مشهد عام لمخيم فاتي على جزيرة ساموس اليونانية، 1 كانون الأول/ديسمبر 2019. شريف بيبي/مهاجر نيوز
مشهد عام لمخيم فاتي على جزيرة ساموس اليونانية، 1 كانون الأول/ديسمبر 2019. شريف بيبي/مهاجر نيوز

تستمر أوضاع المهاجرين على الجزر اليونانية بالتفاقم، مع غياب بوادر الحلول القاضية بإنهاء معاناتهم. مهاجر نيوز توجه إلى مخيم فاتي على جزيرة ساموس، المقابلة لمدينة إزمير التركية، ليطلع عن كثب على أوضاع المهاجرين هناك.

مشهد خلاب يطالع الواصلين إلى جزيرة ساموس اليونانية. شواطئ ذهبية، منازل مبنية على الطراز اليوناني التقليدي، موانئ سياحية تحتل واجهات الجزيرة المقابلة لمدينة إزمير التركية. طرقاتها الجبلية تطغى عليها أشجار الزيتون والتين والعنب، لافتات ترحيبية وأخرى إرشادية للسواح تدلهم على المعالم الأساسية على الجزيرة.

ذاع صيت ساموس منذ القدم، فهي مسقط رأس عالم الرياضيات الشهير بفيثاغورس، كما أنها كانت المكان الذي اختاره المؤرخ اليوناني هيرودوتس ليقضي فيه بقية أيامه. لساموس أيضا حصتها من الميثولوجيا الإغريقية القديمة. فهي، وفقا للأسطورة، مسقط رأس هيرا، إلهة الزواج والنساء لدى الإغريق.

كل هذا ومازالت الجزيرة لم تكشف كافة أسرارها. منذ 2015، مع بلوغ أزمة تدفق المهاجرين على أوروبا ذروتها، كان للجزيرة حصة وازنة منهم. آلاف مروا عبرها باتجاه البر اليوناني، طامحين لاستكمال رحلاتهم إلى دول أوروبا الغربية. مع تطور أزمة اللجوء، تحولت الجزيرة من ممر إلى مستقر للكثير من هؤلاء المهاجرين. السلطات أنشأت مخيما في عاصمة الجزيرة، فاتي، يتسع لنحو ثلاثة آلاف شخص، لمواكبة تدفقات المهاجرين وتأمين أماكن مناسبة لهم للسكن.

افتتح مخيم فاتي في شباط/ فبراير 2016، كمركز طوارئ لاستقبال وتحديد هوية طالبي اللجوء. ويخضع الخيم لإدارة الحكومة اليونانية بمساعدة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

ويقع المخيّم على سفح جبل مطل على بلدة فاثي، في قاعدة عسكرية سابقة مصممة لاستيعاب ما لا يتجاوز 648 سريرا ومحاطة بجدران إسمنتيّة وأسوار لمجابهة الأعاصير، تعلوها الأسلاك الشائكة، إلى جانب أضواء كاشفة مثبتة على أعمدة طويلة تبقى مضاءة طوال الليل.

يقع مخيم فاتي على سفح جبل مطل على خليج مدينة فاتي السياحي، 1 كانون الأول/ديسمبر 2019. شريف بيبي/مهاجر نيوز

على حافة فقدان الأمل

مع الوقت، ارتفعت أعداد المهاجرين على الجزيرة بشكل جذري، حتى لامست عتبة 7,500 شخص. المخيم لم يعد يحتمل الأعداد الإضافية، فبدأ المهاجرون بالانتشار على سفح الجبل المقام عليه المخيم. كيفما نظرت ستجد خيما بيضاء وزرقاء وخضراء متناثرة بين أشجار الزيتون. مخيم جديد غير رسمي افتتحه المهاجرون بأنفسهم واعتادوا تسميته بـ"الغابة".

ما من خدمات هناك، ما من بنى تحتية، ما من أراض مناسبة لإقامة الخيم. مهاجر نيوز عاين المخيم أثناء الشتاء، المياه تقتحم الخيم بدون استئذان، الرياح تعبث بسقوفها المصنوعة من أكياس النايلون، القوارض والحشرات اعتادت الاختباء داخل تلك الخيم هربا من السيول في الخارج. الحقيقة هي أن هذا المكان لا يصلح لإقامة البشر.

