مشهد عام لمخيم فاتي على جزيرة ساموس اليونانية، 1 كانون الأول/ديسمبر 2019. شريف بيبي/مهاجر نيوز
مشهد عام لمخيم فاتي على جزيرة ساموس اليونانية، 1 كانون الأول/ديسمبر 2019. شريف بيبي/مهاجر نيوز

قصص الهجرة والمآسي لا تنتهي في مخيم فاتي في جزيرة ساموس. آلاف من المهاجرين يقيمون في الأحراش المحيطة بالمخيم الرئيسي على الجزيرة اليونانية، من ضمنهم أعداد كبيرة من القاصرين الواصلين إلى ساموس وحيدين.

كل منهم يأتي من بلد، ولكل منهم قصة يرويها بلهجته، تتقاطع في تفاصيلها حينا لتعود وتختلف في سرد مساراتها أحيانا. هم المهاجرون القاصرون في مخيم فاتي. مهاجر نيوز التقى بمجموعة منهم ليتعرف على أبرز احتياجاتهم وهواجسهم.

بدر، مهاجر مغربي من وجدة، يبلغ من العمر 16 عاما. قال بدر لمهاجر نيوز إنه قرر الحرقة (الهجرة) هربا من الفقر والعوز في بلاده، "هناك الفقر يقتل الناس، أردت الهجرة لأتمكن من مساعدة أهلي من خلال عملي في أوروبا".

بدر جاء إلى تركيا ومنها إلى اليونان، "نحن كمغاربة تأشيرتنا إلى تركيا سهلة جدا، لذا الخيار المنطقي بالنسبة لي كان أن آتي إلى تركيا ومنها إلى اليونان، مدخلي لأوروبا". وحول عدم اختياره الذهاب لإسبانيا، كونها أقرب، قال "صحيح، إسبانيا أقرب، ولكن الوصول إليها أصعب بكثير. عليك ركوب البلم والتعرض لظروف مناخية خطيرة في البحر. وإذا قبض عليك من قبل المغاربة ستذهب للسجن وستفرض عليك غرامة مالية، فضلا عن أن الحراقيين (المهربين) نصابين".

الحياة في المخيم بالنسبة لبدر سيئة جدا، "نأكل مرة واحدة في اليوم، لا يوجد حمامات، والجحيم الحقيقي هو عندما تمطر، سيكون علينا مواجهة أنهار الوحول التي تجتاح خيمنا".

ولكن الهم الأكبر لبدر يكمن في طول الإجراءات الإدارية وتعقيدها، يقول "لا أعرف ما العمل، أنا هنا منذ ستة أشهر وما من أحد مختص في إدارة المخيم بشؤون القاصرين. لا أريد البقاء هنا، أريد الرحيل".

"أشتاق لأمي ولمنزلنا في العراق"

يتشارك سجاد، 13 عاما، مع بدر بظروف الحياة في المخيم، "الطعام سيء جدا، ننام في خيم. النفايات تسيطر على المشهد. الأمطار لعنة لنا..."، يعدد الطفل العراقي هموم الحياة اليومية في المخيم.

خلال حديثه، لا يمكن للسامع أن يتنبأ بأن المتحدث طفل، تقاسيم وجهه، حركات جسده، تعبيراته، كلها توحي بشخص تعرض للكثير من التجارب المريعة بحياته.

للمزيد>>> مخيم فاتي على جزيرة موريا.. جحيم المهاجرين الأوروبي

يحاول سجاد يوميا البحث عن عمل في محيط المخيم، "لا يمكنني الجلوس دون أي عمل، علي أن أقوم بشيء ما. الملل عدونا الأول هنا... على ساموس لا مستقبل لي، أريد أن أعود للمدرسة وأكمل تعليمي...".

يحلم سجاد بالوصول إلى ألمانيا ودراسة الهندسة، "أريد أن أبني منازل للناس، لا أريد لأحد أن يبيت مشردا. بعد أن أستلم أوراقي سأعود للعراق لأزور أهلي وآخذهم معي إلى ألمانيا، جميعنا لنا مستقبل أفضل هناك".

فجأة ينطفئ بريق الأمل في عيني الطفل الرجل لينظر ببراءة قائلا " أشتاق لأمي كثيرا، أشتاق لمنزلنا ولأصدقائي. أشعر وكأنني أمضيت 100 سنة على الطريق من العراق إلى ساموس، وسأحتاج لـ100 سنة أخرى لأخرج من هذه الحفرة التي أعيش فيها".

"لم أعد أعرف ما أريد، مشتاق لأهلي وأريد أن أراهم"

أما أحمد، 14 عاما، القادم من الجزائر، فيبدأ حديثه مع مهاجر نيوز انطلاقا من الليلة الأولى التي وصل فيها إلى المخيم، "وصلت المخيم بالليل، بعد التحقيق الأولي معي طردوني من غرفة الحرس. لم أعرف إلى أين أذهب. قضيت ليلتي الأولى على مدخل المخيم. في صباح اليوم التالي جاءني رجل من غزة وأخذني إلى مجموعة من الشباب قادمين من عدة بلدان، طلب منهم أن أبيت معهم في خيمتهم، وهذا ما حصل".


ويكمل الطفل الجزائري بكل جدية "لا يمكن لأحد أن يتخيل الرعب الذي عشناه ليلة عبورنا البحر إلى اليونان. أنا لم أكن خائفا من البحر، كل ما كنت أخشاه أن يضبطنا الأتراك ويعيدونا إلى تركيا. لن أعود هناك مهما حصل، ما تعرضنا له في تركيا لم نراه في أي بلد آخر".

آثار الطفولة مازالت مختبئة في ذبذبات صوته، على الرغم من محاولاته الجادة لإخفائها، "أفكاري مشتتة، لم أعد أعرف ما أريد، مشتاق لأهلي وأتمنى أن أراهم من جديد، ولكن لا يمكن لي العودة إلى الجزائر. أريد أن أصبح رجلا ذا شأن لأتمكن من مساعدة عائلتي".

تلك كانت عينة من مجموع المهاجرين القاصرين غير المصحوبين بذويهم في مخيم فاتي. جميع الحالات التي التقيناها في المخيم أكدت أنها تمكنت من الاستمرار بفضل حالة التضامن التي تسود أوساط المهاجرين هناك. إلا أن القلق يعلو وجوههم عند الحديث عن المرحلة القادمة، فسؤال "ماذا بعد" يؤرق نوم هؤلاء الأطفال، خاصة وأنهم لا يشعرون بالأمان وهم ينتظرون البت بطلبات لجوئهم.

 

للمزيد