يشكل الأطفال أكثر من 40% من نسبة قاطني المخيم. وتعتبر هذه الفئة من أكثر المتضررين من الظروف القائمة في مخيم موريا حاليا.  مريا، ليسبوس، 3/10/2019. مهاجر نيوز
يشكل الأطفال أكثر من 40% من نسبة قاطني المخيم. وتعتبر هذه الفئة من أكثر المتضررين من الظروف القائمة في مخيم موريا حاليا. مريا، ليسبوس، 3/10/2019. مهاجر نيوز

مخيم موريا على جزيرة ليسبوس يعاني من الكثير من الإهمال وانعدام الخدمات الرئيسية فيه. عدد من الجمعيات والمنظمات الأهلية اليونانية والأوروبية تداعت لسد الحاجات المتنامية في المخيم، إلا أن ذلك مازال غير كاف في ظل سياسات لجوء وهجرة يونانية شديدة التعقيد وتفتقر للوضوح.

مع ارتفاع أعداد الوافدين حديثا على الجزر اليونانية، برزت مسألة الأوضاع المعيشية في مخيمات مثل مخيم موريا القائم على جزيرة ليسبوس في بحر إيجة. المخيم المقام على أرض قاعدة عسكرية قديمة يتسع بالأساس لثلاثة آلاف شخص، إلا أن الأعداد تضخمت فيه خلال الأشهر الثلاثة الماضية لتقارب 14 ألفا.

الأعداد الضخمة إضافة إلى تعقيدات نظام اللجوء في اليونان، خلقا ظروفا صعبة جدا في المخيم تمثلت بانعدام البنى التحتية وافتقار قاطنيه للرعاية الطبية الأساسية. ويضاف إلى هذا كله عدم توافر الاستشارات القانونية الضرورية لطالبي اللجوء في المخيم، ليتسنى لهم معرفة ما هي الخطوات القادمة التي سيكون عليهم اتباعها.

بنية تحتية معدومة

جولة بسيطة بين الخيام المتناثرة في القسم الرئيسي للمخيم تكشف انعدام أبسط مقومات البنى التحتية. فعلى سبيل المثال، ليس هناك إنارة ليلية، كما أن محيط الخيم ليس مجهزا لتصريف مياه الأمطار التي تتساقط بغزارة في تلك المنطقة.

يقسم المخيم الرئيسي، الذي من المفترض أن يستوعب ثلاثة آلاف شخص، إلى ثلاثة أقسام، أ وب وج، ولكل قسم حماماته الخاصة وأماكن الاغتسال، وجميعها مقسمة بالتساوي بين الرجال والنساء. عبد الرحمن، المهاجر السوري القادم من ريف حلب اصطحبنا في جولة على حمامات القسم أ.

للمزيد: ممارسات الشرطة في مخيم موريا في اليونان.. ترهيب أم إجراءات أمنية؟

"هناك 10 حمامات فقط يفترض أن تكفي كل تلك الجموع" (في إشارة إلى اكتظاظ القسم الذي يتحدث عنه)، يقول عبد الرحمن. "وطبعا نتيجة الأعداد الهائلة، غالبا ما تتعطل الحمامات، فنصبح جميعنا مضطرين لاستخدام حمام أو اثنين".

أما حول نقاط الاغتسال فالمشهد يتحدث عن نفسه. عنبر تبلغ مساحته 6 أمتار طولا ومترين عرضا، مقسم إلى خمس غرف صغيرة زودت كل منها بصنبور مياه. ومن يريد الاغتسال عليه التوجه إلى هناك باكرا للحصول على بعض المياه الدافئة التي غالبا ما تكون مقطوعة.

آلان، مهاجر أفريقي قادم من شرق القارة السمراء، قال لمهاجر نيوز إن "نقاط الاغتسال لا تعمل جميعها في الوقت نفسه، كما أنه عليك أن تنتظر لساعات قبل أن يحين دورك للاغتسال. ما هذا الجحيم الذي نعيش فيه".

لدى الخروج من تلك المنطقة، لا يسعك إلا أن تنتبه لعشرات النساء وهن يركعن على أرضية إسمنتية خارج نقاط الاغتسال، يقمن بعك الثياب على أيديهن، مشهد يعيد إلى الذاكرة الأفلام الوثائقية التي تتحدث عن فترات من عمر البشرية سبقت اختراع الكهرباء.

