مهاجرون خارجون من مركز الاحتجاز المؤقت في لامبيدوزا. المصدر: مهدي شبيل
مهاجرون خارجون من مركز الاحتجاز المؤقت في لامبيدوزا. المصدر: مهدي شبيل

خلال رحلة إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية التقى مهاجر نيوز بعدد من المهاجرين التونسيين الذين وصلوا إلى الجزيرة بعد رحلة شاقة في البحر. مهاجر نيوز سأل هؤلاء المهاجرين عن الأسباب التي دفعتهم للهجرة وكانت هذه أبرزها.

بدأت قصتهم قبل عبورهم البحر وهي كما يقولون ليست قصتهم فحسب وليست حديثة العهد. هي قصة تونسيين آملين بالوصول إلى أوروبا، إما للبحث عن فرص حياة أفضل أو للهرب من مشكلات اجتماعية أو لأن أوروبا حلم قديم رافق طفولتهم ومراهقتهم وشبابهم ولا بد أن يتحقق.

ستة أصدقاء اعتادوا الالتقاء في أحد مقاهي مدينة جرجيس التونسية الساحلية. كغالبية شبان المنطقة، حاول الستة حياكة خطة توصلهم إلى أوروبا. تنتهي لقاءاتهم عادة كما تبدأ، ليعود كل منهم إلى منزله بخفي حنين. ولكن لقائهم الأخير في أيلول/سبتمبر الفائت كان مجدياً، إذ قرر الشبان على إثره عبور البحر بأسرع وقت. أخبر كل منهم صديق أو أكثر ممن يعيشون في الحي. دفع كل منهم ما استطاع من نقود، وبمساعدة شخص من خارج المجموعة يعمل في شراء المراكب، اشترى لهم مركبا بسعر 12 ألف دينار تونسي. حصل الأصدقاء على القارب. اجتمعوا بعدها بعدة ليال، استقلوه بمتاع قليل وبعض النقود وتطبيقات هاتفية للملاحة لاستخدامها في الإبحار، وانطلقوا بمغامرتهم ليصلوا بعد 30 ساعة إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية.

هؤلاء الأصدقاء قاموا بشراء القارب بأنفسهم وأحكموا الخطة. هناك آخرون ممن التقينا بهم وصلوا إيضاً إلى لامبيدوزا قادمين من مدن تونسية أخرى بطرق مختلفة.

سعياً للم الشمل مع العائلة "الهجرة فرقت العائلة"

يوسف العشريني باسم المحيا صغير العينين، كان من بين شبان المجموعة التي اشترت القارب. عمل في عدد من المهن منذ صغره وحاول عبور البحر تسع مرات، أولها كانت خلال مراهقته. سبب خروجه آنذاك كان للقاء والده المحتضر في فرنسا، ولكنه لم يستطع. توفي والده وهو أعيد في المرات الثمانية الماضية إلى جرجيس. إخوة يوسف في فرنسا، وأمه تذهب وتأتي إليهم فلديها تأشيرة، وهو الوحيد في العائلة الذي لا يستطيع. يقول الشاب وقد غابت ضحكته وبدا شاردا "الهجرة فرقت العائلة، بقيت مع أمي وأخوتي مع أبي في فرنسا. لم أتمكن من رؤيته ولا حتى زيارته. حاولت تسع مرات ووصلت بعد فوات الأوان. حياتي هناك لم تجني ثمارها، عملت مزين شعر ودهان وكانت لي دكان صغيرة تعرضت للحرق أكثر من مرة. في المرة الأخيرة قررت أنه عليّ المغادرة نهائياً". يأمل يوسف أن يجد عملا ما في أوروبا ليستطيع تأمين وضعه وتأسيس أسرة مع حبيبته التي بقيت في تونس.

جمال قدم في زورق منفصل عن يوسف لينضم إلى خطيبته التي غادرت منذ سنتين إلى إيطاليا كمهاجرة، "حالتها النفسية تزداد سوءا يوما بعد يوم، كان علي المغادرة لنكون سويا فهي بحاجتي وأنا أيضا". جمال في بداية الثلاثينيات، يتكلم ويبدو على ملامحه القلق، لم يرغب في الإفصاح عما يجول في رأسه فالرحلة أتعبته ويشعر بالخجل من البوح بالأسباب الأخرى التي دفعته للمغادرة، يشتكي من الوضع الاقتصادي السيء في مدينة جربا، فيومئ شابان توسطهما جمال بالإيجاب. ويكمل بأن مشكلة عائلية تطارده في تونس وحبيبة تنتظره على الطرف الآخر كانا دافعه للمغادرة.


