مهاجرون في الغابات المحيطة بمدينة غراند سانت شمال فرنسا. الصورة: دانا البوز
مهاجرون في الغابات المحيطة بمدينة غراند سانت شمال فرنسا. الصورة: دانا البوز

عائلات وأطفال وقاصرون، يعيشون جميعهم في حالة تشرد منذ إخلاء الصالة الرياضية التي تحولت إلى مركز لإيواء مئات المهاجرين في مدينة غراند سانت شمال فرنسا. وضع لا ينبئ بالتحسن مع اقتراب الشتاء وانتهاج سياسة تفكيك المخيمات، لمنع المهاجرين من إنشاء تجمعات عشوائية. فوفقا للرواية الرسمية الهدف هو توجيه المهاجرين إلى المكان المناسب، لكن الجمعيات ترى في ذلك استراتيجية لإنهاك المهاجرين ودفعهم للعدول عن المجيء إلى المدن القريبة من الحدود البريطانية.

الغيوم المتلبدة تملأ السماء، الأمطار تتساقط بغزارة، دورية الشرطة الفرنسية تقف على يمين الشارع مقابل سيارة صغيرة توزع بضعة أغراض على شباب يافعين وعائلات وأطفال. المشهد الرمادي بأكمله يبدو بائسا.

على بعد أمتار قليلة، يحتمي عشرات الشباب الأكراد تحت شادر أزرق لا يخلو من الثقوب، يحاول العشريني أحمد تجنب قطرات المياه المتسربة، "لا أريد أن أتبلل بهذه المياه المتسخة، لا توجد أماكن للاستحمام هنا، مضى 25 يوما دون أن أتمكن من الاستحمام".


لا توجد حلول كثيرة أمام الشاب العشريني الذي تشرّد في الغابات المحيطة بمدينة غراند سانت شمال فرنسا، بعد أن كان مقيما في الصالة الرياضية التي تحولت إلى مركز لإيواء حوالي 800 مهاجر منذ نحو عام قبل أن تقرر السلطات الفرنسية إغلاق المكان وإخلاء الجميع.

رافق قرار إغلاق المركز أيضا إزالة المرافق العامة التي كانت المحافظة الشمالية مجبرة على وضعها بأمر من مجلس الدولة في أواخر شهر حزيران/يونيو الماضي، وبالتالي يبقى المهاجرون غير قادرين على إيجاد مياه نظيفة أو الوصول إلى مرافق عامة. وتقول الناشطة كاتي في جميعة "سوليدارتي بوردرز" المحلية "نحاول أن نجلب لهم الطعام والشراب والملابس الجافة، لكن ليس لدينا ما يكفي. أصبح مجرد زوج من الجوارب الجافة كنزا هنا".


أضطر أحيانا إلى النوم تحت الأشجار دون فراش ولا حتى خيمة


"الغابة خالية من المهاجرين حالياً"، هذا ما أكدته محافظة دنكيرك الفرعية في بيان بداية الشهر الحالي، وكانت المحافظة قد قدرت أعداد المهاجرين الذين توجهوا إلى الغابات بحوالي 250 شخصا بعد إخلاء الصالة الرياضية، لكنها عادت وأكدت أنه لم يبق أحد في الغابات وتم إيواء الأشخاص إما في مراكز الاستقبال أو تم توجيهم إلى الأماكن التي تتناسب مع حالتهم.

لكن الرواية الرسمية تتناقض مع ما يعيشه أحمد، "بعد إخلاء الصالة، توجهنا إلى غابات بويتوك، أنام في خيمة إن حالفني الحظ ولم تجدني الشرطة، لكنّي أضطر أحيانا إلى النوم تحت الأشجار دون فراش ولا حتى خيمة".

الجمعيات المحلية تقدر أعداد المهاجرين المشردين في الغابات بنحو 400 شخص، بينهم قاصرون وعائلات وأطفال، يمضون أيامهم ولياليهم في الغابات محاولين إيجاد مكان ملائم لوضع خيمة بعيدا عن أعين الشرطة التي تمنع تشكّل أي مخيم عشوائي. من جانبها، تنتهج السلطات الفرنسية سياسة تفكيك المخيمات بشكل يومي وتبرر ذلك بأنها تهدف إلى توجيه الأشخاص إلى أماكن الإقامة المناسبة.

ومن أجل توفير "أماكن إقامة كريمة" لهؤلاء الأشخاص، وفقا لتصريحات المحافظة، تأتي حافلة الشرطة وتقترح نقل بضعة أشخاص إلى مراكز إيواء. لكن بحسب ما أكد الناشط حكيم في جمعية "سوليدارتي بوردر"، لا توجد أماكن كافية للجميع في مراكز الإيواء، كما أن "الكثير من الأشخاص الذين يصعدون على متن الحافلة، يتم إرسالهم إلى مراكز الاحتجاز الإداري ويتم وضع بعضهم في أماكن بعيدة أو مدن أخرى"، الأمر الذي لا يفضله هؤلاء الأشخاص نظرا لأنهم يريدون عبور الحدود ودخول أراضي المملكة المتحدة.

