منذ نهاية التسعينات غرق أكثر من 34 ألف شخص في المتوسط خلال العبور إلى أوروبا
منذ نهاية التسعينات غرق أكثر من 34 ألف شخص في المتوسط خلال العبور إلى أوروبا

"ربما أرواحهم مازالت تجلس في القوارب. أرواحهم الحزينة" أرواح المهاجرين الغرقى في البحر المتوسط، التي يتتبعها فيلم السمكة الغريبة. فيلم للصحفية الإيطالية جويلا بيرتولوزي تتناول فيه حياة صيادين من تونس خلال محاولاتهم إنقاذ المهاجرين من الغرق.

 موسيقى جميلة غريبة تنطلق في افتتاح فيلم "السمكة الغريبة" للمخرجة الإيطالية جويلا بيرتولوزي. الفيلم يتحدث عن غرق مهاجرين في البحر الأبيض المتوسط. في بداية الفيلم تظهر خلفية سوداء، وجملة: "منذ نهاية التسعينات غرق أكثر من 34 ألف شخص في المتوسط خلال العبور إلى أوروبا".

 قضت المخرجة الإيطالية والصحفية بيرتولوزي عام 2017 فترة في بلدة جرجيس التونسية القريبة من الحدود الليبية، حيث يعيش صيادو أسماك مع أسرهم معتمدين على ما يوفره لهم البحر من رزق يومي. صيادون يقضون يومهم في انتظار الذي تأتي به شباكهم من البحر. هناك صورت المخرجة الإيطالية فيلمها الذي أسمته "السمكة الغريبة".

مشاهد في الفيلم تظهر لقطات لجثث ولملابس طافية على سطح البحر. القصة تدور حول الصيادين شمس الدين بوراسين وشمس الدين مرزوق وصلاح الدين محيرك، صيادون من جرجيس أنقذوا آلاف اللاجئين الذين كادوا أن يغرقوا في منتصف البحر. "منذ عام 2002 وحتى 2011 كنا وحدنا في البحر الأبيض المتوسط، نقوم بصيد السمك"، يقول شمس الدين بوراسين لمهاجر نيوز.

 شمس الدين بوراسين

 الموت غرقا

يوضح بوراسين في الفيلم "لم يكن هناك هذا العدد الكبير من سفن منظمات الإغاثة في عرض البحر"، الأمر الذي حملهم مسؤولية إنقاذ الناس من الغرق في تلك الفترة، تقول المخرجة بيرتولوزي، إذ لم يكن يملك هؤلاء الصيادون معدات إنقاذ محترفة. "حتى عندما يتم تدريب المنقذين، من الصعب إنقاذ الناس في البحر" ، تؤكد المخرجة الإيطالية. إذا لم يكن لديك أي تدريب ولم يكن لديك سوى قارب صغير، مليئ بالمعدات التقنية التي تحتاجها لصيد السمك وكسب الرزق، تصبح المهمة أكثر صعوبة". في مثل هذه الأوضاع يشعر الصيادون أنفسهم بالإرهاق وفقدان الأمل حين يحاولون إنقاذ الناس من الغرق.

 "لكنهم يعلمون أفضل من غيرهم كيف هو حال البحر" تقول بيرتوليزي، وتضيف "يجب عليك إنقاذ الناس، الإنسان في البحر هو إنسان ميت. وكصياد أو بحار، هذا هو القانون الذي يحكم إنقاذهم حياة الناس في البحر. غير أن عمليات إنقاذ الناس عملية خطرة، يمكن أن تتسبب في سجن المنقذين أنفسهم".

شمس الدين بوراسين ذهب إلى السجن بالفعل. في أيلول/ سبتمبر 2018 ، تم تصوير القارب الذي يقوده بواسطة طائرة تابعة لفرونتكس تقوم بسحب قارب أصغر باتجاه إيطاليا. بعد ساعات قليلة احتشد خفر السواحل الإيطالي وشرطة الضرائب لاعتراض سفينته. أمضى شهراً في سجن إيطالي ووجهت إليه في البداية تهمة التهريب، وتمت مصادرة قاربه لمدة ثلاثة أشهر. أسقطت التهم عنه في وقت لاحق وهو الآن حر ويعود إلى تونس لكن محاكمته لم تنته بعد.