لديك نقود تعيش ليس لديك لا تعيش، المعادلة في تونس بسيطة


محمد قدم من صفاقس، عمل في المطاعم ليعيل أسرته منذ المراهقة. خجول، شديد الهدوء ومنفصل دائماً عن المجموعة التي خرجت من مركز الاحتجاز للتجول قرب ميناء لامبيدوزا المضيء. أمل محمد بتكوين أسرة في صفاقس، إلا أن وضع الشاب الثلاثيني المادي لم يسعفه فكان الحل الأول هو أوروبا.

لم يأت في قارب صغير مع أصدقائه كيوسف أو جمال. جاء في قارب كبير مع أشخاص عرفهم في الحي ولكن لم يكونوا أصدقاء له، إلا أن رحلة استمرت لأكثر من 30 ساعة وطدت علاقته مع بعضهم. أربعة من الشبان الذين عرفهم تشاركوا معه ببضعة أحلام ما لبثت أن تحولت في نهاية الرحلة إلى كوابيس، فالأصدقاء غرقوا واحدا تلو الآخر. محمد لم يستطع تخطي الموقف، قال إنه يحلم بما حصل كل يوم ولا يزال الأمر مؤرقاً، إلا أنه مستمر في سعيه للوصول إلى وضع اقتصادي أفضل، "هناك ظلم، لديك نقود تعيش، ليس لديك لا تعيش، المعادلة في تونس بسيطة. حتى العدل والقضاء والمؤسسات وكل شيء. اعتدت البقاء وحدي للتفكير، تونس جيدة ولكن هناك ظلم كبير، نحن مجبرون على المغادرة."

مكرم الثلاثيني ذو العينين العسليتين والابتسامة المتهكمة وصل إلى لامبيدوزا مع مجموعة منفصلة. تعرض قاربهم لحادث ولكن تم إنقاذ الجميع. قدم بداية في عام 2009 مختبئاُ داخل سفينة سياحية. وصل إلى بيزا الإيطالية وعمل هناك في عدة مطاعم وفنادق وتعلم اللغة وتمكن من إعالة عائلته، لكن مرض أمه دفعه للعودة. والدته شفيت بعد أربع سنوات وهو أمر دفعه لمحاولة العودة إلى أوروبا عبر البحر في نهاية شهر أيلول/سبتمبر الماضي، "كان الأمر مرعباً، أخاف أن أعود إلى تونس، أخاف لأنني سأركب البحر مجدداً وهذا صعب لكنني سأفعلها. كيف لدولة أن تعيدك إلى مكان أنت مستعد للموت كي لا تعود إليه؟ جميعنا نعاني اقتصادياً وأنا لدي عائلة كبيرة تعتمد علي. بقيت في تونس أربع سنوات، لا يوجد عمل، ليس لدي حتى الحب، ليس لدي نقود كيف أفكر في زواج أو في خطبة، أنتظر إرسالي إلى صقلية، أتمنى البقاء هنا."

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

عمر يبلغ 24 عاما، لا يهمه ما الذي سيفعله في أوروبا. جاء من صفاقس مع صديقه أحمد الذي يصغره بأربع سنوات. لم يخبر الشابان عائلتيهما بعبورهما البحر. يقول أحمد إنه أخبر والدته عندما وصل إلى الجزيرة وفجعت لفعلته. أخبرها أن هذا قدر، سواء الآن أو بعد حين. تأثر الشابان الضاحكان بالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. صور أصدقائهما ممن وصلوا إلى أوروبا، تلك التي ينشرونها كل يوم خلال حفلات راقصة أو عندما يمشون في الشوارع أو يأكلون أو مع أصدقاءهم. وسائل التواصل الاجتماعي كفيسبوك وإنستاغرام عرفت الشابين على أوروبا وجذبتهم إليها حتى باتا لا يفارقان هاتفيهما. ومنذ لحظة وصولهما بدأ الشابان بتوثيق المغامرة التي قاما بها لآخرين لم يأتوا معهما.