خلال التجول في المخيم، تتكشف فصول مختلفة من المعاناة البشرية. أطفال حفاة يلهون وسط الوحول، أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة يجلسون قبالة خيمهم يتأملون السماء، نساء تحملن ثيابا إلى صنبور الماء الوحيد الموجود في تلك الناحية من المخيم لتغسلها على يدها... آمنة، مهاجرة عراقية من الموصل، قالت لمهاجر نيوز إنها "لو علمت بهذا الحال ما كنت جئت، كنت فضلت الموت في العراق على هذه الحياة. أنظروا إلينا هنا، هل هذه هي أوروبا، هل هذه هي حقوق الإنسان التي يتغنى بها الأوروبيون. جميع من في هذا المخيم باتوا على حافة فقدان الأمل، جئنا طمعا بحياة أفضل، فخسرنا ما كان لنا وربما مستقبلنا. كيف سأفسر لابني (6 أعوام) ما حصل لنا في المستقبل".

تنتشر النفايات بين الخيم بشكل كثيف، حتى باتت تشكل خطرا داهما لناحية انتشار الأمراض والأوبئة والقوارض، 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2019. شريف بيبي/مهاجر نيوز

حال آمنة ينطبق على الجميع هناك. أحمد، مهاجر سوري من إدلب قال لمهاجر نيوز إن السلطات لا تريد الاعتراف باحتياجاتهم، "النفايات تأكلنا، انظروا حولكم. ما من بنى تحتية مناسبة، حتى حماماتنا اضطررنا لبنائها بأنفسنا. القوارض تحكم المخيم ليلا، أنا نفسي أخشى الخروج من الخيمة ليلا للحمام. أطفالي مرضى طوال الوقت. ذهبت مرارا للطبيب المعين في المخيم لنا، وبالمناسبة هناك طبيب واحد فقط لكل المخيم. كل ما أعطاني إياه لأطفالي كان حبوب مسكنات. أقسم لك لو عرفت بهذا الوضع هنا لما تركت بلدي من البداية".

شراء الخيام

المهاجرون في المخيم يتدبرون أمورهم بأنفسهم. الوافدون الجدد لا مكان لهم في المخيم الرئيسي، فبع المقابلة الأولية التي يجرونها لدى وصولهم للمخيم، يطلب منهم رجال الشرطة الخروج، "بعد أن انتهى من أخذ بياناتي، قال لي برا، بالعربية، لم أعرف إلى أين أذهب. تدبرنا أمرنا تلك الليلة حتى الصباح، إلى أن تمكنت من شراء خيمة تأوينا أنا وعائلتي"، قال أحمد.

لتتمكن من السكن في المخيم، عليك شراء خيمة. قد تتمكن من شراء واحدة مبنية أصلا، أصحابها تمكنوا من مغادرة المخيم إلى أثينا، أو تتوجه إلى مجموعة من الشباب ممن يجلبون المواد الأولية لبناء تلك الخيم، أو الأكواخ، لتشتري منهم تلك المواد. الموضوعان مختلفان، مهاجر نيوز تحدث مع أبو محمد، مهاجر قادم من غزة يملك "المنجرة" الوحيدة في المخيم. بالنسبة لأبو محمد، "أي نشاط إلا الجلوس والقيام بلا شيء. تعرفت إلى تاجر أخشاب، أستلم منه البضاعة بأسعار جد رمزية، آتي بها للمخيم لأبيعها للمحتاجين بنسبة أرباح تمكنني من تغطية تكلفة النقل ومصاريف حياتي اليومية".

مجموعة من الشباب الفلسطينيين والسوريين والعراقيين يتحلقون حول المنجرة. منهم من يكدس الأخشاب، آخرون يساعدون العائلات في بناء أكواخها، "جميعنا هنا مدرك لفداحة الوضع" يقول أبو محمد، "إذا ما وقفنا مع بعض لن نتمكن من اجتياز هذه المحنة، وبعيدا عن الهويات والعرقيات والإثنيات".

