الفرار من العنصرية والعنف الجنسي إلى العنصرية والعنف الجنسي
الفرار من العنصرية والعنف الجنسي إلى العنصرية والعنف الجنسي

كانت القاهرة تحديداً ومصر بصورة عامة ولقرون حضناً للهاربين من الضيم والاضطهاد. بيد أن خبراء ومنظمات دولية تتحدث عن بلطجة وعنصرية مجتمعية تمارس بحق مهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى. كيف تحركت السلطات لردع المعتدين؟

سهام بشير وأختها إخلاص كانتا برفقة أطفالهما في الطريق من المدرسة الابتدائية عائدين إلى البيت، عندما تحلق حولهم مراهقون وشرعوا يسخرون منهم ويوجهون لهم الإهانات قبل أن يحاولوا تمزيق ثياب إخلاص. الاعتداء جرى في وضح النهار في العاصمة المصرية القاهرة.

تدخل أحد المارة ووبخ المعتدين وتمكنت الأختان من الهرب مع أطفالهما الثلاثة، بيد أن جرحاً بقي في النفس: حرك ذكريات الاعتقال والاغتصاب والتعذيب الذي تعرضت له الأختان في جبال النوبة السودانية. "جئنا هنا طلباً للأمن، غير أن الواقع كان مختلفاً"، تقول إخلاص وهي تستذكر الاعتداء الذي جرى في تشرين الثاني/ نوفمبر المنصرم. وصلت سهام وإخلاص والأطفال القاهرة قبل شهور هرباً من العنف في بلدهم.

"العبدة"

كانت القاهرة ولعقود ملجاً للأفارقة من جنوب الصحراء الكبرى. ولكن الممارسات العنصرية والعنف في شوارع العاصمة المصرية بحق الأفارقة لا يواجهها اللاجئون من دول أخرى كالسوريين والليبيين. ولم تفعل الحكومة إلا القليل لمواجهة تلك الممارسات.

المنظمة الدولية للهجرة تقول إن مصر تستضيف أكثر من 6 ملايين لاجئ، أكثر من نصفهم من السودان وجنوب السودان. بالنسبة لبعضهم مصر هي الملتجأ، وللبعض الآخر مجرد محطة عبور إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط.

 أكد عشرات اللاجئين الافارقة ومن بينهم أطفال لوكالة أسوشيتد برس تعرضهم للعنصرية والتحرش الجنسي واعتداءات أخرى في الأشهر الثلاثة الماضية. أفاد الأطفال أنهم تعرضوا أثناء ذهابهم للمدرسة للقذف بالحجارة والقمامة، فيما قالت امرأة إثيوبية إن جيران لها كان ينعتوها بـ "العبدة".

اللاجئون اليمنيون والسوريون والليبيون أوضاعهم أفضل في مصر من الأفارقة.

بداية تحرك خجول

تدل مؤشرات على أن مصر شرعت بالتحرك لمواجهة تلك الممارسات. في تشرين الثاني/ نوفمبر انتشر فيديو يظهر تعرض طفل من جنوب السودان للبلطجة انتشار النار في الهشيم. في أعقاب ذلك اعتقلت الشرطة التلميذ المصري المعتدي ليوم واحد، قبل أن تفرج عنه بعد تسوية بين عائلتي التلميذين.

بعد أسابيع استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التلميذ المعتدى عليه في منتدى للشباب عقد في شرم الشيخ، ما شكل اعترافاً رفيع المستوى بوجود المشكلة. "إنهم ضيوفنا والمعاملة السيئة غير مقبولة وغير مسموح بها" خاطب الرئيس المصري الحضور.

في عام 2018 قضت محكمة في القاهرة بسجن رجل سبع سنوات لتحرشه باللاجئين وضربة معلمة من جنوب السودان حتى الموت.

يقول حقوقيون ولاجئون، إن مصر أمامها طريق طويل بعد في هذا المضمار.

تعزو شيرلي دي ليون، المسؤولة في المنظمة الدولية للهجرة، الممارسات العدوانية إلى الضائقة الاقتصادية: "ما يفاقم المعضلة هو التضخم والمستوى المرتفع للبطالة وتآكل الدخل"، مشيرة إلى أن تزايد حالات العنف الجنسي ضد النساء والفتيات وصغار السن من الفتية في الأشهر الثلاثة الأخيرة.

للعنصرية جذور في مصر. طالما تم اعتبار ذوي البشرة الفاتحة من الصفوة، بينما تم تصوير ذوي البشرة الغامقة كبوابين وعاملي نظافة وخدم.

عطية عيسوي، خبير الشؤون الإفريقية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية يقول لوكالة أسوشيتد برس : "كسر بعض المعتقدات الاجتماعية سيستغرق وقتاً طويلاً. على السلطات أن تكون حازمة وتتأخذ تدابير أشد ضد العنصرية والبلطجة".

"نصف" أجر المصري

بالنسبة للكثيرين الإبلاغ عن الاعتداء ليس خياراً. سيدتان من جنوب السودان أفادتا بتعرضهما لاعتداء جنسي من ربي عملهما. لم تبلغا السلطات، إذ أن أحدهما لم تنهِ إجراءات اللجوء والأخرى تخشى انتقام المعتدي.

الكثيرون والكثيرات أفادوا أنهم يعودوا إلى المنزل قبل غياب الشمس ولا يغادروه إلا في مجموعات.

الرئيس المصري قال في أحدى كلماته إن بلاده ليست بحاجة لبناء مخيمات للاجئين، لأنها ترحب بهم وتستوعبهم بيسر. يدخل الكثير من مهاجرين جنوب الصحراء البلاد بشكل شرعي، ولكنهم يبقون فيها بعد انتهاء مدة الإقامة. لا تطبق عقوبات بحق المخالفين ويعمل الكثير منهم بشكل غير قانوني كباعة في الشوارع وعاملي تنظيفات في المنازل.

في قهوة في وسط القاهرة يرتادها مهاجرون يقول اللاجئ أحمد من أثيوبيا إنه جاء إلى القاهرة قبل خمس سنوات فراراً من الاضطهاد في بلده. "أعتقد أنني بوسعي العمل فقط لأني أتقاضى نصف ما يتقاضاه العامل المصري". في ظل الظروف الحالية تبقى القاهرة أفضل الخيارات المطروحة. "آمل أن تتحسن الظروف في مصر. هنا أفضل من بلدي ولا أمل في الوصول إلى أوروبا".

ح.س/ع.خ (اسوشيتد برس)


 

للمزيد