موسيقيون تركوا بلدانهم هرباً من الظروف الصعبة، يجتمعون في إسطنبول ويتشاركون ثقافاتهم. المصدر: صفحات الفيسبوك الخاصة بهم
موسيقيون تركوا بلدانهم هرباً من الظروف الصعبة، يجتمعون في إسطنبول ويتشاركون ثقافاتهم. المصدر: صفحات الفيسبوك الخاصة بهم

عراقي وسوري وإيراني وفلسطينيين ويمنية...مجموعة من الموسيقيين اجتمعوا في إسطنبول بعد أن ترك كل منهم بلده لما فيها من صراعات، وقرروا أن ينظموا حفلات موسيقية يدمجون خلالها ثقافاتهم وموسيقاهم، يتوجهون خلالها لجمهور تركي وعربي.

لم تتوقع غراء ثابت، اليمنية ذات الـ19 عاما والمقيمة في إسطنبول، أن خروجها من اليمن في 2015 بسبب الأوضاع المتأزمة سيكون بداية رحلتها مع الموسيقى. تقول ثابت، والتي تدرس موسيقى الجاز في إحدى الجامعات التركية، إن علاقتها بالموسيقى بدأت منذ تعرفها على مجموعة من الشباب الموسيقيين من بلدان وثقافات مختلفة، يتشاركون جميعاً معاناة الهروب من بلدانهم بسبب الحروب وعدم الاستقرار، ولم يجدوا إلا الموسيقى وسيلة للتواصل ولتبادل الثقافات.

وأكدت ثابت أن أحلامها مرتبطة بأوروبا، وهذا هو دافعها الأساسي لتعلم موسيقى الجاز، مشيرة إلى أن تجربتها مع أصدقائها هي ما شجعتها على الإيمان بموهبتها. "لم أتخيل يوماً بأنني سأدرس الموسيقى، أو أنني سأحظى بهذا العدد من الأصدقاء الموسيقيين"، وأضافت "تضم مجموعتنا الآن عراقياً وسورياً وإيرانياً وفلسطينيين ويمنية، هذه التوليفة نادرة الحدوث ونحن سعيدون لكوننا أفراداً فيها. وجودنا معاً يذكرنا بأننا نتشارك الأحلام البسيطة ذاتها: أوطان آمنة، وحياة حرة". 

"جمعتنا الموسيقى"

يقول محمد الشيخ علي، وهو عازف أورغ سوري كردي وصل إسطنبول في 2013 قادماً من حلب، إنه لم يجد أمامه سوى موهبته الموسيقية كمصدر للرزق. "عملت كمدرس للموسيقى في بعض المعاهد الموسيقية هنا في تركيا، كما أشارك في الكثير من الحفلات الموسيقية برفقة عازفين وفرق تركية وعربية".

ونوه الشيخ علي إلى أن التجارب الأكثر تأثيراً به هي الحفلات التي يشارك بها مع مجموعة من العازفين المهاجرين من أصول مختلفة. "قابلت فارس، عازف إيقاع الفلسطيني، بالصدفة. تحدثنا عن الموسيقى والإيقاع، واتفقنا على تنظيم جلسات موسيقية ندعو إليها من نعرفه من الموسيقيين أمثالنا، ممن يبحثون عن فرصة لمشاركة ثقافاتهم وموسيقاهم".

بعد عدة لقاءات بين الموسيقيين، اقترحوا أن يقوموا بتنظيم حفلات موسيقية صغيرة في بعض المطاعم والمقاهي في المدينة التركية السياحية، وأن يدعوا إليها أصدقاءهم من الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي.

ومنذ ستة أشهر تقريباً، تاريخ النشاط الأول لهم كمجموعة، قاموا بتنظيم 13 حفلاً في عدة أماكن في إسطنبول، في تجربة يصفها الشيخ علي بـ"الغنية، والصعبة".

"حوار بين الثقافات"

خرج فارس عنبر من غزة في 2018 بعد سنوات من الاجتهاد والمحاولات المستمرة لإيجاد إطار موسيقي يتيح له أن يتطور وأن يبدأ حياته كـ"موسيقي محترف" على حد تعبيره.

"بدأت العزف على آلة الطبلة منذ طفولتي وأنشأت عدة فرق موسيقية في غزة. اجتهدت وتعلمت العزف على آلات إيقاعية أخرى كالرق والدرامز وبمجهود شخصي، إضافة لعملي في تنشيط الأطفال مع المؤسسات غير الحكومية في غزة. حتى أنني قد عزفت في الأعراس والحفلات. كل ذلك لم يوفر لي الحد الأدنى من الدخل أو الأمان لأبقى في غزة كموسيقي. لا يوجد هناك أفق واضح لعازف الموسيقى، لذا قررت ألا أستسلم لواقعي ولحدوده الضيقة، وأن أبحث عن مدى أوسع وحرية أكبر".

