جموع من المواطنين الفرنسيين والمقيمين الأجانب أمام مركز محافظة أنتوني في المنطقة الباريسية، بانتظار السماح لهم بالدخول إلى مقر الشرطة للمبائرة بإجراءاتهم الإدارية والقانونية. الصورة التقطت ربيع 2018. مهاجر نيوز
جموع من المواطنين الفرنسيين والمقيمين الأجانب أمام مركز محافظة أنتوني في المنطقة الباريسية، بانتظار السماح لهم بالدخول إلى مقر الشرطة للمبائرة بإجراءاتهم الإدارية والقانونية. الصورة التقطت ربيع 2018. مهاجر نيوز

يعاني الآلاف من الأجانب المقيمين في فرنسا من صعوبة الإجراءات الإدارية المتعلقة بتجديد تصاريح إقاماتهم في البلاد. السلطات الفرنسية اعتمدت نظام أخذ موعد لتجديد الإقامة عبر الإنترنت، إلا أن هذا الإجراء فاقم الأزمة وأدى إلى إيجاد طوابير "افتراضية" لا متناهية من الأشخاص الراغبين بتجديد وضعيتهم القانونية إلا أنهم لا يستطيعون لأسباب مجهولة.

إذا كنتم مهاجرين أو وافدين حديثا إلى فرنسا، ووصل موعد تجديد بطاقة إقامتكم، فمن المؤكد أنكم تعرفون الإجراءات المضنية والطوابير الطويلة التي سيكون عليكم الوقوف بها قبل أن يتسنى لكم الدخول إلى مقر الشرطة لتبدأوا عمليا الإجراءات القانونية لذلك.

إذا، عملية تجديد الإقامة في فرنسا ليست سهلة على الإطلاق، بدءا بإعداد الأوراق المطلوبة وصولا إلى أخذ موعد على الإنترنت (والذي يكاد يكون مستحيلا) إلى الوقوف بالطابور الطويل يوم الموعد المحدد ليتسنى لكم الدخول والقيام بتجديد إقامتكم.

قضية ضد الدولة الفرنسية ومظاهرة احتجاجية

أعلن نحو 50 مهاجرا نيتهم تقديم دعوى قضائية اليوم الأربعاء ضد الدولة الفرنسية، في خطوة يهدفون منها إدانة قوائم الانتظار "غير المرئية" أمام محافظات ومقرات الشرطة في المنطقة الباريسية (إيل دو فرانس)، في إشارة إلى ضرورة الحصول على موعد عبر الإنترنت حصرا للقدوم وتخليص معاملاتهم القانونية. ووصف هؤلاء هذا الإجراء "بالتعجيزي" حيث بات "من شبه المستحيل" الحصول على موعد بهذه الطريقة.

وأعلن هؤلاء أيضا عن تنظيم مسيرة بعد ظهر اليوم أمام مراكز محافظات بوبيني (93) وكريتي (94) ونانتير (92) وإيفري (91)، دعوت إليها أيضا عشرات الجمعيات غير الحكومية المهتمة بشؤون اللاجئين والمهاجرين مثل "لا سيماد" ومجموعة المعلومات والدعم للمهاجرين (Gisti) ورابطة حقوق الإنسان (LDH).

ووفقا للجمعيات الداعمة لهذا التحرك، قامت محافظات الشرطة في تلك المناطق بتخفيض خدماتها، دون إيجاد بدائل مناسبة "لعشرات الآلاف ممن يسعون منذ أشهر للحصول على مواعيد لتجديد إقاماتهم".

هذا الوضع أدى بالكثير من الأجانب، الحاصلين على تصاريح إقامة شرعية، إلى عدم تمكنهم من "تجديد إقاماتهم في الوقت المناسب، على الرغم من محاولاتهم المضنية لأخذ مواعيد على الإنترنت". تلك التعقيدات أدت إلى فقدانهم وظائفهم، فضلا عن أنهم باتوا غير قادرين على تحصيل حقوقهم، نظرا لأنهم باتوا مقيمين غير شرعيين على الأراضي الفرنسية.

ووفقا للجمعيات، "شكل هذا الوضع عقبة إضافية في نظام الحصول على الأوراق القانونية (...). ففي حين أن الكثير من هؤلاء الأجانب يستوفون شروط الحصول على تصريح إقامة، إلا أنهم باتوا مخالفين وغير قانونيين، وبالتالي عرضة لخطر الطرد أو الترحيل".

وذكرت جمعية لا سيماد أن استحالة حصول المهاجرين على موعد في المحافظة من أجل تجديد إقاماتهم ضمن المهل القانونية، لا تنحصر في المنطقة الباريسية فقط، بل تتعداها لتشمل الأراضي الفرنسية ككل.

