات الدعم السريع، ليحتل منصب الرجل الثاني في الدولة الآن، إن لم يكن الأول. ونتيجة لهذا التحول وما رافق صورة هذا الرجل من خروقات لحقوق الإنسان، بات الاتحاد الأوروبي خائفا من التعاون مع السودان نظرا لما قد يلحقه ذلك من ضرر بصورته...

"قوات الدعم السريع تحاول إخبار أوروبا بأنها إذا أرادت وقف تدفق المهاجرين، فعليها الاعتماد عليهم. حميدتي يتعرض لضغوط داخلية كبيرة، لذا هو بحاجة لدعم سياسي خارجي. هو يحاول أن يظهر لأوروبا بأنه مفيد لها، ما سيسمح له بالاحتفاظ بمكاسبه وتوسيع صلاحياته. وهو يريد تحقيق ذلك من خلال ملف الهجرة".

ويختم توبيان بأن "الاتحاد الأوروبي لم يصدر بيانا واضحا حول أسباب وقف تمويله للحكومة السودانية".

هل قامت الحكومة السودانية باستخدام الأموال الأوروبية لتمويل ميليشيات مقربة منها؟

اتهم تقرير صادر عن مؤسسة الأبحاث الهولندية هاينريش هاين، نشر أواخر العام الماضي، الاتحاد الأوروبي باتباع سياسة خطيرة، المستفيد الرئيسي منها مهربو البشر والسلطات الفاسدة.

وعبّر التقرير عن استيائه من تكليف سلطات الخرطوم مراقبة الحدود "قوات الدعم السريع"، المشكّلة من ميليشيا الجنجاويد، وهي مجموعة شبه عسكرية متورطة في جرائم حرب أثناء نزاع دارفور.

وكان الرئيس السوداني السابق عمر البشير قد أوكل مهمة مراقبة حركة الهجرة عبر الحدود إلى الجنجاويد، لضمان دعمهم وولائهم.

ويقول التقرير إنه بدعم مالي من الاتحاد الأوروبي، "تم تجهيزهم وتمويلهم (الجنجاويد) بشكل أفضل، ونشرهم ليس فقط في دارفور، بل في جميع أنحاء السودان"، مشددا على أن تفويض أمن الحدود لمليشيا مرتبطة بانتهاكات خطيرة "له عواقب وخيمة".

الجنجاويد باتوا مهربين

ووفقا لعدد من الشهادات التي جمعها مهاجر نيوز من مهاجرين مروا من مناطق تخضع لسيطرة الجنجاويد في السودان، فإن تلك الميليشيا فرضت الضرائب عليهم، "المسلحون هم أنفسهم مهربون (حسب شهادة محمد، وهو مهاجر صومالي موجود الآن في ليبيا)، يستخدمون سيارات الجيش السوداني لتهريب المهاجرين...".

تقرير المنظمة الهولندية جاء على ذكر وقائع تحقيق حصل مع أحد أعضاء الجنجاويد في نيوزيلندا قبيل طلبه اللجوء، حيث أقر بالدور النشط للميليشيا في تهريب المهاجرين، ويقول "من حين لآخر، نقوم باعتراض قوافل المهاجرين وننقلهم إلى الخرطوم لنظهر للسلطات أننا نقوم بعملنا... لا يفترض بنا أن نأخذ أموالا من المهاجرين، أو أن نسمح لهم بالهرب أو بأخذهم إلى ليبيا... لكن الحقيقة مختلفة تماما...".

ويكافح السودان ظاهرة الإتجار بالبشر، التي تضاعفت معدلاتها في السنوات الأخيرة على حدوده الشرقية مع إثيوبيا وإريتريا، وكذلك حدوده الشمالية الغربية مع ليبيا.

وللحد من الظاهرة صادق البرلمان السوداني مطلع 2014 على قانون لمكافحة الإتجار بالبشر، تراوحت عقوباته ما بين الإعدام والسجن من خمسة إلى 20 عاما.

ويعتبر السودان مصدرا ومعبرا لمهاجرين غير نظاميين، أغلبهم من دول شرق القارة الأفريقية.

 

للمزيد