هديل في منزلها الصغير في مدينة ليسيس الفرنسية. الرسوم: بابتيست كوندوميناس لمهاجر نيوز
هديل في منزلها الصغير في مدينة ليسيس الفرنسية. الرسوم: بابتيست كوندوميناس لمهاجر نيوز

العديد من الشابات يأخذن طريق الهجرة، بعضهنّ تصبحن أمهات أثناء رحلتهن. مهاجرنيوز يلقي الضوء على تجربتهن، التي تمتزج بالحزن الناجم عن الانفصال عن باقي أفراد العائلة والأمل في تربية الأطفال في فرنسا. هربت هديل من سوريا مع زوجها، وهي الآن لاجئة في فرنسا، ورغم أنها لا تبلغ سوى 20 عاما، فهي أم لفتاتين صغيرتين.

تعيش هديل في مدينة ليسيس الفرنسية (جنوب باريس) منذ بضعة أشهر برفقة زوجها عادل وابنتيهما، بيريفان ذات الأربعة أعوام والرضيعة شام التي لم يتجاوز عمرها ستة أشهر. تكاد تكون جدران منزل هديل شبه عارية إلا من صورتين للزوجين يوم زفافهما. ترتدي المرأة ثوبها الأبيض وتضع زينة تجعلها تبدو أكبر سنا مما هي عليه في الواقع.

احتفلت هديل بعيد ميلادها التاسع عشر قبل بضعة أشهر، وبعد فترة وجيزة وضعت مولودتها الثانية، شام.

وترخي هديل شعرها البني السميك على كتفيها وترتدي قميصها الأحمر الطويل، فهي لا تزال تبدو وكأنها في سن المراهقة، لكن هذه الشابة عرفت الأمومة منذ سنوات مضت.

وأنجبت هديل طفلتها الأولى بيريفان في تموز/يوليو 2016 في فرنسا، بعد أن مضى أقل من عام على وجود العائلة في بلد اللجوء. الكرديان هديل وعادل، تزوجا قبل وصولهما إلى فرنسا، في مخيم دوميز للاجئين في دهوك شمال العراق، حيث استقرا هناك بعد الفرار من الحرب في سوريا. روى الزوجان قصة وصولهما إلى فرنسا في كتاب نُشر عام 2018 بعنوان "نريد فقط أن نعيش".

عندما أصبحت هديل حاملا للمرة الأولى، كانت تبلغ من العمر 16 عاما وترتاد مدرسة في مدينة جوفيزي سور أورج (إيسون)، حيث استضافهما زوجان فرنسيان يعيشان في نفس المدينة. قالت هديل لمهاجرنيوز بوجه مبتسم "أدرك اليوم، أنني حين صرت حاملا، كنت مجرد طفلة ستنجب طفلا".

"كنت حزينة، لأنني لم أكن في منزلي"

ولطالما كانت الشابة ترغب في إنجاب أطفال، لكنها لم تتخيل أنها في أحد الأيام ستصبح أما بعيدا عن أسرتها وبلدها. "عندما علمت أني حامل، شعرت بحزن شديد لأننا لم نكن في منزلنا [...] شعرت بالحرج لكوني في شقة لم تكن لنا. قلت لنفسي إن ابنتي ستنشأ في منزل عائلة ليس لها"، تتذكر الأم الشابة.

بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، فإن هديل على تواصل دائم مع والدتها وترسل إليها صور طفلتيها التي تعج برسوم الوجوه الضاحكة والقلوب.

البعد هو حسرة بالنسبة للأسرة، لذلك لم تجرؤ هديل على إخبار والدتها بأنها، من أجل ولادتها الثانية، اضطرت للذهاب إلى المستشفى بمفردها. كان على عادل البقاء مع طفلتهما الصغيرة في المنزل، "لو علمت أمي بالأمر، لكان ذلك سيجعلها حزينة حقا، كانت ستبكي لأنني خضت التجربة بمفردي. لكن كل شيء سار على ما يرام في المستشفى، كانت معي قابلة طوال الوقت".

