أحدى الطرقات الرابطة المخيمات بعضها ببعض بمياهها الموحلة وحفرها الخطرة.
أحدى الطرقات الرابطة المخيمات بعضها ببعض بمياهها الموحلة وحفرها الخطرة.

بعد معلومات عن إجتياح مياه الأمطار خيم اللاجئين السوريين في مناطق مختلفة من البقاع اللبناني، قصد "مهاجر نيوز" المكان معايناً الواقع، ناقلاً المعاناة إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، ومستوضحاً إياها حول ملف التدفئة والمساعدات لعائلات تجابه باللحم الحي عواصفَ الطقس و"صواعق" الدعم الإنساني الغائب.

لم يكن عبثاً اختيارُنا يوماً مشمساً للقيام بجولة بين مخيمات اللاجئين السوريين في البقاع اللبناني. معلوماتنا السابقة أكدت حصول فيضانات للمياه داخل خيم في بلدتي سعدنايل وتعلبايا جراء أمطار الشتاء، فيما الوحول شلت الحركة على الطرقات الضيقة الرابطة المخيمات بعضها ببعض. 

قصدنا المكان مستفيدين من "الهدنة المناخية"، سائلين عن مياه تفيض وتدفئة يُفترض أنها أولوية في منطقة تغزوها الثلوج كل موسم، وتعلو فوق الألف متر عن سطح البحر.

 برك مياه وحجارة متناثرة إعترضت حركة السيارة التي تقلنا إلى مخيمات سعدنايل. بعد جهد أشبه بالمغامرة لاقتنا مجموعة أولى من الخيم المتراصة، المغلفة بما تيسّر من أكياس نايلون وأخشاب. معلومٌ، أن لكل مخيم رقم مثابةَ رمزٍ خاص. معلوم أيضاً أن لكل مخيم من يطلقون عليه تسمية "شاويش" وهو مسؤول راع عارف بشؤون المخيمات وشجونها.

 رضيعان بجوار "صوبية" مازوت خزانها فارغ بإنتظار مساعدات لم تصل للتدفئة.

مع وصولنا تستقبلنا زوجة "شاويش" المخيم "077"، ‏يجاورها رجل خمسيني، فيما تصدح عاليةً أصوات أطفال يلهون في المحيط. تحدثنا السيدة عن "أن ما نسبته 20% أو أقل من سكان المخيم يحصلون على مساعدات "الأمم" (المفوضية العليا لشؤون اللاجئين) فيما البقية بلا أي دعم للتدفئة والتغذية والأدوية".

 

ننطلق بجولتنا. نجول يمنة ويسرة على خيم لا يقل عدد قاطني كل واحدة منها عن ثمانية أفراد، يشكل الأطفال فيها الأغلبية. "ساهر" لجأ إلى هنا آتياً من إدلب في العام 2013: "لا تدفئة ولا مساعدات وأطفالي ستة أكبرهم بعمر 4 سنوات. أعتمد على حطب أجمعه من البراري وعلى عبوات البلاستيك". جاره "أحمد اليحيى" حصل على حصة مساعدات للتغذية من المفوضية "لكن المازوت للتدفئة لم يصلنا بعد" يؤكد... بينما "أكرم حاتم اليحيى" لم ينل أي شيء، كما قال، مضيفاً: "البني آدم أشرس المخلوقات إذا جاع... وآمل ألا أصل إلى هذه المرحلة".

 

من بعيد يعلو صوت سيدة. "لو سمحت أريد أن ترى مخيمنا". هي مريم زوجة شاويش المخيم "003". أمّ لستة أطفال وتنتظر بعد 6 أشهر طفلها السابع: "زوجي لا يعمل وهو مريض. نحصل على مساعدات من الأمم للغذاء ولكن لا يأتينا المازوت. والأصعب أن الساقية القريبة فاضت فغرقت أرضية كل الخيم هنا بالمياه الآسنة والموحلة، والسيناريو مرشح بقوة للتكرار. وإذا كان لا حلَ لفيضان المياه فلا تدفئة، بل أمراض". تتابع: "الجمعيات الإنسانية تميّز بيننا. تعطي عائلات وتحرم أخرى بلا أي مبرر مقنع".

