في منطقة أوبرفيلييه شمال باريس، تجتمع مجموعة من المحاميين الفرنسيين في باص بعد ظهر كل يوم جمعة لتقديم استشارات ومساعدات قانونية لمهاجرين وطالبي لجوء. المصدر/ مهاجر نيوز
في منطقة أوبرفيلييه شمال باريس، تجتمع مجموعة من المحاميين الفرنسيين في باص بعد ظهر كل يوم جمعة لتقديم استشارات ومساعدات قانونية لمهاجرين وطالبي لجوء. المصدر/ مهاجر نيوز

في يوم الجمعة من كل اسبوع، تقف حافلة على جانب الطريق في منطقة أوبر فيلليه شمال باريس. هي بمثابة مكتب لمحامين مختصين يدعمون المهاجرين باستشارات قانونية مجانية ويساعدونهم بنصائح تتعلق بسير عملياتهم الإدارية.

صعدت تاهيرا، وهي شابة باكستانية، على متن "الحافلة". تبدو تائهة، وسدلت على رأسها غطاء أحمر تناثرت عليه نجمات صغيرات. تحمل بيدها المرتبكة، كحالها، ظرفاً عريضاً يحوي أوراقها الإدارية المهمة، بريد من المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين (أوفبرا ) وورقة طلب اللجوء من فرنسا والتي ستنتهي مدتها في منتصف كانون الثاني ٢٠٢٠.
كانت تاهيرا قد تركت منطقة سانغار في باكستان عام ٢٠١٦ بعد هجوم تعرضت له وزوجها من قبل جماعات جهادية، على حد قولها. 
ووصلت إلى فرنسا، حيث قدمت طلب اللجوء مرتين، وفي المرتين تم رفض طلبها.
قررت تاهيرا عرض مشكلتها على محامين مختصين، فاتجهت هذه الجمعة بعد الظهر إلى "الحافلة"، وجدتها مركونة على جانب الطريق في منطقة أوبر فيلييه الباريسيه. 
ليست حافلة عادية، هي بمثابة مكتب استشاري لمحامين مختصين يساعدون المهاجرين في قضاياهم الإدارية بالمجان، ويتواجدون كل جمعة بعد الظهر للقيام بعملهم التطوعي ولمساعدة المهاجرين بإجراءاتهم الإدارية.
اتخذت تاهيرا موعدا لمقابلة إحدى المحاميات التي تفضل البقاء مجهولة الهوية. تجلس أمامها وتبدأ بالسؤال:

- أين زوجك؟
- بقي في اليونان، لم أتلقَ منه أي خبر منذ قرابة أربعة أشهر.
ـ أين تسكنين؟
ـ في غرفة نزل، في منطقة سارسيل مع أحد أبنائي. الآخر في ليون، يبلغ ١٤عام ويذهب إلى المدرسة هناك، آمل أن يبقى أبنائي في فرنسا حتى إن تم ترحيلي.
ـ لا تستطيعين العودة إلى باكستان؟
ـ لا، زوجي كان يعمل في مساجد شيعية، وتعرض للتهديد بالقتل عدة مرات وكثير من أقاربنا اختطفوا لهذا السبب.
ـ من الواضح أنه بعد تقديم أوراقك التي سبق وأن اطلعت عليها، لم يصدق مكتب الأوبفرا قصتك.
ـ لا، قالوا إن رسائل التهديد الموجودة ضمن الملف غير صحيحة.
ـ أرى ذلك.
ـ ملفي سيئ للغاية، هذا هو السبب أليس كذلك؟
يقف الباص كل يوم جمعة في منطقة أوبرفيلييه شمال باريس. المصدر/مهاجر نيوز

