© InfoMigrants
© InfoMigrants

بعد تفجيرات باريس، كثفت الدول الأوروبية من إجراءاتها الأمنية، لكن السؤال الذي لا يلقى الاهتمام الكافي هو لماذا ينساق بعضهم للعنف؟ من هذا المنطلق تسعى مبادرة "التحول 180 درجة" إلى حماية الشباب من الوقوع في فخ الإرهاب.

بعد تفجيرات باريس، كثفت الدول الأوروبية من إجراءاتها الأمنية، وهو ما يحدث عادة بعد كل حادث إرهابي، وتخصص الدول مبالغ كبيرة من أجل تحقيق المزيد من الأمن، ولكن لايتم التركيز على الأسباب التي تستقطب شبابا ولدوا في أوروبا للقيام ب "أعمال جهادية"، والسؤال هو كيف يمكن حمايتهم من الوقوع في براثن الإرهاب. هذا السؤال شغل مجموعة من الشباب الألمان من ذوي الأصول العربية بعد حادث اعتداء سلفيين على رجال شرطة في مدينة بون الألمانية في مايو/آيار 2012. عندها قررت المجموعة ألا تقف مكتوفة الأيدي. ميمون باريسون، شاب من أصول مغربية، ولد في مدينة كولونيا، هو أحد هؤلاء الشباب.

أطلق ميمون مع مجموعة من أصدقائه مبادرة تحمل اسم "التحول 180 درجة"، وهي منظمة غير حكومية، هدفها الأساسي هو مساعدة الشباب ووقايتهم من الدخول في خط التطرف أو الجريمة كما يوضح باريسون في مقابلة مع DW: "وجدنا الكثير من الشباب من أصول عربية وتركية أضاعوا حياتهم وأضاعوا الكثير من الفرص، ودخلوا جماعات متطرفة أو عصابات الإتجار بالمخدرات، فقررنا أن نقوم بشيء من أجلهم.".

من الشباب وإلى الشباب

تقوم "مبادرة 180 درجة" بمساعدة الشباب أنفسهم، فهم يعتمدون على متطوعين من أصول عربية وتركية أو من خلفيات إسلامية مختلفة، ليكونوا أقرب للشباب المعنيين، ويحصلون على تدريبات خاصة بمساعدة الشباب الذين يعانون من مشكلات اجتماعية مختلفة. العاملون الأساسيون في المنظمة مؤهلون في مجالات متعددة مثل علم النفس والتربية والقانون. ميمون باريسون درس العلوم الاجتماعية في جامعة كولونيا، ويساعده ذلك في العمل في هذا المجال. كما تقوم المنظمة بالتعاون مع عدة جهات، مثل المدارس والمساجد والجميعات المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني والشرطة الألمانية. وتساعد هذه الجهات في المشاركة بإعطاء الخبرا© InfoMigrantsت التي يحتاجها المدربون للتعامل مع الشباب الذين دخلوا
عالم التطرف والجريمة، كما يوضح باريسون: "بالطبع هناك بعض المخاطر التي قد تواجهنا، لكن هذه التدريبات تساعد على تعلم كيفية التعامل مع الأمر. والشرطة لديها مثلاً برامج لتدريب من يتعاملون مع شبكات الاتجار بالمخدرات ويعرفون كيفية التعامل معهم وما الذي يجب مراعاته، وكيف نساعد دون تعريض أنفسنا للخطر، ويقدمون لنا تلك الخبرات. وفي نهاية الأمر فهناك مخاطر في هذا العمل، لكن هذا هو أقل ثمن علينا دفعه لنعيش في مدينتنا آمنين".

ميمون باريسون مدير المبادرة

تبحث المبادرة عن شباب مندمج من أصول مهاجرة، يجيد لغته الأم، ويعرف ثقافته جيداً، ليكون قريباً من الشباب الذين يتحدث معهم. ويعمل الشباب المشاركين بشكل تطوعي بعد الحصول على تدريب مكثف لمدة سنة كاملة. منذ 2012 وحتى الآن، أصبح لديهم 18 مدرباً، بالإضافة إلى أكثر من 134 شخص مساعد، ممن يتواجدون مع الشباب في أماكن مختلفة مثل المدارس والمساجد والجميعات المختلفة، أو يساعدون على اكتشاف الحالات والتواصل مع أفرادها.

يبدأ العمل عندما يلاحظ أحد الشباب أو الأهل حدوث تغييرلدى أحد معارفهم، فيلاحظون أنه أصبح أكثر تشدداً، أو أكثر عدوانية نتيجة مش
اكل يواجهها، أو نتيجة تأثره بدعاية إعلامية للشبكات الإرهابية، وعندها يتم إبلاغ المنظمة، التي تسعى لمساعدة الشخص: "كثيراً ما تكون المشكلة نتيجة ظلم واجهه الشخص، أو بسبب إحباطات لم يستطع التعامل معها، ويكفي في هذه الحالة أن نوفر له فرصاً للعمل، أو نساعده في كتابة سيرته الذاتية عند التقدم لطلب العمل".

تقدير من المجتمع الألماني

د. فولفغانغ اولنبرغ فان داون، المتحدث عن الطاولة المستديرة للاندماج في مدينة كولونيا: الاستثمار في هذه المبادرات أكثر استدامة من زيادة الإجراءات الأمنية

حصلت هذه المبادرة على جوائز عديدة، منها جائزة من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ووزارة الداخلية الألمانية كما يتلقون مساعدة من وزارة الأسرة والشباب الألمانية، وهم يحصلون على مساندة كبيرة، مادية ومعنوية، سواء من الحكومة الألمانية أو من المؤسسات والمنظمات غير الحكومية. ويعتبر د. فولفغانغ اولنبرغ فان داون، المتحدث عن الطاولة المستديرة للاندماج في مدينة كولونيا أن "الاستثمار في مثل هذه المبادرات التي تساعد الشباب لتحقيق المزيد من الاندماج، أكثر فعالية واستمرارية واستدامة من صرف ملايين لتشديد الإجراءات الأمنية"، كما أبدى ماتياس فيرينغ، من شرطة مدينة كولونيا تقديره لهذا المشروع قائلاً: "هذا العمل التطوعي يدعم الشباب الذين يعانون من مشاكل في حياتهم ويتعرضون بذلك لخطر التوجه للتطرف. مساعدة هؤلاء المتطوعين وعملهم يساهم في بناء العملية الديمقراطية، رغم تعرض بعض ذوي الأصول المهاجرة للتمييز." ويحكي التلميذ ديميري فراكت تجربته مع المبادرة قائلا: "لم تساعدني تلك المبادرة في تغيير اتجاهي فقط ، لكن أيضاً في إيجاد أفق مستقبلي جديد، فقد ساعدتني نصائح المدربين لتجهيز سيرتي الذاتية والتقدم للتدريب مهني. والآن أشارك أيضاً في مساعدة آخرين من خلال هذا المشروع".

سمر كرم /كولونيا


لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه المواقع الأخرى DW




نص نشر على : Deutsche Welle

 

للمزيد