يقول فارس إن إسطنبول مثلت فرصة له ولأقرانه من الموسيقيين المهاجرين لتبادل ثقافاتهم دون تحدثهم اللغة ذاتها، "أنا لا أتحدث الإنكليزية، وبالتأكيد لا أتحدث التركية. كنت أسير في الشوارع حاملاً طبلتي وأبحث عن أي موسيقي لأتحدث معه مستخدماً اللغة العالمية الوحيدة التي أتقنها.. الموسيقى. ولحسن الحظ قابلت محمد الشيخ علي وبدأنا مشروعنا الصغير بمجهوداتنا الشخصية".



ووفقاً للموسيقيين، فإنهم يقومون بأنفسهم بالتواصل مع مطاعم ومقاه محلية لحجزها، وبعد ذلك يقومون بحجز أجهزة الصوت، ليبدؤوا بعدها بالتسويق لحفلاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

"يتراوح سعر بطاقة حضور حفلاتنا من 15 لـ20 ليرة تركية. عموما بعد الحفل، ندفع تكاليف حجز المكان وإيجار أجهزة الصوت، ليبقى لكل منا في النهاية 200 ليرة كحد أقصى".

يعزف فارس مع فرق موسيقية تركية وسورية في إسطنبول، إضافة لمشروعه مع أصدقائه المهاجرين، فالموسيقى هي مصدر الدخل الوحيد له حاليا. ولدى سؤاله عن تقييمه لأدائه في هذا المجال يقول "صعب جداً، فتركيا مليئة بالموسيقيين الجيدين، وفرصنا كموسيقيين مهاجرين محدودة جداً. لكننا نحاول وسنستمر بالمحاولة".

"تمثل هذه الحفلات نافذة لبلداننا"

بالنسبة لخالد، وهو لبناني مقيم في إسطنبول، فالاعتماد قائم دوما على الجمهور الدائم لهؤلاء الموسيقيين، حيث قام بحضور أغلب حفلاتهم.

"أعيش في إسطنبول منذ ثلاثة أعوام. الحفلات التي يقوم بها هؤلاء الشباب تسعدنا كثيراً، لذلك أحرص على حضورها، فالأغاني تتجدد دائماً، وتناغمهم سويا كفرقة موسيقية يزداد مرة بعد الأخرى".

وأضاف خالد أن جمهور هذه الحفلات ثابت ويزداد بشكل ملحوظ، مشيراً إلى أنهم بدأوا مؤخراً بتقديم أغان باللغة التركية والإنكليزية لاستقطاب جمهور أكبر ومن أصول مختلفة.

"سأدخل أوروبا في أول فرصة آمنة"

من جانبه، وصل أحمد الحداد، وهو عازف غيتار فلسطيني والمغني الأساسي لهذه المجموعة، إلى تركيا نهاية العام الماضي بعد أن بدأ بتحقيق نجاح واضح في قطاع غزة. "كنت أصعد سلم النجاح بسرعة في غزة، فلقد كنت أعزف وأغني مع عدة فرق موسيقية شبابية هناك، كما أنني كنت أعزف في حفلات الأعراس. ولكني كعازف للغيتار، كانت كل أحلامي معلقة بالعالم الخارجي، كنت أريد اكتشاف أنواع مختلفة من الموسيقى وأن أعزفها مع موسيقيين من جنسيات مختلفة".

منذ وصوله إلى إسطنبول، تعرف الحداد على العديد من الموسيقيين وبدأ بتعلم اللغة التركية ليتمكن من الغناء بها. كما وقابل عددا من الفنانين العرب أثناء مرورهم بإسطنبول.  


وعلى الرغم من تحقيقهم لبعض الإنجازات الفنية، يحلم كل أفراد هذه المجموعة بالدخول إلى أوروبا ولكن "بطريقة آمنة". يقول الحداد "نعلم جميعاً أن إسطنبول ليست إلا محطة في طريقنا نحو حياة مستقرة، لكن هذه المحطة تستغرق كثيراً من الوقت، خاصة وأننا لن نخاطر بحياتنا للدخول إلى أوروبا. لذلك نحاول قدر المستطاع أن نستفيد من إقامتنا هنا وأن نشكل إطاراً ثقافياً نتشارك فيه أحلامنا وموسيقانا".



 

للمزيد