مخيم فاتي على جزيرة ساموس اليونانية. 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2019. شريف بيبي / مهاجر نيوز
مخيم فاتي على جزيرة ساموس اليونانية. 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2019. شريف بيبي / مهاجر نيوز

مختار المخيم، هذا هو الانطباع الأول الذي يراودك لدى السير مع مصطفى في مخيم فاتي على جزيرة ساموس. شاب غزاوي في العقد الثالث من العمر، يعرف أغلب المهاجرين القاطنين في هذا الجزء من المخيم، أخبر مهاج نيوز جزءا من رحلة هجرته من تركيا إلى اليونان.

"سترة خضراء وبنطال جينز، هذا كل ما تبقى لدي منذ بدأت رحلتي من تركيا"، يقول مصطفى لمهاجر نيوز وهو يبتسم، قبل أن يكمل "طبعا بقي لدي بضعة أشياء أخرى لن أصرح عنها لكم".

اللقاء بهذا الشاب الغزاوي لم يكن اعتياديا، فمن اللحظة الأولى تشعر وكأنك تسير مع مختار مخيم فاتي. الجميع يعرفه، الجميع يحترمه. لدى سؤاله عن المدة التي قضاها في المخيم يجيب "أنا هنا منذ نحو أسبوعين فقط، ولكن علاقتي جيدة مع الجميع هنا. خاصة أولئك الذين جئت معهم من تركيا".

خيمة مصطفى متواضعة، عبارة عن كوخ خشبي بمساحة مترين مربعين، مغلف بشادر نايلون عليه شعار مفوضية اللاجئين. "الحياة هنا صعبة جدا، أكثر مما قد تتخيلون. الحمامات معدومة، الكهرباء غير متوافرة، طرقات المخيم إذا ما أمطرت قليلا تتحول إلى مستنقعات وحول". يستهل مصطفى بحديثه عن حياة المخيم أثناء السير، وهو يرشدنا تارة إلى أطفال يلهون حفاة بين أكوام النفايات، وطورا يعرفنا على رجال ونساء ممن يبادرونه السلام.

"جميعنا هنا، في هذا الجزء من المخيم، نعرف بعضنا جيدا. لا تفرقة هنا بين فلسطيني أو سوري أو لبناني أو عراقي. الكل يعيش نفس الهم". وفقا للمهاجر الغزاوي، التضامن بين المهاجرين هو السبيل الوحيد أمامهم ليتمكنوا من تخطي الظروف المريعة التي يعيشون فيها".

أم محمد، مهاجرة سورية من حلب. جاءت إلى المخيم مع مصطفى، بنفس اليوم. أم محمد لديها أربع بنات وولد واحد. "أنا هنا وحدي"، تقول أم محمد. "زوجي مازال في سوريا، لا أعرف عنه شيئا... لولا مصطفى وشباب آخرين لما تمكنت من الحصول على مكان هنا في المخيم. ساعدوني كثيرا".

يقول مصطفى إنه ومجموعة أخرى من الشبان في المخيم يعملون على تلبية احتياجات المهاجرين الأكثر ضعفا هناك، طبعا ضمن إمكانياتهم المتواضعة. "لدينا آلية لتحديد الحالات الأكثر ضعفا هنا، أقوى من تلك التي لدى السلطات اليونانية"، يضحك ثم يكمل طريقه.

لا أريد التحدث عن تركيا

لماذا تركت تركيا؟، لم يجب عن السؤال، نظر إلينا وأكمل طريقه. عندما أعدنا السؤال مرة أخرى قال بنبرة حادة "لا أريد التحدث عن تركيا. سأقول لك أن الحياة هنا على مساوئها أفضل من الحياة في تركيا".

وجهت نظر مصطفى شاركه بها عدد كبير من المهاجرين في المخيم، فمنهم من تحدث عن استغلال في العمل، آخرون عن اضطهاد بسبب جنسياتهم أو لغتهم، بعضهم تحدث عن ممارسات عنصرية كبيرة مورست بحقهم هناك.