أحد الأكواخ التي يساهم شباب من المخيم ببنائها للعائلات التي تبحث عن مأوى، 30 تشرين الثاتي/نوفمبر 2019. شريف بيبي/مهاجر نيوز

هذا الأمر لم ينطبق على أم أحمد، اللاجئة الفلسطينية القادمة من مخيم اليرموك في دمشق. "عندما وصلت أنا وأولادي، دلني شخص ما على هذه الخيمة التي أقيم بها، وقال لي إنها لصومالي وثمنها 300 دولار أمريكي. بعد قليل جاء الشخص المعني بها ودفعت له ثمنها... مؤخرا بت أستلم رسائل ومكالمات تهديدية من شخص سوري قال إنه في أثينا وادعى أن الخيمة له، وأنه يريد ثمنها أو أنه سيحضر شخصيا ليطردني منها. أشعر بالخوف الشديد الآن، فأنا لا أعرف النظام هنا وأخشى أن يحضر هذا الشخص، حينها ما العمل؟ انا وحيدة مع أطفالي ولا قوة لي لمواجهة مافيات بيع الخيام".

عام كامل للخضوع للفحص الطبي

على الرغم من فداحة الأوضاع، إلا أنها ليست هم المهاجرين الأول. الهم الرئيسي هو إتمام المقابلة والحصول على حق اللجوء. ولكن حتى في هذا الملف هناك تعقيدات هائلة.  ألكساندرا باتسيلا، من منظمة محامون بلا حدود، قالت لمهاجر نيوز "هناك آلية لتحديد الحالات الأكثر ضعفا ضمن المهاجرين، ليتم النظر بملفاتهم بشكل أسرع ونقلهم من المخيم إلى البر الرئيسي. المشكلة هي أن تلك الآلية غير واضحة، فضلا عن أن الآليات والقوانين الملحقة بها غير واضحة أيضا".

وتحدثت المتطوعة في المنظمة الحقوقية عن اضطرار الكثير من المهاجرين للانتظار لفترات غير منطقية للخضوع للكشف الطبي الأولي قبل مقابلة اللجوء، "هناك حالات مازالت تنتظر منذ بداية العام للخضوع للفحص الطبي، آخرون ينتظرون منذ أشهر تحديد مواعيد مقابلاتهم، أعود وأشدد على عدم الوضوح في الآليات المتبعة. مثلا، قالت الحكومة إن قوانين اللجوء ستتغير، وإنها ستقوم ببناء مراكز استقبال مغلقة للمهاجرين على الجزر، حتى الآن لا نعلم ما هي التغييرات الطارئة على قانون اللجوء ولا نعلم ما إذا كان قد تم البدء ببناء المراكز المغلقة. بالنسبة لي هناك ضعف بالتنسيق بين الهيئات الحكومية الرسمية المعنية بهذا الملف".

أبو وسيم، مهاجر سوري قادم من دمشق، مازال ينتظر خضوعه للفحص الطبي قبل أن يبدأ بإجراءات اللجوء، "تقدمت بالطلب في 19 تشرين الأول/أكتوبر من العام الحالي، موعد الفحص الطبي حدد لي في تشرين الأول/أكتوبر من العام القادم، هل هذا معقول. على هذه الحال سأتمكن من الحصول على اللجوء بعد سنوات طويلة من إقامتي في هذا المخيم".

عام كامل بانتظار الفحص الطبي، مخيم فاتي، 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2019. شريف بيبي/مهاجر نيوز

أبو وسيم ليس الحالة الوحيدة هنا، والقاسم المشترك بين الجميع أنه ما من مجيب لأسئلتهم. ألكسندرا باتسيلا أكدت لمهاجر نيوز أن "هذا الوضع للأسف قد يعتبر طبيعيا، مع الأخذ بعين الاعتبار وجود طبيب واحد فقط مسؤول عن معاينة كل هؤلاء المهاجرين، فضلا عن أنه ما من طبيب مختص بالأمراض النفسية ليتابع مع من هم بحاجة. أصلا من هذه الناحية الوضع ليس أفضل بالنسبة للسكان المحليين، ففي كل ساموس هناك طبيب عام واحد فقط، ما يفتح الباب أمام التساؤلات حول سياسات التنمية التي تتبعها الحكومة هنا، ولكن هذا موضوع آخر".

