تستعد القوات التركية لعبور الحدود السورية وإنشاء المنطقة العازلة بشكل منفرد رغم تصاعد الانتقادات الدولية. الصورة Picture Alliance
تستعد القوات التركية لعبور الحدود السورية وإنشاء المنطقة العازلة بشكل منفرد رغم تصاعد الانتقادات الدولية. الصورة Picture Alliance

رغم التنديد الدولي شنّت تركيا عمليتها العسكرية في شمال سوريا. الهدف من العمليات العسكرية حسبما يزعم الرئيس التركي هو إنشاء منطقة آمنة لإعادة اللاجئين إلى سوريا وتخفيف الضغط على تركيا. مكاسب أردوغان من "نبع السلام" تقابلها خسائر ثقيلة حسبما يرى مراقبون.

"نبع السلام" هو الاسم الذي أطلقه رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان على العملية العسكرية التي شنتها قواته الأربعاء (09 أكتوبر/ تشرين الأول)  في شمال سوريا. تهدف "نبع السلام" إلى إقامة منطقة آمنة في شرق نهر الفرات تفصلها عن العناصر الكردية المسلحة وذلك ضمن مخطط لإعادة نحو مليوني لاجئ سوري إلى بلادهم، بحسب تصريحات أردوغان. 

وقد سبق وهدد الرئيس التركي في بدايات الشهر المنصرم بفتح الحدود أمام اللاجئين السوريين للوصول إلى أوروبا ما لم تحصل أنقرة على مساعدات دولية كافية ودعم لإقامة تلك المنطقة شمال سوريا.

مكاسب تركية.. ولكن!

تخفيف الضغط عن تركيا هو هدف أردوغان من "المنطقة الآمنة"، ما سيزيد من شعبيته داخل البلاد حسبما ما يرى بعض المراقبين. فتركيا تستضيف حالياً نحو 3.6 مليون لاجئ سوري. يواجه أردوغان ضغوطاً داخلية بسبب استضافة هذا العدد الكبير من اللاجئين السوريين، وسط معاناة اقتصادها من أزمات متعاقبة.

كما أن ارتفاع أعداد اللاجئين السوريين، يجعل فرص عمل الأتراك ضئيلة فالعمالة السورية أرخص نسبياً من نظيرتها التركية، ما تسبب قيام بعض الأتراك بهجمات على محال سورية في مناطق مختلفة من البلاد.

فضلاً عن أن "المنطقة الآمنة التي ينوي أدروغان إنشاؤها، تقع شرق الفرات، حيث تسيطر وحدات حماية الشعب الكردية. وجود هذه القوات يشكل خطراً أمنياً بالنسبة لتركيا. لذا ترغب الحكومة التركية في إبعاد القوات الكردية السورية بعيداً عن حدودها  حسبما يرى مارك بيريني الباحث في مركز كارنيغي للدراسات السياسية في بروكسل. 

أما الهدف الثاني لتركيا فهو "فصل المناطق الكردية السورية في عفرين وكوباني والجزيرة لتعود هذه المناطق كما كانت قبل الحرب"، يقول بيريني في مقابلة خاصة مع موقع مهاجر نيوز، ويستطرد قائلاً "إن تركيا تحتل عفرين حالياً، لذلك ستكون الخطوة التالية هي فصل منطقتي كوباني وجزيرة في تل أبيض، لكن السؤال الآن من الذي سيدير هذه الأراضي المحتلة؟ فتركيا ليس لديها أي تفويض للقيام بذلك" حسب بيريني.

 



ويرى بيريني أن خطة نقل مليوني لاجئ سوري من تركيا إلى عمق 30 كيلومتراً ووضعهم في "منطقة آمنة" طولها حوالي 400 كيلومتر داخل الأراضي السورية "تبدو جذابة على الورق فقط". لكن لأمر "ليس مجرد مسألة بناء بنية أساسية للاجئين الذين سيتم نقلهم هناك، ولكن هذه قضية سياسية في المقام الأول".

وأكد بيريني على أن "أي لاجيء سوري لن يغادر تركيا ويعود إلى سوريا ما لم تكن هناك تسوية سياسية في البلاد بدعم من الأمم المتحدة ووفق ضوابط دولية. لكننا حتى الآن نحن بعيدون عن هذه المرحلة"، يقول بيريني.