"كل ما سأقوله أنن كنت فرحا جدا لحظة ركوبنا القارب باتجاه اليونان. كنا نحو 60 شخصا، الأغلبية من السوريين، كان معنا أيضا عراقيين وأفغان".

رحلة مصطفى من تركيا إلى اليونان تصلح لأن تكون سيناريو لفيلم درامي. "بعد انطلاقنا من أحد شواطئ إزمير، تعطل محرك القارب. الرعب سيطر على الجميع. قفزت أنا وشاب آخر، سوري، في الماء ورحنا نحاول دفع القارب المطاطي باتجاه اليونان. كل ما كنت أتمناه كان أن لا نصادف دورية لخفر السواحل التركي، فتلك ستكون مصيبة".

يكمل مصطفى "البرد اجتاحني، بعد مدة من الزمن لم أعد أقوى على الاستمرار، سحبوني إلى القارب. الجميع حاولوا تدفئتي، كنت مرهقا إلى حد بعيد... بعد بضعة ساعات وصنا الشاطئ الشمالي لجزيرة ساموس. بعض المهاجرين انطلقوا مباشرة وحدهم باتجاه البر، بقيت أنا وحوالي 45 شخصا، معظمهم من النساء والأطفال. لم أقو على مغادرتهم، فطلبت منهم أن يأتوا معي. قبل خروجي من تركيا كنت قد حملت عددا من الخرائط الخاصة بساموس عبر تقنية تحديد المواقع، خلال المسير استفدت منها كثيرا".

وسائل بدائية للبقاء على قيد الحياة

يكمل مصطفى القصة بكثير من التشويق، خاصة وأنهم ساروا لأكثر من يومين ونصف قبل أن يصلوا المخيم. "خلال المسير نفذت منا مياه الشرب، الأطفال كانوا بحالة مزرية، فهم يحتاجون للماء. حاولت وآخرين بكل ما أوتينا من حيل لتأمين الماء للجميع، استخدمت كل معارفي بحياة الخلاء... قضينا يومين ونصف تقريبا في الغابات، كانت تجربة صعبة وهائلة لا أتمنى أن أكررها".

"عندما وصلنا إلى باب المخيم، لم يصدق رجال الشرطة قصتنا. اقتادوني مباشرة للتحقيق. كانوا يسألوني كيف عرفت أن أقود هذا العدد الكبير إلى المخيم. قلت لهم عن الخرائط ولكن يبدوا أنهم لم يصدقوا. في النهاية لم يكن أمامهم سوى تصديق روايتي، تركوني، قالوا لي إذهب. قلت إلى أين قالوا لا نعرف، إذهب".

تعرف مصطفى إلى مجموعة من الفلسطينيين القادمين من غزة، ساعدوه ليجد خيمة يبيت فيها، "قلت لك في البداية أن التضامن هو سبيلنا الوحيد هنا. كل منا يملك مهارة معينة، نستثمر قدراتنا جميعا لنتمكن من الحياة في هذه الأدغال".

لا يتمنى مصطفى شيئا مميزا، كل ما كان يردده هو "أريد أن أحيا بسلام وهدوء، أريد أن أشعر بأن مستقبلي مضمون. ما من عاقل مرتاح في بلده يفضل الهجرة على البقاء. أنا لم أهاجر لأن تلك هوايتي، ولم أهاجر لأنني أبحث عن عمل أفضل. كل من يخرج من غزة يحلم بالمستقبل. طبعا لدى وصولي هنا اكتشفت كم كنت ساذجا أحيانا، اكتشفت أننا هنا نعامل بهذا السوء فقط لأننا أردنا مستقبلا أفضل... أشعر أحيانا أنه لم يعد لنا مكان في هذا العالم، هل نحن نستحق ما يجري لنا، أم أن العالم أدار ظهره لأمثالنا وتركنا نموت ببطء؟ لا أعلم...".

 

للمزيد