يعيش المهاجرون في مخيمات كاليه ظروفا مروعة للغاية، وأكثر الفئات الهشة هي العائلات التي تصطحب أطفالا. مهدي شبيل
يعيش المهاجرون في مخيمات كاليه ظروفا مروعة للغاية، وأكثر الفئات الهشة هي العائلات التي تصطحب أطفالا. مهدي شبيل

في كاليه شمال فرنسا، حيث ينصب المهاجرون خيامهم في الغابات المحيطة بالمدينة، تضيق المساحات ويشتد سوء الحال. السلطات المحلية تضيّق أكثر على المهاجرين وتسعى إلى إبعادهم ليصبحوا "غير مرئيين"، بينما تتجهز لوضع تمثال ضخم لتنين يترافق مع احتفالات لجذب السياح إلى المدينة. وبالتالي، ترى السلطات أن وجود المهاجرين لا يتماشى مع الصورة السياحية التي تريد إظهارها.

"التنين أصبح هنا"، حدث هام يتصدر عناوين الصحف المحلية في مدينة كاليه. بطول يبلغ 10 أمتار وامتداد يتجاوز الـ25 مترا، يلقي التنين الجديد جسده الضخم محاطا بعدسات كاميرات بعض السكان الذين سيطر عليهم الفضول، وأتوا لاستراق نظرة على التمثال الجديد الذي سيتم وضعه في مركز مدينتهم كمعلم سياحي تتجاوز كلفته أربعة ملايين يورو. ومن المفترض أن يصبح متاحا للعامة المجيء ومشاهدة التنين عن كثب ابتداء من الجمعة 1 تشرين الثاني/نوفمبر.

التنين الجديد يبعد فقط يضعة أمتار عن الشاطئ الذي تحطمت عليه آمال الشاب التشادي أحمد وصديقه مهدي أمس (الثلاثاء)، حينما فشلت محاولتهما الخامسة في عبور بحر المانش لبلوغ الأراضي البريطانية. 

بعد منتصف الليل بساعتين، توجه الشابان إلى شاطئ كاليه، "الخطة بسيطة، نسبح إلى العبّارة الراسية قبالة الشاطئ، نتسلق على متنها ونختبئ بعيدا عن أعين الشرطة إلى أن نصل إلى بريطانيا. الجزء الأصعب هو تحمل برودة المياه وتعب السباحة"، بحسب ما يقول أحمد لمهاجر نيوز.  

يتشارك أحمد وصديقه خيمة واحدة في مخيم عشوائي يأوي 300 مهاجر على أطراف مدينة كاليه، التي تتّبع فيها السلطات سياسة قاسية تجاه المهاجرين تسعى من خلالها للتخلص من صورتها التي كوجهة جذابة لهم، خاصة بعد تفكيك مخيم "الغابة"، الذي كان يأوي نحو 10 آلاف مهاجر منذ ثلاثة أعوام.

ويأتي التمثال الجديد ليكون في قلب الصورة السياحية التي تريد المدينة تصديرها للخارج. إلا أن هذا الوجه السياحي يلقي بأثره على الحياة اليومية للمهاجرين في كاليه أيضا. 

السلطات تمنع تجمع المهاجرين أمام محطة القطار 

حوالي الساعة العاشرة مساء، يصل القطار الأخير إلى مركز المدينة. تكاد لا تمر بضعة دقائق حتى يتجمع حوالي 10 مهاجرين أمام المحطة، منهم من مضى على وجوده بضعة أيام هنا ومنهم من وصل للتو. 

يقف الشباب اليافعين أمام بناء المحطة الصغير، ذو التصميم البسيط البعيد عن الفخامة المعمارية التي تميزت بها أغلب محطات القطارات الرئيسية في فرنسا، حيث اعتادوا على لقاء عدد من الجمعيات المعنية بمساعدتهم في المدينة. 

لكن الأسبوع الماضي، أصدرت السلطات المحلية مرسوما جاء فيه "نظرا للبرنامج الحافل، الثقافي والسياحي، في الأسابيع المقبلة، ننتظر مجيء الكثير من العائلات والسياح إلى المدينة. الاضطرابات الناجمة عن وجود المهاجرين قد تضعف التنظيم السليم لهذه الفعاليات وتساهم في تقويض سلامة العائلات والسياح". ومنعت السلطات أي تجمعات واضحة للمهاجرين أو للجمعيات التي توزع مساعدات عليهم أمام محطة القطارات المركزية حتى 6 كانون الثاني/يناير، موضحة أن هذه المدة قد تكون قابلة للتمديد.


يشرح الناشط أنطوان من جمعية "يوتوبيا 56" لمهاجر نيوز أن محطة القطارات تعتبر نقطة أساسية بالنسبة لعملهم مع المهاجرين، "يصل يوميا شباب تائهين إلى المدينة عبر القطار الليلي، وهم يكونون في أمس الحاجة لمساعدتنا، فنحاول أن نقدم لهم بعض الطعام والمعلومات المتعلقة بحقوقهم. لكن القرار الجديد منعنا من استمرار تقديم المساعدة، وكأنهم يسعون بذلك إلى جعل المهاجرين غير مرئيين وإبعادهم أكثر عن المدينة".

