أرشيف
أرشيف

في إطار التحقيقات المتوالية حول وضع المهاجرين في السجون ومراكز الاحتجاز في ليبيا، مهاجر نيوز تواصل مع مهاجران سودانيان أكدا تعرض المهاجرين في سجن الزاوية لأهوال لا توصف. مهاجر نيوز تواصل مع السجن المذكور منتحلا صفة وهمية، وحصل على تأكيد بأنه على المهاجرين دفع مبالغ مالية قد تصل إلى 1700 يورو من أجل أن يطلق سراحهم.

محمد، مهاجر سوداني في العقد الثالث من عمره، شاءت الأقدار أن يأتي إلى ليبيا بهدف تأمين طريق هجرة عبر البحر إلى أوروبا.

محمد، كالكثير من المهاجرين السودانيين الآخرين، وقعوا ضحايا المهربين وتجار البشر في البلد الذي مزقته الحروب.

"عام 2017 كانت محاولة الهجرة الأولى لي"، يقول محمد لمهاجر نيوز، "تم اعتراض قاربنا بعد انطلاقنا بفترة قصيرة، وأعادونا إلى ليبيا، تحديدا إلى سجن الخمس. لم أمكث هناك طويلا، خرجت بعد بضعة أسابيع".

"محاولتي الثانية كانت في 2018، اعترض قاربنا مرة أخرى وأعادونا إلى البر. حينها أودعوني سجن غرابوللي. أيضا هذه المرة مكثت بضعة أسابيع وخرجت...".

يسرد محمد تفاصيل حياته متنقلا بين المدن الليبية الساحلية بحثا عن أعمال يومية تخوله جمع المال المطلوب لرحلته المقبلة إلى أوروبا، "العمل ضروري لنتمكن من جمع الأموال الكافية للهجرة. الحياة في ليبيا مستحيلة، لا بيت لا عائلة لا أصدقاء لا أمان. حتى هاتفي الخلوي أخشى التحدث به في الشارع كي لا أتعرض للملاحقة من مسلحين ليأخذوه مني".

يعود ليكمل "في 13 أيلول/سبتمبر الماضي، انطلقت بمحاولتي الثالثة للوصول لأوروبا، لكننا لم نوفق. تبعنا زورق لخفر السواحل الليبي، أوقفنا بعد حقل البوري النفطي. المسلحون على الزورق أطلقوا النار تجاهنا، اقتربوا من قاربنا واصدموا بنا من الخلف. أحد المهاجرين سقط من القارب مباشرة تحت زورق الخفر، قتل على الفور".

"اقتادونا إلى البر، إلى سجن الزاوية مباشرة. فتشونا، أخذوا ما لدي من أموال، كان معي حوالي 500 يورو، حتى هاتفي الخلوي أخذوه. الضرب لم يتوقف في الزاوية بتاتا، السب والشتم والإهانات أيضا. بعض أصدقائي بقوا في الزاوية، أنا كنت من الذين حالفهم الحظ وخرجوا من ذلك الجحيم إلى جحيم آخر. نقلوني إلى مركز إيواء النصر في طرابلس في 15 أيلول/سبتمبر. ثم إلى سجن صغير في طرابلس، لا اسم محدد له، أعتقد أنه من المراكز السرية لاحتجاز المهاجرين. بقينا هناك لمدة 11 يوما، حينها تمكنا من خلع الباب والهرب... أنا في طرابلس، أتنقل بين المناطق المختلفة، صديقي مازال في الزاوية، اشترطوا عليه دفع مبلغ 2500 دينار لإطلاق سراحه. يتعرض وغيره للتعذيب اليومي كي يدفع".

"فدية" مقابل الحرية

هارون، مهاجر سوداني آخر في ليبيا، خرج مؤخرا من سجن الزاوية بعد أن دفع "فدية". قصته لا تختلف عن محمد، إلا في الزاوية، "أنا بقيت في الزاوية، في القسم الداخلي البعيد عن أعين المنظمات والوفود التي تزور السجن بشكل دوري".

"ما أن دخلنا السجن حتى جاءنا رجل مصري يدعى محمد، مباشرة طلب من كل منا مبلغ 2700 دينار ليبي (حوالي 1700 يورو) من أجل إطلاق سراحنا".

وفقا لهارون، يعمل ذلك المصري، مع الميليشيا المسيطرة على السجن، وهو المسؤول عن موضوع التحويلات المالية والاتفاق مع المهاجرين على طرق الدفع.