قلق دولي من الأهداف التركية "غير المعلنة"

 

وفقاً لوسائل إعلام تركية، فإن مسودة خطة إعادة توطين اللاجئين السوريين تشمل مشروعاً إنشائياً بتكلفة 26 مليار دولار. ووفقا لخطة أردوغان، فإن "المشروع يتضمن مقترحات طموحة لبناء عشرات القرى والبلدات الجديدة" حسبما أكد أردوغان أمام زعماء العالم في اجتماع الأمم المتحدة قبل أسبوعين.

وقال أردوغان: "إن لم تقدّموا الدعم فاعذرونا، فنحن لن نتحمل هذا العبء وحدنا. لم نتمكن من الحصول على الدعم من المجتمع الدولي وتحديداً من الاتحاد الأوروبي"، وأضاف أن هدف بلاده هو "إعادة مليون لاجئ سوري على الأقل إلى المنطقة الآمنة التي ستقام على الحدود الممتدة بطول 450 كيلومتراً"، مضيفاً أن المنطقة التي ستخضع لسيطرة تركيا "ستسمح للاجئين عندنا بالعودة إلى أراضيهم وستسمح أيضا بتلبية كل متطلباتهم من تعليم ورعاية صحية ومأوى"، وأن هذه المنطقة "ستسمح لهم بالعودة إلى أراضيهم بدلاً من الإقامة في الخيام والحاويات".

تغيير ديموغرافي

وكان أردوغان قد صرح في وقت سابق أن عدد السوريين العائدين قد يرتفع إلى ثلاثة ملايين إذا زاد التوغل التركي متجاوزاً مساحة المنطقة الآمنة التي تخطط تركيا لإقامتها في شمال شرق سوريا بعمق 32 كيلومتراً.

بحسب بعض المراقبين، فإن معظم اللاجئين السوريين في تركيا والذين سيتم نقلهم  إلى "المنطقة الآمنة" هم من مناطق تقع غرب سوريا، ما يعني أن نقل أعداد هائلة من اللاجئين لمناطق تبعد مئات الأميال عن بيوتهم سينطوي على تغيير كبير في التركيبة السكانية.

هذا الأمر أشارت إليه القيادية في حزب الخضر، كلاوديا روت بقولها "إن الرئيس التركي لا يريد على ما يبدو إقامة مناطق آمنة للسوريين ولا يريد خفض التوتر". وحذرت روت من أن  "الحكومة التركية تخطط على المدى المتوسط لإعادة توطين ملايين اللاجئين السوريين في مناطق ذات أغلبية كردية".

مسؤولة السياسة الأوروبية في حزب اليسار الألماني أوزليم أليف ديميريل ذهبت في الاتجاه نفسه وقالت في تصريح سابق لــDW عربية إن "الخطوة التركية تهدف لتدمير الإدارة الذاتية الكردية. وبتوطين لاجئين سوريين في شمال سوريا وحيازة أكبر قدر ممكن من التأثير فيما يخص إعادة رسم سوريا".

لكن أنقرة عبّرت عن رفضها للمخاوف بشأن أثر إعادة اللاجئين من تركيا قائلة إن أي تغيير للتركيبة السكانية سيكون فقط لتصحيح تحركات القوات الكردية التي تسيطر حالياً على المنطقة.

حسابات خاسرة

خطة أردوغان لإعادة اللاجئين لسوريا وإنشاء المنطقة العازلة بالتدخل عسكرياً في سوريا، أزعج حلفائه في الغرب. ما سيؤثر سلباً على علاقات أردوغان بالغرب حسبما يرى بعض المراقبين. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هدد بشكل مباشر بـ "محو"  الاقتصاد التركي إن قضت تركيا على الأكراد في العملية العسكرية التي تقوم بها. وأضاف: "سأمحو تركيا إذ قضت على الأتراك"، مشدداً على أن "العواقب على تركيا لا تقتصر على العقوبات فقط".



وزير خارجية جمهورية التشيك توماس بيتريسيك عبّر بدوره عن مخاوف أوروبية أوسع نطاقاً، وقال إنه يجب أن تتاح للاجئين السوريين العودة بشكل طوعي وأنهم "لا يجب أن يعودوا بأي عملية عسكرية". وقال دبلوماسي أوروبي إن الاتحاد الأوروبي، الذي دفع الجانب الأكبر من حزمة مساعدات بلغت ستة مليارات يورو لمساعدة تركيا على استضافة اللاجئين على أراضيها، سينظر بتشكك لأي طلب لتمويل مشروعات في داخل سوريا قبل التوصل إلى أي تسوية سياسية لإنهاء الصراع المستعر منذ ثماني سنوات.




 

للمزيد