يقول أحمد "انغرمت بالجو الذي يعيشونه بعد وصولهم، أتكلم مع الأصدقاء عبر الكاميرا، أرى بينهم أصدقاء جدد، أشاهد الشوارع والحفلات والمطاعم. بعضهم يتزوجون والبعض الآخر يجلسون مع فتيات حسناوات. اعتادوا مهاتفتي في تونس وإرسال الصور وهذا ما أريد فعله، هذا شكل الحياة الذي أريد أن أعيشه". الشابان يحبان الميكانيك، لم يتما الدراسة واتجها للعمل في سن صغير كالعديد من شبان صفاقس وجرجيس وجربا الذين التقى بهم مهاجر نيوز. يقول عمر "نرى كل شيء، الكل يتصور، ميكانيك فن مشروب كل شيء".

لا ينتظر الشابان أحد، ولا يعرفان ما الذي سيفعلانه بالضبط ولا معلومات لديهما عن أوضاع المهاجرين القادمين إلى فرنسا، فهذه غايتهما الأولى إلا أنهما مصران على إتمام المغامرة مجهولة المصير.

حكيم يصغر عمر ويكبر أحمد، تأثر قليلا بوسائل التواصل الاجتماعي، ولكن ما دفعه للمغادرة هو أمر ليس بيده. الفكرة مزروعة في رأسه منذ طفولته. تخرج من معهد تقني ولا يريد البحث عن أي عمل في جرجيس، فهو توصل إلى نتيجة أن لا عمل هناك. يراقب تعامل الآخرين وخبرتهم مع ما يجري ويراهم راحلون، لذا قرر اختصار الوقت والذهاب "الدولة لا تدعم ولا تشجع، يتم احتكارك من قبل الدولة. الشرطة تسيء معاملتنا، الشباب يتخرج دون عمل، كبرت على هذه الوقائع". الشاب الهادئ ذو البشرة السمراء، يقول إن أبيه وأخيه السمراوين يتعرضان للعنصرية بسبب لونهما، لكنهما لم يغادرا.


 "العنصرية هي التي دفعتني للمغادرة"

على عكس عائلة حكيم، غادر مرزوق تونس بسبب العنصرية. بلغ الـ28 بعد وصوله إلى لامبيدوزا بيوم واحد. لم يحتفل ولكنه كان سعيداً، فهي المرة الأولى التي لم يلمح فيها أي نظرة لم تعجبه. هو من عائلة ذات أصول أفريقية، تعرض في حياته للكثير من المعاملة السيئة بسبب لون بشرته، وكان هذا دافعه الأوحد لمغادرة بلده. لم يغادر وحده، فمعه غادر أسامة صديق طفولته، الأسمر الآخر قليل الكلام يقول أن العنصرية هي التي دفعته أيضاً، كانا من بين الستة الذين خططوا لعبور البحر ووصلوا إلى لامبيدوزا في نهاية الشهر التاسع سينتقلان بعد صقلية إلى مكان آخر في أوروبا.

 آخر من ركب على متن زورق الأصدقاء الستة ومن معهم كانت فتاة قاصر يقول يوسف، "أوكلت أمها مسؤوليتها إلينا ونحن وافقنا، فكانت أختاً بيننا. بدا أن وضعها صعب ولم يعطوها تأشيرة إلى فرنسا لهذا عمدت إلى الذهاب عن طريق البحر. الفتاة أصبحت في فرنسا وهذا أفضل لها". يكمل يوسف بأن الحقيقة هي أن هنالك أيضاً مهاجرات ولهن أسبابهن كما للشبان، وأبرز مشكلات الفتيات هي العادات والتقاليد والضغط الاجتماعي الممارس عليهن، وخاصة في المدن الصغيرة وفي القرى البعيدة. فالمرأة تتعذب دائماً لتحصيل حقوقها، وحتى الحب هو أمر صعب على كثيرات. وينهي يوسف بالقول "نحن بشر ومن حقنا التواجد في أي أرض بشرط أن نعمل وألا نكون عالة على أحد، ولكن من حقنا أن نعامل باحترام ونكون حيثما أردنا ببساطة."

 

للمزيد