كل يوم جمعة، بين الثانية والرابعة ظهراً، يقف عشرات المهاجرين عند باب الحافلة التي تشبه حافلة السفر لطلب مشورة قانونية.
شيترو، طالب محاماة يعمل في الحافلة ومهمته الالتقاء بالداخلين والقيام بانتقاء أولي للحالات بعد اطلاعه على مشكلة كل شخص.
خصص الجزء الخلفي من الحافلة كغرفة انتظار، فيما خصصت مساحات صغيرة على طول الحافلة مكونة من مربعات ذات أربعة مقاعد لتقديم الاستشارات. وللحفاظ على الخصوصية قدر الإمكان، وبين المكاتب الأربعة، أسدلت ستائرأرجوانية مثبتة بين الممر والمقاعد.
للمزيد >>>> اللاجئون الأفارقة في مصر .. هروب من الحروب لمواجهة العنصرية!
"من المؤكد أنها خافت وتاهت خلال جلسة الاستماع"
مضى وقت قصير منذ ان بدأت محامية تاهيرا المختصة في شؤون الأسرة والعقوبات عملها التطوعي في الحافلة، ولكن دافعها الرئيسي كما تقول هو مد يد المساعدة إلى أشخاص تم إقصاؤهم. "أشعر أحياناً بالكآبة في مواجهة المواقف التي يواجهها المهاجرون”
ثمانون محامياً يعملون كمتطوعين في الحافلة، بمعدل محاميين اثنين أو ثلاثة في الأسبوع. وقد خضع جميعهم لدورة تدريبية مدتها ست ساعات خاصة بقانون الهجرة، وتعمل الحافلة بفضل تمويل صندوق باريس للتضامن ”باريس سوليداريتيه“.
على الرغم من خبرتها القصيرة، فإن محامية تاهيرا تعرف بالفعل أن قضية موكلتها ليست نادرة، وبحسب ما ذكرت لمهاجر نيوز فإن ما يحصل هو أمر ممنهج وكثيراً ما يقول مكتب حماية المهاجرين (الأوفبرا) إن الوثائق المقدمة لهم غير صحيحة.
لا تتحدث تاهيرا الفرنسية وتبدو غارقة في شروط وقوانين النظام القضائي، ولم تستطع الشابة شرح حالتها بالطريقة المثلى خلال مقابلة الـ(أوفبرا).
يستقبل محامو الباص كل أسبوع 30 حالة لمهاجرين وطالبي لجوء ممن يحتاجون استشارة أو مساعدة. المصدر / مهاجر نيوز
ـ ما الذي يجب علي فعله؟
ـ نستطيع تقديم طلب جديد لإعادة تقييم وضعك، ولكن يجب علينا أن نخبرك بأن فرصة قبوله ضئيلة، فقد تم رفض طلبك مرتين ولتكون النتيجة مختلفة هذه المرة يجب علينا أن نعرض المشكلة بشكل مختلف. يجب عليك إحضار عنصر جديد لإضافته إلى ملفك.
ـ مثل ماذا؟ لا أفهم ما الذي تطلبينه مني بالضبط. هل تستطيعين كتابة ما أمليتيه علي وما الذي يجب فعله على ورقة وسأطلب من ابني أن يترجمه؟
ـ أنا بحاجة لرسالة من عائلتك في باكستان.
- هل يستطيع أحد أن يكتب لك شهادته وأن يقول بأنك ستكونين في خطر ما إن عدت إلى هناك؟
ـ لا أعلم، لدي أخت هناك.
ـ هل بإمكانها ان تكتب شهادتها.
ـ لا.
ـ ولكنه شرط إجباري. في هذه الحالة اذا سيصلك حتماً إبلاغ بوجوب مغادرة فرنسا.
العبارة الأخيرة صدمت تاهيرا. بذهول وبدموع تملأ عينيها لملمت الشابة أغراضها وخرجت بعجل.
في الزاوية الثانية المخصصة للمشاورات، نام شاب منهك على كرسيه بينما كان ينتظر دوره.
”تخلى القضاة عنا“
غالبية المهاجرين على متن الحافلة يواجهون مشاكل تتعلق بظروف الاستقبال المادي CMA المتعلقة بمساعدة السكن الخاص باللاجئين CADA وتلك المتعلقة بالمساعدات المالية كالـADA و HUDA
