فصائل سورية مدعومة من تركيا بالقرب من حدود تل أبيض، في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2019.  الحقوق: رويترز/خليل عشاوي
فصائل سورية مدعومة من تركيا بالقرب من حدود تل أبيض، في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2019. الحقوق: رويترز/خليل عشاوي

عودة اللاجئين السوريين ملف يطرحه الرئيس التركي في مختلف المناسبات. فبعد أن كشف عن نيته إعادة مليوني سوري إلى المنطقة الآمنة شمال سوريا، أعلن أن العمل على إعادة مليون سوري إلى مناطق تل أبيض ورأس العين قد بدأت بالفعل. مخاوف وشكوك حول تلك الخطة ومستقبل السوريين في تركيا.

تصريحات متكررة للسلطات التركية حول إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، كان آخرها إعلان الرئيس أردوغان "بدء العمل على إسكان مليون شخص في مدينتي تل أبيض ورأس العين" شمالي سوريا.

تلك التصريحات تأتي بالتزامن مع "عملية نبع السلام" التي أطلقها الجيش التركي بمشاركة الجيش الوطني السوري في 9 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لإنشاء ما يسمّى بالمنطقة الآمنة على الشريط الحدودي بين تركيا وسوريا. وتمكنت تركيا بالفعل من السيطرة على مناطق بطول حوالي 120 كلم وعمق 30 كلم، بعد أن توصلت أنقرة وواشنطن إلى اتفاق يقضي بانسحاب المقاتلين الأكراد من المنطقة، وأعقبه اتفاق مع روسيا في سوتشي 22 تشرين الأول/أكتوبر.

وفي كلمة له أمام وزراء الشؤون الاجتماعية بمنظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول الاثنين، أوضح أردوغان أنه سيتم تقديم الدعم لإنشاء مناطق سكنية جديدة في الشمال السوري، حتى ولو اضطرت تركيا إلى تمويل ذلك بمفردها، على حد قوله.

تفجيرات وحظر تجوال

لكن الوضع الأمني الحالي غير المستقر يثير تساؤلات حول مدى إمكانية تطبيق تلك الخطة التي يروج لها أردوغان في مختلف المناسبات.

الأسبوع الماضي، الخميس 5 كانون الأول/ديسمبر، انفجرت دراجة نارية في دوار الجوزة بمدينة رأس العين التابعة لمحافظة الحسكة، وتلاه انفجار يرجح أنه لغم أرضي بالقرب من مقر البلدية، أسفرا عن وقوع ضحايا في صفوف المدنيين.

ولم تسلم تل أبيض في ريف الرقة من تلك التفجيرات. ففي بداية الشهر الحالي، انفجرت سيارة قرب محطة وقود "الغانم" في المدينة، راح ضحيتها أكثر من 10 أشخاص من المدنيين وأصحاب المحلات التجارية المجاورة. كما قتل 6 مدنيين على الأقل بانفجار سيارة مفخخة استهدفت مخبزا في منطقة الإسكان في "تل أبيض الجديدة".

المجلس المحلي لمنطقة تل أبيض أصدر الثلاثاء قرارا بمنع التجوال ليلا داخل تل أبيض وبلدة سلوك، من الساعة الثامنة مساء وحتى الخامسة صباحا، ومنع الدخول والخروج من تل أبيض ورأس العين وسلوك بين الحادية عشرة ليلا والخامسة صباحا.





هل هناك عاقل يرغب بالقدوم إلى هنا والتفجيرات تحدث بشكل دائم؟


الناشط الإعلامي محمد يبدي تخوّفه من الوضع الراهن "نحن جميعا خائفين من الانفلات الأمني في المنطقة، إضافة إلى الانتهاكات اليومية التي تحصل بحق السكان، من اعتقالات ومصادرة أملاك ترتكبها بعض الفصائل المسلحة التي تسيطر على المنطقة".

وأكد أمين العبد، ناطق إعلامي باسم المجلس المحلي لتل أبيض، لمهاجر نيوز، أن العمل جار على استعادة الأمن في المناطق التي سادت بها الفوضى في الفترة الأخيرة، "يتم العمل على وضع أجهزة كشف ألغام وحواجز أمنية مكثفة، وفرض حظر التجوال يعد جزءا من الخطة الأمنية التي فرضتها تركيا".

لكن ذلك لا يقنع الكثير من السكان في المدينة، الذين يعيشون واقعا مختلفا لا ينعمون فيه بالاستقرار.

ويبدي الشاب أسعد، وهو من سكان مدينة تل أبيض، استغرابه خلال الحديث مع مهاجر نيوز حول عودة مليون سوري إلى تلك المناطق، "هل هناك عاقل يرغب بالقدوم إلى هنا والتفجيرات تحدث بشكل دائم والضحايا هم من المدنيين؟ نعيش حالة رهيبة من الفلتان الأمني المستمر هنا".