دخل بوراسين السجن لمدة 28 يوماً، "شاهدت فيه أشياء سيئة" يقول لمهاجر نيوز. ويضيف "يحاولون إيقافنا من مساعدة الناس، تكبيل أيدينا وغلق أفواهنا. لكننا مسلمون لن نتوقف عن مساعدة الناس. بعكس ذلك نحاول في جمعيتنا تشجيع الصيادين الآخرين على إنقاذ الناس في البحر".

السجن لم يردع بوراسين عن إنقاذ المهاجرين من الغرق في البحر. الصيادون في جمعيته تلقوا تدربيات على كيفية مساعدة الناس في البحر، وعلى اتباع برتوكولات معينة. إذ أصبح بمعلومهم الاتصال بحرس السواحل التونسي أولاً، والذي يتحرك لإنقاذ الناس.

شمس الدين مرزوق

 القرصنة

صعبة هي حياة صيادي الأسماك. فلا يسمح لهم بالصيد إلا لأيام معدودة. كما تحدد المناطق التي يسمح لهم بالصيد فيها. حتى نشاط المهربين يقطع أرزاقهم في البحر، لكن رغم ذلك يحاولون دعم بعضهم البعض. بجانب الخوف من الاعتقال بتهم مساعدة المهاجرين، يخشى الصيادون من الميليشيات الليبية وخفر السواحل الليبي الذي يقوم بأفعال تشبه "القرصنة" يقول بوراسين، ويتابع"المافيا الليبية والإيطالية تهربان البشر وتجنيان الأموال من ذلك". ويضيف في حوار مع مهاجر نيوز: "نحو 70- 80 بالمائة من خفر السواحل الليبي يقومون بتهريب المهاجرين، وينشطون في عمليات التجارة بالبشر".

كثيرون من الشباب من الدول الأفريقية ومن تونس أيضا يرغبون في الهجرة إلى أوروبا. يقول بوراسين "إذا لم تظهر هناك بدائل ولا تطور في تونس، وإذا استمرت صعوبة الحياة وحتى الزواج بالنسبة للشباب، والحصول على عمل محترم، إذا لم توجد حلول لمثل هذه المشاكل، فلن يتوقف الشباب عن الهجرة إلى أوروبا".

 "الرائحة تكشف عن الجثث"

شمس الدين مرزوق صياد سابق. منذ تعرضه لحادث، لم يعد بإمكانه الذهاب إلى البحر، لكن البحر يستمر في السيطرة على حياته. يقضي أيامه في تحضير الأرض التي يمكن أن تدفن فيها الجثث التي لا تزال تظهر على الشاطئ بشكل منتظم، والتي يجب دفنها بشكل لائق، ويقول: "منذ عام 2002 ونحن نعثر على الجثث بشكل مستمر". ويضيف في الفيلم "نعرف أن هناك جثثا من الرائحة" جثث يرمي بها البحر إلى الساحل. ويتابع مرزوق "ربما أرواحهم مازالت تجلس في القوارب. أرواحهم الحزينة. يمكن أن تشعر أن أمرا سيئا قد حصل هنا". يشرح مرزوق كيف حشر المهربون المهاجرين في هذه القوارب. في كل زاوية من القارب.

مرزوق رجل كبير في السن الآن، ولده هاجر هو الآخر بشكل غير شرعي إلى إيطاليا، إنه ليس سعيداً بهجرة ولده، ومحاولات زوجته وأولاده الحصول على تأشيرة للحاق بابنه. تشرح جويلا بيرتولوزي بأن الحصول على تأشيرة إلى إيطاليا أمر صعب المنال بالنسبة للشباب في تونس، ولا يبقى أمامهم سوى الهجرة بطريقة غير شرعية.

 قارب مهربين كان ينقل مهاجرين.

لا تزال جمعية الصيادين في جرجيس تعمل أيضا، على الرغم من أنها في عهد رئيس جديد. بوراسين ما زال مصمماً على عدم إسكاته وإيقافه عن إنقاذ الناس. فهو لا يخشى التحدث إلى وسائل الإعلام، كي يعرف الناس ما يجري في البحر. يعتقد أنه "ما دامت هناك حروب وديكتاتوريون وقمع وانقلابات وما إلى ذلك، فلن تتوقف الهجرة". ويضيف في حوار مع مهاجر نيوز "مصممون على الاستمرار في بناء سفن جديدة لغرض الصيد، وكذلك لإنقاذ الأرواح المفقودة في البحر الأبيض المتوسط".

إيما واليس/ عباس الخشالي

 

للمزيد