مخيم Rue des Huttes على أطراف مدينة كاليه شمال فرنسا. الصورة: مهدي شبيل/مهاجر نيوز
مخيم Rue des Huttes على أطراف مدينة كاليه شمال فرنسا. الصورة: مهدي شبيل/مهاجر نيوز

أراد الوقوف بوجه القمع، فخرج في مظاهرات تنادي بالحرية وتطالب بحقوق أقلية الأحواز في إيران، فقوبل بالعنف وفقد ساقه اليمنى. يعيش جواد الخمسيني حاليا في المخيمات العشوائية على أطراف مدينة كاليه شمال فرنسا، بانتظار الفرصة التي تمكّنه من الذهاب إلى الأراضي البريطانية.

 أردت نيل الحرية في بلدي لينتهي بي الأمر في غابة كاليه، أحاول إكمال حياتي بساق اصطناعية وشظايا رصاصة اخترقت بطني، في انتظار الوصول إلى الأمان.

هتفت لنيل حقوقي وتحقيق مطالب شعبي، شاركت في مظاهرات سلمية ورفعنا شعارات ضد الظلم والقمع التي تمارسه السلطات الإيرانية ضد الأحواز، قابلونا بالعنف والطلقات النارية، إلى أن أصبت برصاصتين عام 2010 وفقدت ساقي اليمنى.

تعرض الكثير من الناشطين إلى الاعتقال والاختفاء القسري، ووجدت نفسي مجبرا على ترك بلادي نظرا لأني كنت ناشطا سياسيا وأعمل كصحافي مع وسائل إعلام مختلفة. [منظمة العفو الدولية - إيران: اعتقال المئات في حملة قمع شرسة على العرب الأحوازيين]

قررت الذهاب إلى تركيا، فلم أكن أرغب بالابتعاد كثيرا عن مدينتي ومسقط رأسي، وعزمت على متابعة عملي في الصحافة وما كان للعنف والقمع إلا أن يزيدا من عزيمتي وإرادتي في كشف الانتهاكات. وكنت أحاول دائما كبت الخوف الذي يتسلل إلى أعماقي، لأني كنت وما زلت أحلم بالحرية والعدالة.

مضت الأيام والأشهر والأعوام وأنا أحاول إيجاد التوازن بين عملي وإعالة زوجتي وطفلتي الصغيرة، وكانت الأمور تسير بشكل مقبول بالنسبة لي، حتى منتصف شهر تموز/يوليو عام 2016، تاريخ محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا.

تغيّرت الأحوال كثيرا في تركيا حينها، وازداد التضييق على عمل الصحافيين والمنظمات الإنسانية، وبدأت أتعرض للمضايقات أنا وعائلتي. أيقنت حينها أني لن أستطيع إكمال عملي دون تعريض حياتي وعائلتي للخطر، فكان الرحيل أمرا لا مفر منه.

كنت أكره أن أرى ابنتي وهي تكبر بعيدا عني

الوجهة الثانية كانت إلى أوروبا، كنت أبحث عن الأمان وعن بلد يحترم حقوق الإنسان.

كغيري من آلاف الأشخاص، قررت عبور البحر للوصول إلى اليونان، فأخذت القارب وحيدا وتركت زوجتي وطفلتي. كنت أخطط للم شملهم بطريقة نظامية، فأنا أب وزوج وأخاف على حياة زوجتي وطفلتي.

وصلت إلى جزيرة ليسبوس، الوضع كان مريعا هناك، كنت على علم بأن الوضع ليس جيدا لكني لم أتخيل مدى قباحة الحياة هناك وقسوتها. بدأت خوض دوامة إجراءات تقديم طلب اللجوء أملا بأن تنضم لي طفلتي التي لم يتجاوز عمرها خمسة أعوام، كنت أكره أن أرها وهي تكبر بعيدا عني، دون أب يعطف عليها ويحميها.

مع مرور الأيام وتعقيد الإجراءات الإدارية وتدهور الأوضاع في مخيم موريا، لم يكن أمام عائلتي سوى المجيء عبر البحر، ولحسن الحظ وصلا بسلام. وهنا بدأت معاناة من نوع آخر، فالحياة اليومية وأبسط الأمور المعيشية كانت في غاية الصعوبة ولم يكن هناك حل يلوح في الأفق، فعلمت أن عليّ التحرك والتوجه إلى دولة أوروبية.

تركت جزيرة ليسبوس، وتركت عائلتي خلفي، أملا بأن أصل سالما إلى أوروبا الوسطى وأقوم بإجراءات لم الشمل.

قطعت سهولا وأنهارا، وأمضيت عدة أشهر في الجبال رغم حالتي الصحية، إلى أن وصلت إلى إيطاليا، لكن بالطبع بعد كل هذا العناء لم أكن واثقا من نظام اللجوء في إيطاليا وقررت الذهاب إلى فرنسا.

هل سأحصل على نهاية سعيدة؟

وصلت إلى فرنسا منذ بضعة أشهر، رأيت كيف يعيش الكثير من المهاجرين مشردين في الشوارع وأخبرني أصدقائي أن تقديم اللجوء هنا يأخذ وقتا طويلا ولا شيء مضمون. حقيقة الأمر أني أشعر بالخوف هنا، لا أشعر بالأمان في فرنسا في ظل وجود جماعات تدعم الحرس الثوري الإيراني ولا أعلم ما الذي قد يفعلونه بي إن علموا بوجودي هنا.

صممت على الذهاب إلى بريطانيا، لهذا جئت إلى كاليه أملا بعبور بحر المانش، لكن الحياة هنا في غابات كاليه تدفعنا إلى حالة من الهستيريا. الشرطة تأتي كل يومين عند الصباح الباكر وتخلي الخيام، وأصبح روتيني المعتاد أن أقف على طرف الشارع في الصباح أراقب عناصر الشرطة وهي تبعد الخيام عن الغابة، هذا الأمر منهك لكني لن أستسلم.


أحاول ترتيب أمور العبور إلى بريطانيا عبر بحر المانش، أعلم أن ذلك خطير لكني لا أستطيع تخيّل نفسي مختبئا في الشاحنة، فالمراقبة مشددة والكثير يموتون اختناقا في الشاحنة.

رغم كل هذه الصعاب، لم أنس أهلي وقضيتي ولا أزال منشغل التفكير بما يحدث هناك، أحاول من وقت لآخر نشر بعض المقالات ومتابعة التطورات والأخبار، وكلما سنحت الفرصة لي، أفتح هاتفي المحمول وأكتب مواد صحافية على هاتفي لأرسلها للنشر، لكن عليكم أن تتخيلوا مدى صعوبة الكتابة في هذه الغابة الموحشة.

رغم البرد والجوع، ما زال لدي ما يكفي من الأمل حتى أستطيع تخطي هذه المرحلة وأصل إلى بريطانيا حيث لدي أقارب وأصدقاء بانتظاري أنا وعائلتي، فهل سأحصل على هذه النهاية السعيدة؟ الإجابة تكمن في المستقبل.

 

للمزيد