وترى الجمعيات المحلية التي كانت تنظم توزيع وجبات الطعام يوميا على المهاجرين أمام محطة القطار، أن هذا القرار الجديد يعزز "عزلة المهاجرين" من جهة، ويزيد من صعوبة استمرار عمل الجمعيات من جهة أخرى.

ويشير أنطوان إلى أنه أثناء مساعدة بعض الناشطين للمهاجرين أمام المحطة الأسبوع الماضي، تم استدعاء أربعة متطوعين إلى مركز الشرطة حيث من الممكن أن يتعرضوا لغرامات مالية ومشاكل قانونية. 

"بريطانيا ليست الحلم، لكنها ربما فرصة جديدة لحياة كريمة" 

حمدان، شاب عشريني ينام تحت أحد الجسور القريبة من المحطة منذ 12 يوما دون خيمة ولا غطاء، يضع فقط بضعة قطع كرتون تحميه من صلابة الأرض وقساوة البرد، "لم أستطع الحصول على خيمة، فكان الحل الوحيد أن أبقى هنا لأنام قرب المحطة، لا أريد الذهاب إلى مخيم الغابة لأني لا أريد النوم هناك دون خيمة والجرذان تملأ المكان". 

الشاب السوداني الذي فر من دارفور عام 2016، مرّ كالكثير من المهاجرين عبر ليبيا حيث بقي أكثر من عام، ومنها إلى إيطاليا وصولا إلى فرنسا حيث تم رفض طلب لجوئه، "جئت إلى كاليه، علّي أستطيع الحصول على حق اللجوء في بريطانيا". يتابع وهو يفرك يديه ببعضهما للحصول على بعض الدفء قائلا "بريطانيا ليست الحلم، لكنها ربما فرصة جديدة لحياة كريمة". 


أثناء النهار، يتجه حمدان إلى مخيم "الغابة" للحصول على بعض الطعام ولشحن هاتفه ولقاء باقي المهاجرين.

في الغابة التي تبعد عن مركز المدينة حوالي نصف ساعة مشيا على الأقدام، تتوزع خيام المهاجرين بين الأشجار التي علّق المهاجرون على أغصانها بضعة أكياس بلاستيكية تحتوي على القليل من الطعام الذي يحصلون عليه من الجمعيات المحلية.

مع حلول المساء، خاصة في الشتاء، تنخفض درجات الحرارة بشكل هائل، كما يتراكم الإنهاك والإجهاد لدى المهاجرين.

"لا نشعر بالأمان"

وللحصول على بعض الدفء، يشعل إبراهيم، وهو شاب سوداني، مع بعض أصدقائه النار غير بعيد عن الخيمة التي ينامون فيها، "اليوم بالتحديد، أكون قد أمضيت عامين ونصف في حياة التشرد في شوارع ومدن فرنسا. وبعد أن كنت في مدينة ليل وحصلت على رفض طلب اللجوء، قررت القدوم إلى كاليه مع أصدقائي للذهاب إلى بريطانيا، لكن انظروا إلى حالنا هنا، سياسة الدولة والحدود المغلقة هي التي تدفعنا إلى تلك الحياة اللا إنسانية". 

وبينما يكمل إبراهيم، حديثه مع مهاجر نيوز، يحين موعد خروج الجرذان التي تتسلل بين خيام المهاجرين لسرقة ما بقي من طعام هناك. مشهد مروع اختصر قسوة الواقع الذي يعيشه ليس فقط المهاجرون الشباب، وإنما أيضا بعض العائلات التي وصلت حديثا إلى كاليه ولم تجد مكانا آخر غير تلك الغابة الموحشة. 

يقول الشاب الإيراني إحسان الذي يقيم في الغابة مع عائلته منذ بضعة أيام "الوضع لا يحتمل هنا. لا نشعر بالأمان، خاصة وأن معي ابنتي الصغيرة التي لم يتجاوز عمرها ثلاثة أعوام". 

في مدينة كاليه التي تعج بالأسلاك الشائكة أينما نظرت، هناك من مضى على وجوده أعواما طويلة، وهناك من وصل حديثا، لكن السياسة التي قررت السلطات اتباعها منذ نحو عام تتجه إلى المزيد من التشدد، فعمليات تفكيك المخيمات العشوائية التي تتوزع على أطراف المدينة لا تزال قائمة بشكل شبه يومي، "يريدون إنهاكنا والتخلص منا بهذه الطريقة. لسنا خائفين من الشرطة، نحن نطالب بحقوقنا في العيش الكريم"، يقول التشادي أحمد قبل أن يقاطعه صديقة ساخرا "لسنا خائفين من الموت! ولا حتى من التنين الكبير مقابل الشاطئ". يضحك كلا الشابين ويدخلا إلى خيمتهما ليحصلا على قسط من الراحة قبل أن يحين موعد محاولتهما الجديدة للعبور إلى بريطانيا. 


 

للمزيد