نسرين فلسطينية - سورية تغامر في "رحلة الموت" - تصوير رندة أبو شقرا
نسرين فلسطينية - سورية تغامر في "رحلة الموت" - تصوير رندة أبو شقرا

نسرين، صحافية فلسطينية. ولدت ونشأت في سوريا. نشاطها المعارض للنظام في دمشق دفع بها للفرار إلى مصر في الشهر الخامس من العام ٢٠١٣. في ذلك البلد العربي، حيث عاشت وعملت قرابة العام، لم تجد الأمان أيضاً. فاضطرت للمغامرة بحياتها للوصول إلى أوروبا على متن مركب خشبي قديم. الاجتماع بأهلها مجدداً هو هدفها الرئيسي. رغم أن حلمها لم يتحقق لكنها اليوم تحمل الهوية الهولندية. وها هي تخبرنا عن "رحلة الموت" التي قامت بها قبل ست سنوات في البحر الأبيض المتوسط.

خطة اللجوء بدأت مع ذلك الغريب في أحد مقاهي القاهرة. كنت مع أصدقاء لي من سوريا حين سمع حوارنا عن فكرة السفر إلى أوروبا. اقترب منا لتقديم خدماته مقابل 2500 دولار للشخص. اتفقت واصدقائي الثلاثة على تسليمه نصف المبلغ وأن نضع النصف الثاني أمانة عند وسيط موثوق به. ولا يستلم المهرب المبلغ المتبقي من الوسيط إلّا إذا وصلنا إلى البر الأوروبي.

وصلنا إلى نقطة الانطلاق، الاسكندرية، قبل ليلة من الرحلة، والتقينا هناك عائلات سورية تنتظر الفرار إلى أوروبا. وقد وضع المهرب النساء والاطفال في شقة والرجال في شقة أخرى.

لقد خططت للوصول إلى هولندا، فقد قيل لي إن هناك بمقدوري لم شمل عائلتي. فهذا جلّ ما أريده.

لكنّ الفتاة المرافقة لنا تراجعت مما أشاع الذعر في كياني، فتهت في الشوارع باكية حتى وصلت إلى شاطئ البحر. هناك وقفت أتضرع لله وأقول له "هذا البحر جندي من جنودك، فسخّره لي".

عدت إلى الشقة لأكتشف أن رحلتنا ستنطلق فوراً، قبل موعدها المحدد، فنقلنا المهرب إلى « عشة » أي كوخ صغير من القصب. وطلب منا الصمت.

وفجأة صرخ بنا "هيا اركضوا". فركضنا إلى قوارب صغيرة نقلتنا إلى المركب المتوقف بعيداً.

كان ذلك في ٢٥ حزيران\يونيو من العام 2014.

الليلة الاولى: ضحك هستيري وخوف

انطلق مركبنا، فاجتاحتني نوبة ضحك هستيرية، وسرعان ما تحولت هذه النوبة إلى حالة ارتجاف جنوني، فسمح لي المهرب ورفاقُه بتبديل ثيابي المبللة. ودخلت بعدها كيس النوم الذي جلبته معي، وغفوت.

صباحاً، فتحت عيناي على لون أزرق صاعق وكأننا في عالم لا حياة فيه، انتابني هلع شديد.

كنت أراقب حالة المركب مع أولئك المهاجرين، إنه مركب خشبي قديم كأنه بُنِيَ قبل قرون، وحالته سيئة وغير مجهز بمعدات إنقاذ، فكيف سيصمد في البحر مع ٢٥٠ شخصاً؟ معظمهم عائلات سورية.

وبطبيعة الحال، لا مكان للنوم أو لإراحة ساقينا على هذا المركب. فيه حمام ضيق، سمح المهربون لكل منا بقضاء حاجته مرة واحدة في اليوم. والمياه المتوفرة جلبناها معنا، وهي مخصصة للشرب. ولكي لا أضطر لاستخدام الحمام، لم أشرب كثيراً واكتفيت ببضعة حبات تمر أو القليل من الشوكولاتة. أما لاتقاء أشعة الشمس، ربطنا ما لدينا من مناشف في بعضها لتشكل خيمة نتفيأ تحتها. وهكذا، أمضينا ثلاثة أيام.

عاصفة هوجاء قبالة السواحل الليبية

في اليوم الرابع، استيقظت على مياه تغمرني. كان المركب يترنح بقوة تحت ضربات الأمواج العاتية، ثم تحمله تلك الامواج عالياً جداً لتسقطه بقوة، فتدخله المياه مجدداً إليه. كانت الرياح شديدة القوة والسماء قاتمة اللون والمطر غزيراً، كنا داخل عاصفة مجنونة. رأيت الرجال والنساء والاطفال يبكون ويصرخون، فتجمع أفراد كل عائلة مع بعضهم كأنهم يتهيأون للموت معاً. أما أنا فظللت وحيدة، مع إرادة قوية للبقاء وتحقيق هدفي الوحيد.. لم أكن أرى سوى أهلي.