         3102019

ولدى سؤال آلان عن فترة الشتاء، ضرب بكفيه بالهواء راسما ضحكة صفراء على محياه "الشتاء؟ قل الطوفان. طبعا نحن هنا في هذا القسم وضعنا في الشتاء أفضل من أولئك المساكين المتناثرة خيمهم حولنا (في إشارة إلى العدد الأكبر من المهاجرين الوافدين حديثا والذين توزعت خيمهم بين أشجار الزيتون المحيطة بالمخيم). الشتاء بالنسبة لهم رحلة تشرد متجددة".

مع خروجنا من المخيم الرئيسي، سيطرت على المشهد أمامنا أكوام ضخمة من أكياس النايلون الزرقاء. إنها أكوام النفايات المكدسة منذ وقوع الحريق الذي وقع الأحد 30 أيلول/سبتمبر. طبعا على طول الطريق تنتشر القمامة بكثرة، حتى أن أحد مجاري المياه الطبيعية تحول إلى نهر من قناني البلاستيك والأوساخ. وما يزيد المشهد مأساوية أعداد الأطفال الهائلة التي تلهو فوق تلك النفايات، فالاكتظاظ لم يترك مساحات كافية لهم للهو.

عبد الرحمن قال لمهاجر نيوز إن مشكلة النفايات غالبا ما تتكرر، "مرة يضعون اللوم على البلدية ومرة على الشركة المسؤولة عن جمع النفايات، وفي الحالتين نحن المتضررون الوحيدون من المشكلة".

         3102019

الرعاية الصحية... حدث ولا حرج

"إذا مرضت، مهما كان مرضك، في العيادة الطبية الدواء الوحيد المتاح هو مسكن الآلام"، يقول عبدالله المهاجر السوداني. "وإذا كنت من أصحاب الحظ السعيد، سيتوفر في العيادة طبيب ليفحصك. على كل الأحوال، إذا مرضت لا تتوقع الكثير"، يختم وعلى وجهه حزن عميق.

المعلومة نفسها أكدها محمد، اللاجئ الفلسطيني القادم من سوريا. "هنا إذا مرضت، إياك والذهاب للعيادة الطبية التابعة للمخيم، فأقصى ما يمكنك أن تتوقعه من علاج هو حبة المهدئ. وإذا كنت بحاجة لرعاية متخصصة، فيتم إعطاؤك وصفة الدواء التي سيكون عليك شراؤه على نفقتك، دون أي متابعة".

موظفة في إحدى المنظمات الدولية العاملة في المخيم، طلبت عدم الكشف عن اسمها، قالت لمهاجر نيوز إن الخدمات الطبية في موريا محصورة بشكل رئيسي بالدولة اليونانية. إلا أن ما يتم تقديمه حتى الآن غير كاف بتاتا. وأكدت الموظفة أن في المخيم "عدد الأطباء قليل جدا، طبعا تمر أوقات لا يتوفر فيها أي طبيب".

وذكرت الموظفة أن هناك جمعيات غير حكومية تعمل على برامج صحية وتقدم خدمات طبية للمهاجرين، ولكن تبقى جهودها دون المستوى المطلوب نتيجة الضغط السكاني الهائل في المخيم.

            2102019

آنا بانتيليا من منظمة أطباء بلا حدود، قالت لمهاجر نيوز "وصلنا إلى الحد الأقصى في العيادة التي أقمناها هنا مقابل موريا، حيث نستقبل يوميا 100 طفل وامرأة حامل. كما أن عيادة الصحة النفسية التي أقمناها في ميتيليني وصلت إلى حدها الأقصى أيضا".

بانتيليا أشارت إلى أن الحاجة كبيرة جدا للخدمات الطبية الطارئة، "طبعا لا نستطيع خدمة الجميع ولكن نحاول أن نساعد أكبر قدر ممكن... ليس لدينا سوى طبيبين، وهناك حاجة للمزيد من الأطباء، خاصة أن 40% من سكان المخيم هم من الأطفال الذين يعيشون في ظروف سيئة. لكم أن تتخيلوا كمّ الأمراض التي يتعرضون لها".