يقول هارون "في البداية قلنا له إننا لا نملك هذا المبلغ، وحتى وإن اتصلنا بأهلنا لن يستطيعوا تأمينه. طبعا لم يلتفت لنا، وكان يقول -إما الدفع أو البقاء هنا، أنا لا حيلة لدي أنا أنفذ ما يطلبه الضابط مني-".

وحسب هارون، ضابط السجن، ويدعى محمد القصاب، لم يتحدث معه أو مع أي من المهاجرين بموضوع الأموال، كان دائما المصري من يتكفل بذلك.

ضابط كبير ينسق عمليات إطلاق سراح المهاجرين

"بعد مرور أكثر من شهرين على مكوثي أنا وأصدقائي هناك، جاءني أحد السنغاليين العاملين مع الميليشيا ويدعى الراستا. هذا الرجل مشهور جدا، ويتحدث العربية والفرنسية بطلاقة، وعرض علي التواصل مع الضابط الكبير المسؤول عن قرار إطلاق سراحي أنا وأصدقائي. طبعا الراستا كان بحوزته هاتف خلوي. طلب رقما على الهاتف وأعطاني إياه...".

حاول هارون التفاوض مع الضابط على الطرف الآخر من الهاتف، وتمكن من الحصول على حسم بعد طول نقاش. "وافق على أن يدفع كل منا ألف دينار مقابل إطلاق سراحنا. مباشرة اتصلت بأخي، وهو يسكن في طرابلس وطلبت منه تأمين المبلغ. في اليوم المحدد، جاء الضابط بشخصه، لم يعرف عن نفسه، اصطحبنا بسيارته إلى كوبري الزاوية، حيث كان أخي ينتظرنا. بعد أن استلم الأموال أطلق سراحنا، ومباشرة توجهنا إلى مصراته".

وختم هارون قائلا "لا أريد البقاء في ليبيا، أعمل جاهدا لأضمن جمع المبلغ الكافي لرحلتي القادمة إلى أوروبا. المدة القصيرة التي أمضيتها في الزاوية تسببت لي بمشاكل صحية هائلة، لا تبدأ بالفشل الكلوي ولا تنتهي بأمراض الأعصاب. أرجو أن يتمكن جميع المحتجزين هناك من الهرب من ذلك العذاب".

إجراءات خاصة لاستلام الأموال

المهاجران زودا مهاجر نيوز بالرقم الهاتفي الخاص بسجن الزاوية. اتصلنا على الرقم مرتين، في كل مرة أجابنا شخص مختلف. المرة الأولى كان شخص يتحدث بلكنة مصرية واضحة. بعد التعريف بأننا نسأل عن أقرباء موجودين في السجن، وما هي الإجراءات المطلوبة كي يطلق سراحهم، أجابنا الرجل بأنه علينا أن ندفع مبلغ 2700 دينار ليبي، على أن يتم تحديد موعد استلام الأموال والطريقة لاحقا.

اللافت في المكالمتين أن الشخصين المعنيان لم يستوضحا هوية المتصل بشكل تفصيلي، فضلا عن أن أي منهما لم يكن ليبيا (لهجة مختلفة). ولم يتسن لمهاجر نيوز التأكد بشكل دقيق من هويات الشخصين.

في المكالمة الثانية، الشخص على الجهة المقابلة أكد أنه لا حاجة للخوف، كما أنهم يملكون وسائل متعددة لاستلام الأموال حتى لو لم يكن هناك أحد من أقارب المهاجرين في ليبيا، دون أو يوضح أو يشرح تلك الطرق، "أحتاج بضعة أيام لتسوية الموضوع، بعدها تتصلون بي وتزودوني بأسماء أقاربكم، ثم أخبركم بالطريقة التي سترسلون الأموال بواسطتها إلينا".

الجدير بذكره هنا هو أن السلطات الإيطالية قامت بتوقيف ثلاثة أشخاص، مصريان وغيني، في صقلية، بعد أن حصلت على إفادات من عدد كبير من المهاجرين الذين تعرفوا عليهم بأنهم كانوا ضمن "العصابة" التي كانت تحتجزهم في سجن الزاوية.

وكان هؤلاء قد وصلوا إلى صقلية ضمن موجات الهجرة القادمة من ليبيا،

ووفقا لمحضر توقيف المشتبهين الثلاثة، فإنهم كانوا مسؤولين عن ضرب المهاجرين وتعذيبهم، حتى أنهم كانوا شهودا على وفاة بعض المهاجرين نتيجة التعذيب.

وحسب الشرطة الإيطالية، كان يتم تسليم كل شخص غير قادر على دفع الفدية في سجن الزاوية إلى مهربي البشر "لاستغلالهم جنسيا أو في الأعمال الشاقة، أو لقتلهم".

 

للمزيد