نحاول طبخ طعامنا بأنفسنا

يشكو المهاجرون في المخيم من رداءة الطعام الذي يوزع لهم، فضلا عن طريقة التوزيع التي لا تخلو من الذل والشعور بقلة الحيلة. مصطفى، مهاجر من حلب، جاء مع عائلته إلى ساموس قبل ثلاثة أشهر، قال لمهاجر نيوز إن الطعام لا يؤكل هنا "حاولت في إحدى المرات أن أتذوق بعضا من ذلك الطعام، أصابني تسمم أن وأطفالي. الخبز عفن. كما أنني لو أردت الحصول على ذلك الطعام، سيكون علي الوقوف بالطابور لأكثر من أربع ساعات للحصول على حصتي. لأجل ذلك نحاول طبخ طعامنا بأنفسنا، على مواقد حطب".

وتتوزع حول الخيام مواقد بدائية يستخدمها السكان لطهي طعامهم مستعينين بأغصان الأشجار والأخشاب المتناثرة حولهم.

يقوم سكان المخيم بحف أقنية خاصة للمياه الآسنة بالقرب من خيمهم، 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2019. شريف بيبي/مهاجر نيوز

الوضع داخل المخيم الرئيسي ليس أفضل. صحيح أن السلطات هناك وزعت حاويات جاهزة على المهاجرين، ولكنها بحاجة لصيانة، الحمامات وضعها كارثي. المياه مقطوعة معظم الوقت، والنفايات تسيطر على المشهد.

العلاقة مع السكان المحليين

"في البداية الجميع ساعد"، ثيولوغوس، 60 عاما، سائق تاكسي على الجزيرة منذ نحو 33 عاما. "سكان الجزيرة من كافة المدن توافدوا إلى فاتي، عملنا على تأمين الاحتياجات الأساسية لهؤلاء المهاجرين، خاصة الأطفال. لكن مع تقدم الزمن، بات المخيم هنا عبئا علينا جميعا". يتحدث اليوناني الستيني بنوع من الحسرة والعتب على دول الاتحاد الأوروبي التي تركت بلاده وحيدة بمواجهة تلك الأزمة. "هم يعلمون أن اليونان تعاني من أزمة اقتصادية حادة، لماذا يأتون إلى هنا. لماذا لا تقوم باقي دول الاتحاد بنقلهم من هنا، تواجدهم على الجزيرة عذاب لهم ولنا على السواء".

"سكان ساموس، التي تعتمد على السياحة، وخاصة مدينة فاتي، سئموا من هذا الوضع"، يضيف سائق التاكسي، "في السابع من شباط/ فبراير، أغلق الناس محلاتهم يوما كاملا احتجاجا على الوضع وطالبوا السلطات اليونانية باتخاذ تدابير حيال ازدياد عدد المهاجرين. الكثير من السياح لم يعودوا يأتون إلينا، وهذا انعكس سلبا على أرزاقنا وأعمالنا".

بعض المهاجرين في المخيم اشتكوا من معاملة السكان المحليين السيئة لهم، سيدي بادي، مهاجر من غامبيا، قال لمهاجر نيوز "أينما ذهبت أجد أشخاصا يصرخون بوجهي، حتى الأطفال يلاحقوني ويطلقون علي الألفاظ النابية. وهذا الوضع ليس علي وحدي، بل على الجميع، خاصة المهاجرين الأفارقة. نعلم أن هناك من ضمن المهاجرين أشخاصا قد يكونون سيئين، ولكن لسنا كلنا كذلك، ما نريده هو حياة سليمة وآمنة. إن لم يريدونا هنا فليفتحوا لنا الأبواب وسنغادر مباشرة".

 

للمزيد