تقول المحامية ميريانا مليلش، مضيفة إلى أن الحالات المتعلقة بمشاكل كهذه تزداد يوماً بعد يوم فيما يرفض مكتب الهجرة والإندماج ”الأوفي“ كثيراً من الطلبات المتعلقة بهذه المساعدات. ”المشكلة هي أننا ننسى أن هذه المساعدة ضرورية فطالبوا اللجوء ممنوعون من العمل“
بالنسبة للمحامية الفرنسية، القانون الجديد المتعلق بطالبي اللجوء، والذي تم وضعه عام ٢٠١٨، خلق مزيداً من اللبس. ”أصبحت القرارات الإيجابية التي تصدرها المحاكم فيما يتعلق بقضايا كهذه كالمساعدات وعدم الترحيل وغيرها نادرة للغاية، على الرغم من أن الحالة طارئة ونحن هنا نتعامل مع أشخاص يواجهون مواقف صعبة، لقد تخلى القطاة عنا.“ 
لمزيد من الخصوصية، وضعت ستائر في الباص لفصل كل طالب لجوء ومحاميه عن اللآخرين. المصدر / مهاجر نيوز
بكري القادم من منطقة كاياس في مالي، وبعد أن تلقى أول رفض، قدم وفي يده ملف وردي مشبع بالوثائق، أزال الحبل المطاطي الذي يربط ملفه وعرض حالته.
ـ في مالي هناك حرب عبودية لهذا أطلب اللجوء
ـ هل تمسك هذه المشكلة بشكل شخصي؟ عندما نطلب اللجوء يجب أن نكون نحن أنفسنا في خطر داخل البلد الذي خرجنا منه.
ـ كنت مرتبط بحركة ضد الاستعباد وهذا ما سبب لي المشاكل.
ـ لماذا تم رفض طلبك؟
ـ لا تصدق الـ(أوفبرا) دوري داخل الحركة.
ـ متى تم إعلامك بقرار الرفض؟
ـ تم رفض طلبي في شهر في شهر تشرين الثاني / نوفمبر، ولكن لم استلم القرار حتى الخامس من كانون الأول / ديسيمبر، لم تكن هناك فرصة لأنني كنت مريضاً في المستشفى.
ـ نحن في اليوم الـ20 من كانون الأول / ديسمبر، يجب علينا الإسراع بتقديم استئناف [بعد رفض طلب اللجوء ، من الممكن الطعن في القرار بإرسال استئناف إلى المحكمة الوطنية لحق اللجوء (CNDA) في غضون شهر واحد ). سأطلب المساعدة القانونية لك من المحكمة.
ـ هل يمكنني أخذ رقم هاتفك؟ أين تقطن؟
ـ في شقة في سان دوني.
ـ هل لديك ورقة تثبت أنك تقطن في تلك الشقة؟
ـ لا أعلم.
ـ ابحث عن الورقة ضمن أوراقك، هذه وثيقة مهمة سأرسل أوراقك كاملة بالفاكس لطلب المساعدة من المحكمة الوطنية العليا لطالبي اللجوء، أعتقد أنه لا يزال لدينا وقت، آمل ذلك.
”الجو بارد في الخارج“
تعتبر حالة الرجل الإيراني، شيراجي، نادرة، خاصة وأنه وافد جديد إلى فرنسا. ابتسم ذو الـ40 عاماً عند دخوله الباص، لكن سرعان ما خفتت ابتسامته شيئاً فشيئاً خلال المقابلة.
ـ قدمت بصماتي في إيطالي، كنت طالب لجوء هناك لثلاث سنوات ولكن لم يقدم ذاك البلد أي شيء، لم يكن عندي سكن، لا شيء. أريد تقديم اللجوء في فرنسا. أخبرني البعض أن الأمر سيتطلب ستة أشهر للحصول على مقابلة مع محافطة الشرطة، هل هذا صحيح؟ وبالإنتظار ما الذي يجب أن أفعله؟
ـ لا تستطيع فعل شيء حالياً.
ـ ألا يمكنني طلب مكان أقيم فيه؟ فقط كي لا أنام في الشارع. الجو بارد في اخارج.
ـ تستطيع الاتصال بـ١١٥ لطلب مسكن عاجل، هذا الشيء الوحيد الذي تستطيع فعله، ولكن يجب عليك الاتصال بهم أكثر من مرة كل يوم والإصرار وعليك التحلي بالصبر.
ـ حسناً.. شكرا

 

للمزيد