أما داخل ما تُسمى بقمرة القيادة، فجلس مهربنا ورفاقه وجميعهم مصريون، يراقبوننا كما في الأيام الماضية.

ارتأى الرجال أن تنزل النساء مع الاطفال إلى الغرفة الموجودة في أسفل المركب، كنا محشورين في غرفة جهنمية، لا إضاءة فيها، وكادت تخنقنا لشدة حرارة المحرك التي تدخل إلينا. كما تجمعت فيها مياه الحمام، إذ كانت تتسرب مياه الحمام قطرة قطرة من ماسورة في السقف، وكان تفاديها أمر مستحيل، فتملكني الغثيان والدوخة كما الأخريات. وقد نفد منا دواء دوار البحر، فاجتاحتنا حالات التقيء، واستهلكنا كل ما لدينا من أكياس فما عدنا نولي أهتماماً لما تخرجه أحشاؤنا. لحظات كريهة أحسست معها بالذل.

بقينا يومين، تصدى خلالهما الرجال للعاصفة الهوجاء محاولين إفراغ المركب من المياه. وعلمنا لاحقاً إننا كنا قبالة السواحل الليبية.

اليوم السادس: "رجال بيض" كالملائكة

بعد أن هدأت العاصفة، أعادنا المهربون إلى السطح، وأعطونا جهازاً لطلب النجدة بخفر السواحل الايطالية، ويمكن لهذا الجهاز إرسال مكان تواجدنا، لكن محاولاتنا باءت بالفشل.

وفجأة رأينا طوافة فوق رؤوسنا، ثم اثنتين، فرفع الرجال الأطفال عالياً كي يراهم من فيها، ليرأفوا بحالنا.

لم نعرف كيف علِمَ خفر السواحل الايطالية بوجودنا، لكنني أذكر أننا، وخلال مقاومتنا للعاصفة، شاهدنا من بعيد سفينة كبيرة وكأنها للشحن، ربما قد أعلمت السلطات الإيطالية بوجودنا.


كنا داخل عاصفة مجنونة... تجمع أفراد كل عائلة مع بعضهم كأنهم يتهيأون للموت معاً. أما أنا فظللت وحيدة، مع إرادة قوية للبقاء ‏وتحقيق هدفي الوحيد... لم أكن أرى سوى أهلي
_ نسرين فلسطينية - سورية خاطرت بحياتها في"رحلة الموت"


حين وصلت زوارق الإنقاذ، كان رجالها يرتدون ثياباً بيضاء، فبدو لي كملائكة جاؤوا لإنقاذنا، بينما لم يكن زيهم الابيض إلا لحماية أنفسهم من البكتيريا.

أوصلنا "الرجال البيض" إلى سفينة كبيرة، بقينا هناك يوماً ونصف اليوم، فترة لم أستطع خلالها التوازن في سيري بسبب مشقة الرحلة، وأنزلونا إلى مرفأ ريجيو دي كالابريا، ثم نقلونا إلى ملعب لكرة السلة.

هل يتحول الحلم إلى حقيقة

ولأن وجهتنا هي هولندا، قررت ورفاقي الفرار قبل وضع بصماتنا.

عند ساعات الصباح الأولى، تهيأنا لحظة غياب الحرس، وقفزنا فوق السور، وكنا قد تمكنا من الحصول على ثياب من المستودع لارتدائها بدلاً من ثيابنا المتسخة، ولم أُعِر اهتماماً للثياب الرجالية التي طالتها يداي، كنت أريد الإسراع إلى محطة القطارات وحجز بطاقة إلى ميلانو، فقد قيل لنا أنه يوجد مركز لايواء المهاجرين السوريين هناك.

لم يمض أكثر من يومين على إقامتنا في ذلك المركز، حتى جاءنا مهربون، لم ندر كيف علموا بحاجتنا للفرار إلى بلد آخر.

للوصول إلى هولندا، اتفقنا مع رجل ألماني يملك سيارة تتسع لسبعة أشخاص على أن يدفع كل منا مبلغ ٤٥٠ يورو. كان حذراً جداً، ولم يفصح لنا عن أسماء المناطق التي نمر بها. بعد ١٢ ساعة من القيادة شبه المتواصلة، توقف معلناً «أنتم في رورموند» جنوب هولندا. وكان ذلك عند الواحدة بعد منتصف ليل ٧ تموز\يوليو من العام ٢٠١٤.

نمنا في محطة القطارات، وفي الصباح سلّمنا أنفسنا للشرطة، فحولتنا بدورها إلى مركز للمهاجريين. بعد الاجراءات والتحقيقات، أُصِبت بخيبة أمل عظيمة، فاللجوء الإنساني الذي حصلت عليه لا يمنحني حق لم شمل أهلي.


 

للمزيد