"اعتقدت أن منحتي الدراسية ستسهل إجراءات إقامتي... كنت مخطئا"

أحمد، شاب فلسطيني من غزة، جاء إلى فرنسا بهدف استكمال تحصيله العلمي، قال لمهاجر نيوز "تكمن صعوبة تجديد الإقامة في آلية حجز موعد لدى الجهات المختصة بهذا الموضوع. أعرف أشخاصا أمضوا أسابيع طويلة وهم يحاولون حجز موعد عن طريق الإنترنت. وحتى عندما حالف بعضهم الحظ وتمكنوا من إيجاد موعد متاح، فإنه يكون بعد شهرين أو ثلاثة. هذا التأخير قضى على فرصة هؤلاء الأشخاص الاستمرار بوظائفهم أو حتى السفر، فضلا عن خوفهم الدائم وقلقهم من احتمالية ضبطهم من قبل الشرطة نتيجة أن بقائهم على الأراضي الفرنسية بات غير شرعي".

وصل أحمد إلى فرنسا عام 2017 بعد حصوله على منحة من الحكومة الفرنسية، "اعتقدت أن منحتي ستضمن لي الحد الأدنى من التسهيلات المتعلقة بالإجراءات البيروقراطية، لكني وجدت نفسي مضطراً للقيام بكل الإجراءات الاعتيادية كأي مقيم أجنبي في فرنسا".

أحمد حاله كحال الكثير من الطلاب والمقيمين الأجانب الآخرين ممن اقتربت صلاحية إقاماتهم على الانتهاء وعليهم تجديدها، إلا أنهم يجدون صعوبة كبيرة في ذلك. "ستنتهي إقامتي في 18 تشرين الأول/أكتوبر الجاري. على مدى الأسابيع الثلاثة الأخيرة، جلّ ما كنت أقوم به هو الجلوس أمام الكمبيوتر محاولا حجز موعد على الإنترنت من أجل تجديد إقامتي، وعندما تمكنت من ذلك لم أجد مواعيد خالية قبل شهر من الآن تقريبا، أي أنني سأبقى شهرا كاملا دون أوراق رسمية، أي دون عمل ودون القدرة على السفر، كما أخشى أن أتعرض للمساءلة القانونية في حال تم توقيفي لأي سبب من الأسباب".

وختم أحمد حديثه لمهاجر نيوز قائلا "تنهك هذه الإجراءات الطلاب تحديدا، إذ سيكون عليهم البدء بإجراءات تجديد إقاماتهم قبل ثلاثة أشهر من انتهاء صلاحيتها، وقد تستمر تلك الإجراءات ثلاثة أشهر بعد تاريخ انتهاء الإقامة، فكم يتبقى من العام لنشعر به بالاستقرار؟ وكيف تتم مطالبتنا بالاندماج ونحن نعيش في هذا الحالة المستمرة من عدم الاستقرار؟".

إجراءات لم تخدم الهدف المطلوب

وجاء إجراء أخذ الموعد عبر الإنترنت للراغبين بتجديد إقاماتهم بهدف تخفيف الطوابير الطويلة التي كان على الأجانب الوقوف فيها لساعات أمام مقرات محافظات الشرطة لتصل أدوارهم. إلا أنه ولسبب غير معلوم، لم يخدم هدفه، إذ استمرت الطوابير الطويلة، يضاف إليها طوابير أخرى "افتراضية"، من أولئك الذين ينتظرون مواعيدهم للذهاب لمحافظات الشرطة والانتظار بالطوابير المرئية.

طوابير الراغبين بتجديد إقامتهم أمام محافظة الشرطة "لم تختف، إنما أصبحت غير مرئية"، وفقا لـ"لا سيماد"، التي أضافت أن هناك "قنوات موازية" تستغل الوضع القائم حيث "تقوم ببيع المواعيد للمهاجرين بمبالغ قد تصل إلى 200 يورو، وليس أمام هؤلاء سوى القبول والدفع من أجل تسهيل أمورهم".

وفي كانون الثاني/يناير الماضي، أصدرت مجموعة من الناشطين الحقوقيين بيانا نددت فيه بصعوبة الوصول للخدمات والمرافق العامة، خاصة للذين ينتمون للفئات الأكثر ضعفا. وأشار البيان إلى أن هذا الوضع أدى بالضرورة إلى "صعوبة أمام تلك الفئات لتحصيل حقوقها".

وعلى الرغم من الإدانات والانتقادات الدائمة للنظام القائم حاليا، لم يطرأ أي تحسن ملموس، وفقا لجمعيات ونقابات متابعة لشؤون المهاجرين في فرنسا.

 

للمزيد