ويوجه رئيس المجلس المحلي للرقة أصابع الاتهام إلى "قوات سوريا الديمقراطية" الكردية بتنفيذ تلك الاعتداءات، انتقاما لإخراجها من المنطقة.

أما فيما يتعلق بالخدمات الأساسية، تعمل جمعية الإغاثة التركية والهلال الأحمر التركي على إعادة تأهيل بعض المدارس والمنشآت الصحية، بحسب الناشط محمد. لكنه يبدي أيضا شكوكه من مدى قدرة تلك المدن على استيعاب الأعداد التي أعلنت عنها تركيا، "ماذا عن القطاع التعليمي والمدارس؟ لا توجد هناك طاقة استيعابية تلبي حاجات من سيعود إلى تلك المناطق".

ووالي مدينة أورفا كان قد قام بزيارة المدينة مؤخرا للإعلان عن تحسين الخدمات وتصليحات الكهرباء، كما أعلن المجلس المحلي عن توفير مادة الطحين بشكل مجاني. لكن أسعد رأى خلال حياته اليومية ما يخالف هذه التصريحات الإعلامية.

"يبلغ اليوم سعر 5 أرغفة من الخبز 100 ليرة سورية، بينما قبل التدخل التركي، كان سعر 10 أرغفة من الخبز 100 ليرة"، بحسب أسعد الذي أشار أيضا إلى أنه يواجه صعوبة بتأمين الحليب لطفله، "الحليب يأتينا عادة من الرقة، لكن قوات سوريا الديمقراطية التي تسيطر على الطريق، لا تسمح بوصول إلا كميات قليلة جدا من الحليب إلينا".

مخاوف من عمليات إعادة قسرية

وفي بداية انطلاق عملية "المنطقة الآمنة"، كان قد أعلن أردوغان عن نيته إرجاع مليوني سوري إلى بلادهم. وتقول أنقرة إن أكثر من 350 ألف لاجئ سوري عادوا بالفعل طوعا إلى بلادهم. لكن المحلل السياسي عبد الناصر العايد يرى أن ذلك الرقم فيه "مبالغة"، ويبدي تخوفه من حدوث عمليات إعادة قسرية للسوريين.

وقال العايد خلال حديثه مع مهاجر نيوز "انتشار الأخبار في الفترة الأخيرة حول حدوث عمليات ترحيل لسوريين من تركيا، ما هي إلا جرس إنذار قبل حصول عملية الترحيل الكبرى". ويبدي أيضا الناشط محمد تخوّفه من المستقبل، وإمكانية "إجبار بعض السوريين القاطنين في ولاية أورفا خاصة، من العودة القسرية إلى مناطق سيطرة تركيا".

رئيس مجلس محافظة الرقة سعد الشويش كان قد أشار لمهاجر نيوز إلى أن "الأهالي الذين عادوا بالفعل إلى مناطق تل أبيض ورأس العين هم من السوريين القادمين من الداخل السوري، خاصة من مناطق جرابلس وأعزاز والباب وعفرين، والعدد الإجمالي يقدر بالآلاف حتى اليوم، وليس مئات الآلاف".

مصالح سياسية واقتصادية

سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، ترى أن "المناطق الآمنة المقترحة من تركيا لن تكون آمنة. خلافا للرواية التركية بأن عمليتها ستنشئ منطقة آمنة، فالجماعات التي تستخدمها لإدارة المنطقة ترتكب انتهاكات ضد المدنيين وتُميز على أُسس عرقية".

وتهدف تركيا من إنشاء المنطقة الآمنة إلى التخلص من الكثافة الكردية الموجودة في مدن شمال سوريا القريبة من حدودها، بحسب العايد الذي يرى أن تركيا "تتبع سياسة الإغراءات عبر تقديم أماكن للسكن وأراض زراعية لإقناع البعض بالاستقرار" في المنطقة التي تسعى للسيطرة عليها، وبالتالي تحقق هدفها من "إفراغ بعض القرى من الأكراد".

ويشير العايد لمهاجرنيوز إلى أن تركيا لها مصالح اقتصادية من المنطقة الآمنة، خاصة "الحركة التجارية عبر معابر باب الهوى والسلامة. إضافة إلى خلق عدة مدن ترتبط بتركيا اقتصاديا، وبالتالي يصبح لتركيا بوابة لشرق سوريا ومصدر لربح الأموال".

إضافة إلى ذلك، حجم مشروعات التشييد المحتملة ساهمت في ارتفاع أسعار أسهم شركات الاسمنت التركية مثل "ماردين للأسمنت" و"أضنة للأسمنت"، مع توقعات فرص استثمارية في المنطقة. ويؤكد العايد أن تركيا بذلك تكون قد أمّنت حصتها من مشاريع إعادة الإعمار خاصة في مناطق حلب والرقة وديرالزور.

 

للمزيد