وختمت بانتيليا بأن "على الاتحاد الأوروبي واليونان تحمل مسؤوليتهما تجاه هذه الأزمة... من غير المقبول في هذا الزمن وفي أوروبا أن يعيش أكثر من 10 أشخاص في خيمة دون أن يتمكنوا من الوصول إلى الخدمات الأساسية... هذه ليست أوروبا... الحريق الذي وقع مؤخرا هو نتيجة طبيعية لكل تلك الظروف، لا يمكننا الانتظار حتى يموت شخص آخر لإصلاح هذا الوضع".

الاستشارات القانونية غير متاحة

توصل الاتحاد الأوروبي وتركيا في آذار/مارس 2016 إلى اتفاق يقضي بوقف تدفق اللاجئين مقابل حصول أنقرة على مساعدة بمليارات اليوروهات للتعامل مع فائض اللاجئين على أراضيها، وإعادة كل لاجئ مخالف إلى تركيا مقابل استقبال أوروبا للاجئ آخر بشكل قانوني.

وكانت أعداد الواصلين إلى اليونان تراجعت بنسبة 90% بعد الاتفاق، إلا أنها عادت وارتفعت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة.

الموظفة في المنظمة الدولية أكدت لمهاجر نيوز أن هذا التنامي في أعداد الوافدين كان له أثر سلبي على نظام اللجوء في اليونان بشكل عام.

للمزيد: اليونان: وفاة أم وابنها في حريق بمخيم موريا للاجئين

ونوهت الموظفة بأن المشكلة الرئيسية "تكمن في البطء بمراجعة ملفات اللجوء. هناك ملفات متراكمة تعود لسنوات. وما يضخم هذه المشكلة هي التعقيدات في نظام اللجوء عامة. الخطوة الأولى هي التسجيل (أخذ البصمات والمعلومات العامة عن الوافدين الجدد من قبل فرونتكس والشرطة اليونانية) في موريا، ثم تأتي خطوة طلب اللجوء التي تتم عبر مكتب اللجوء اليوناني، وغالبا ما تأخذ هذه العملية أكثر من ستة أشهر".

       2102019

يذكر أن مقابلات اللجوء حاليا لا تتم عبر مكتب اللجوء اليوناني، بل عبر سلطات الهجرة واللجوء التابعة للاتحاد الأوروبي EASO، وهي خطوة هدفها الأساسي دعم اليونان، إلا أن دراسة ملفات اللاجئين تحولت لاحقا لتصبح من مسؤولية الاتحاد لكنه رغم ذلك لا يمكنه البت في مصير طلبات اللجوء لأن هذا الأمر ما زال منوطا بالسلطات اليونانية.

وختمت الموظفة "هناك فشل في تطبيق إجراءات اللجوء. الظروف مريعة وغير مقبولة. المشكلة هي طول فترة الإجراءات... يضاف إلى كل ذلك التعقيدات التي طرأت بعد الاتفاق والتي ربطت بجنسيات المهاجرين. هناك مشروع أطلق مؤخرا يصنف الجنسيات وفقا لقابليتها بالحصول على اللجوء. مثلا إذا كان هناك مهاجرون من جنسية لم تحظ بموافقات على طلبات اللجوء الخاصة بها بأكثر من 25%، يتم احتجاز هؤلاء مباشرة في مركز داخل موريا لفترة تصل لـ90 يوما. معاملاتهم تتم بسرعة فائقة ليتسنى للسلطات ترحيلهم مباشرة".

           3102019

بشكل عام، تقع على السلطات اليونانية والأوروبية مسؤولية تخفيف ظروف الاحتقان في مخيم موريا، الذي بات يصطلح على تسميته بالمدينة الثانية في ليسبوس بعد ميتيليني. الظروف المعيشية السيئة وغير المقبولة داخل المخيم تدفع بقاطنيه لاتخاذ خيارات جذرية، قد لا يكون آخرها اللجوء لطرق التهريب من الجزيرة باتجاه البر اليوناني ومنه إلى دول أوروبية أخرى. وحسب ما أجمع المهاجرون الذين التقينا بهم داخل المخيم، "موريا هو الجحيم، لو عرفنا بأن أوروبا ستستقبلنا بهذا الشكل ما كنا فكرنا بالهجرة".

 

للمزيد