يريد أحمد الذهاب إلى بريطانيا للالتحاق بأخيه، وتتعدد أسباب رغبة باقي الأشخاص بالذهاب إلى المملكة المتحدة، فمنهم من يريد الانضمام إلى باقي عائلته هناك، ومنهم من حصل على قرار ترحيل أو رفض طلب لجوئه في الدول الأوروبية الأخرى، وبالتالي يرى في بريطانيا أملا للحصول على فرصة جديدة.

وبينما يقف العشرات تحت الشادر بانتظار تحسن الطقس، يتجه شابان مبتلان بالكامل لإيجاد بقعة جافة تحميهم من المطر، يقول الشابان الكرديان إنهما تقدما بطلب لجوء في مدينة ليل المجاورة منذ سبعة أشهر لكنهما لم يتمكّنا من إيجاد سكن، "نحن ننتظر الرد على طلب لجوئنا، وجئنا إلى هنا لأننا لم نتمكن من الحصول على سكن في المدينة، على الأقل لدينا أصدقاء هنا".

للمزيد: يوميات مهاجرين في شمال فرنسا.. بين سطوة المهربين وعدم الاستقرار

ضغوط يومية وإهانات

يقف الجميع تحت الشادر الأزرق بانتظار حصول معجزة ما، فبعد مرور حوالي ساعة تهمّ الجمعية التي كانت توزع بعض الأغطية والمساعدات بالرحيل، ليبقى الشرطيان في سيارتهما يراقبان الوضع، بينما يحاول المهاجرون تلهية أنفسهم بالاستماع إلى بعض الأغاني التقليدية، علّ الموسيقى تريح أنفسهم وتعيد إليهم بعض الدفء الذي فقدوه منذ مغادرة بلدهم، "تنظيم الدولة الإسلامية كان يبعد بضعة كيلومترات فقط عن الحي الذي أسكن فيه. لم أستطع التفكير بالمستقبل هناك، كل ما كنت أطمح به هو النجاة بنفسي"، يروي الشاب آرو لمهاجر نيوز رحلته المستمرة التي انطلقت من مدينة السليمانية شمال شرق العراق منذ سنوات مضت.

وفي الجهة الخلفية، تقف سيارة شرطة أخرى لمراقبة الوضع، بينما تقف دورية شرطة أخرى بالقرب من المدخل الرئيسي للغابة. وخلال زيارة فريق مهاجر نيوز إلى الغابة، استطعنا رصد أكثر من خمسة سيارات شرطة في محيط المكان، إلا أن التواجد الأمني لا يتوقف هنا، فعلى بعد بضعة أمتار يوجد مركز تجاري لا يخلو من عناصر الشرطة الفرنسية. "يحاول بعض الشباب إيجاد بعض الراحة فيه لكن الشرطة أيضا تمنعهم من دخول المكان"، بحسب الناشط حكيم.


يقول حكيم الذي يعمل على تقديم الدعم للمهاجرين "يعيش المنفيون في جهنم: ضغوط يومية وإهانات حتى يصلوا إلى حالة الإنهاك. تعتقد الدولة أنها ستثنيهم عن القدوم، لكن هذا لا يغير شيئا، فهم مستمرون بالتوافد كل يوم".

قدوم الشتاء وانخفاض الحرارة يثيران مخاوف الجمعيات المحلية، "في الليل، تنخفض الحرارة إلى 5 درجات. ملابس الأشخاص مبللة كل الوقت، من المستحيل الحصول على الدفء في هذه الظروف. يكون الجو باردًا لدرجة أن معظم الناس يبقون مستيقظين ليلًا حول النار. يأخذون غفوة في بعض الأحيان خلال النهار، لكنهم منهكين"، بحسب حكيم.

يحرص حكيم وزميلته كاتي على لقاء المهاجرين بشكل مستمر والتكلم معهم، "وزعنا عليهم بعض الأغطية، لكن توزيع الخيم أضحى أكثر تعقيدا بالنسبة لنا نظرا لأن الشرطة تفكك المخيمات كل يوم ونحن لا نستطيع تحمّل تكاليف شراء خيما جديدة"، ليصبح الحصول على خيمة بالنسبة للمهاجرين في فرنسا "رفاهية"، بحسب تعبير أحد المهاجرين المنهكين من حياة التشرد.

وأثناء عمليات التفكيك، ترافق شاحنة التنظيف الشرطة لإزالة الخيم، لتبقى فقط بعض الآثار على الأرض مشيرة لتواجد المهاجرين في المكان.


وفي بقعة أخرى على أطراف الغابة، تحول جسر صغير إلى سقف يحتمي به عشرات المهاجرين، يتساءل فرهاد الذي مضى على وجوده تحت الجسر أكثر من شهر ونصف "متى سيتم افتتاح مركز إيواء؟ إلى متى سنبقى على هذا الحال؟"، يستعجب الشاب الإيراني من سوء الوضع "في الليل، نضطر جميعنا إلى الالتصاق ببعضنا البعض للحصول على القليل من الدفء، لكن إلى متى؟".


وبينما تخف رمادية المشهد وتخف الأمطار، تعود هيفين وصديقتها من مشوارهما اليومي "حصلنا على بعض الفاكهة والمياه النظيفة من الجمعية"، وتتجهان إلى خيمتهما وسط الغابة حيث تحاول المرأة الأربعينية تأمين بعض الطعام لأطفالها الصغار، آملة بالحصول على فرصة للعبور ولقاء ابنها الكبير وزوجها على الطرف الآخر من بحر المانش.

 

للمزيد