 يتناولون الغذاء في خيمة أرضيتها من الطين، والمياه حاضرة فيها. وفي عمق الصورة طفل يعاني من الشلل الدماغي.

في المخيم "003"، "عمر جويد" (حمص) هو الوحيد الذي حصل على المازوت من أصل 156 قاطناً هنا. الرجل أمّن التدفئة لكن لا مساعدات غذائيةً تصله "ولا أي شيء مخفف من أعباء اللجوء".

في المخيمين "036" و "021" القصة مشابهة. "محمد المحمد"، "خالدية الحسين"، "محمود عبد الرحيم العبد لله" وغيرهم الكثير يجبهون العواصف بما تيسّر. تحدثنا "شريفة" عن مرض طفليها، أحدهما يعاني من شلل دماغي ويحتاج عملية جراحية بقيمة 1800 يورو لا نملك من المبلغ شيء، وطفلتها الثانية مصابة بالكهرباء في الرأس والتبول اللاإرادي.... ولا أحد يلتفت إلينا بالأدوية فكيف بالتدفئة؟!".

 

أما "سناء" فتعاني من الربو بسبب إعتمادها خلال سنوات اللجوء على إحراق البلاستيك: "البراكية تَشُر مَيْ... وأنا وأطفالي مصابون بالقح والسعال الدائم".

 

في بعض المخيمات "صوبية" للتدفئة بالمازوت خزاناتها فارغة "بإنتظار مازوت لم يصل لغاية الآن وقد لا يصل"، كما يقول بعض اللاجئين. في مخيمات أخرى مواقد حطب تستوعب الأحذية لحرقها، والبلاستيك والحطب إن توفر!! فيما الهاجس يبقى الحدُ من "غزوة المياه" والرياح العاصفة والثلوج. عند هذا تصبح الحياة أشبه بجحيم. لا يقلل من وطأته شيء. فالديون تتراكم على من لا تصله مساعدة فيضطر لشرائها بالدَيْن بنفسه ليحمي أطفاله. و"الإتكال على الله لإيفاء الديون يوما ما" كما يقول "ساهر".

 غرفة شاويش أحد المخيمات في سعدنايل وتبدو في الوسط موقدة حطب.

مهاجر نيوز يسأل... المفوضية العليا توضح

"مهاجر نيوز" استوضح الناطقة باسم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في لبنان "ليزا أبو خالد"، عن مساعدات التدفئة هذا العام، فهل تقلصت عن الأعوام السابقة؟ ووفق أي معايير تُوزّع؟ فأجابت:"وضع العديد من اللاجئين السوريين حرج جداً. أكثر من ثلاثة أرباعهم يعيشون تحت خط الفقر في لبنان بأقل من 6,000 ليرة لبنانية (3 يورو) في اليوم، يساعد "دعم الشتاء" الأسر الأكثر ضعفا منهم على البقاء على قيد الحياة. ويعطي البرنامج الأولوية للعائلات الضعيفة التي لا تتلقى أي دعم آخر على مدار العام".

تضيف أبو خالد: "المساعدات الشتوية تأتي على شكل نقدي لمساعدة الأسر على توفير احتياجاتها الأساسية لتجنب التضحية بالمال أو الدواء من أجل التدفئة. ويغطي البرنامج الفترة الممتدة من تشرين الثاني/ نوفمبر إلى أذار/ مارس".

 

ماذا عن المبلغ المقدم؟ تجيب:"تحصل الأسر المؤهلة على مبلغ على شكل دفعة واحدة (ما يعادل 75 يورو لكل أسرة شهريا) لمساعدتها على تغطية الإحتياجات الإضافية خلال أشهر الشتاء الباردة، بما في ذلك الوقود لتدفئة مآويها (...)".

 

وهل من الممكن إدخال أسماء جديدة إلى برنامج المساعدات، أم أن اللوائح الإسمية تبقى على ما هي عليه سنويا؟: "بالتأكيد، هناك تعديلات دائمة، فهدفنا أولا مساعدة أكبر شريحة من الأسر الأشد ضعفاً وحاجة (...)".

 

 

مهاجر نيوز: خلدون زين الدين

 

 


 

للمزيد