تشارك هديل حياتها كأم شابة مع أحبائها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. الرسوم: بابتيست كوندوميناس/مهاجرنيوز

على الرغم من حزن المنفى، تشعر هديل بالارتياح لأن طفلتيها ولدتا في فرنسا، لأنها لو عزمت على تربيتهما في سوريا، لكانت الأمور مختلفة تماماً عما هي عليه اليوم، فهي تعرف أن التحاق طفلتيها بالمدرسة سيحدث فرقا إيجابياً في حياتهما، خلافاً لما عانت منه هي بسبب حرمانها من الالتحاق بالمدرسة. "حيث كنا نعيش لم يكن هناك أمن، لذلك لم نتمكن من الدراسة. هنا، مستقبلهنّ مضمون. أعرف أن بإمكانهن الدراسة والعمل".

تتعرض بعض الفئات من الأكراد إلى التمييز في سوريا، خاصة "مكتومي القيد" (وفقا للقانون، يتوجب على الأكراد في سوريا إثبات أنهم يعيشون فيها منذ عام 1945 على الأقل، وإلا فإن الحكومة السورية لن تمنحهم الجنسيّة، وبالتالي يكونون مجردين من الجنسية)، لذلك ليس لديهم الحق في الدراسة أو ممارسة وظيفة في القطاع العام. لهذا السبب، لم تتمكن هديل ولا عادل من إكمال الدراسة. ومع ذلك، كان لدى الشابة خطط مهنية كبيرة. "يوما ما أرغب في أن أصبح مهندسة، وأنشئ جميع أنواع المباني. أعرف أن عددا قليلاً جدًا من النساء يمارسن هذه المهنة، إضافة إلى ذلك أنا من مكتومي القيد، ذلك كان مجرد حلم في سوريا"، كما تروي في كتابها.

تأمل هديل الآن بأن تتحقق أمنية واحدة: أن تحقق رغبات طفلتيها.

الاندماج بفضل الحضانة

منذ بضعة أشهر، بدأت الصغيرة بيريفان بالذهاب إلى الحضانة، وأصبحت تتكلم بضع كلمات باللغة الفرنسية. لقد لاحظت هديل تقدم ابنتها وأيضا تحسن لغتها هي. ففي كل يوم، تجلب هديل ابنتها من الحضانة.

وبمجرد دخولها إلى بناء الحضانة وتجاوز بهو الاستقبال، تتبع هديل التعليمات التي تقضي بتغطية الحذاء بنعال واقية حتى لا تتسخ الأرض. تقف بيريفان الصغيرة حافية القدمين وفي فمها لهاية الأطفال، تقفز إلى ذراعي والدتها بمجرد رؤيتها. تضم هديل ابنتها وتحاول التخلص من خجلها، وتتجه للحديث مع المشرفين لمعرفة كيف أمضت طفلتها يومها. بالنسبة لها، إنها فرصة لممارسة اللغة الفرنسية وللتعرف أكثر على طرق التعليم في فرنسا.

تلتقي هديل بمعظم معارفها في حضانة ابنتها بيريفان. الرسوم: بابتيست كوندوميناس/مهاجرنيوز

تعترف الشابة أن أطفالها يساعدونها على الاندماج، حتى لو يبدو لها أنها "لا تعرف أحداً" في ليسيس.

في بداية العام الدراسي، يجب أن تدخل بيريفان إلى المدرسة الابتدائية. وتأمل هديل في وضع ابنتها شام في حضانة، وبذلك تحظى لنفسها ببعض الوقت لحضور دورات مكثفة لتعلم اللغة الفرنسية، الأمر الذي ترى بأنه لا غنى عنه لإيجاد عمل والاندماج بشكل أفضل.

 

للمزيد