أطفال في مخيم برالياس في البقاع. مهاجر نيوز
أطفال في مخيم برالياس في البقاع. مهاجر نيوز

في لبنان، انعكس واقع اللجوء بشكل سلبي جدا على الأطفال السوريين. فبعد مرور نحو تسعة أعوام على اندلاع الحرب في بلادهم، مازال هؤلاء يعانون تبعات تلك الحرب إضافة إلى مواجهة أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة يمر بها لبنان حاليا. إحصائيات وأرقام تشير إلى واقع مزر يعاني منه الأطفال اللاجئون السوريون في لبنان، إلا أنه هناك عدد من المبادرات التي تسعى للتخفيف من ذلك الواقع على الأطفال، منها مبادرات جمعية "مدى" في صيدا التي أخذت على عاتقها توفير المساحة اللازمة للأطفال ليشعروا بالأمان والسلام بعيدا عن عالم الكبار.

بعد مرور نحو تسع سنوات على بدء معاناتهم، مازال اللاجئون السوريون في لبنان يحاولون الالتفاف على مآسيهم اليومية والعمل على تأمين مستقبل أفضل لعائلاتهم، خاصة في ظل أوضاع اقتصادية وسياسية حرجة يمر بها لبنان حاليا. ويعتبر الأطفال من أكثر الفئات تضررا بين هؤلاء، خاصة مع انعدام آفاق عودتهم الآمنة إلى بلادهم.

راغب، لاجئ سوري مقيم في لبنان منذ ست سنوات، روى لمهاجر نيوز بعضا من قصصه اليومية المرتبطة بتأمين حياة أفضل لأولاده الأربعة. راغب مقيم في ضاحية بيروت الجنوبية، مصدر دخله الوحيد هو ما ينتجه من عمله كمياوم في قطاع البناء، "همي الأساسي أطفالي، أريدهم أن يكبروا في أجواء إيجابية ومطمئنة. كما ترى، الوضع في لبنان الآن غير مريح، أصلا لم يكن مريحا منذ قدومنا في البدء... أطفالي يعانون كثيرا. محمد، ابني البكر، يبلغ حاليا 14 عاما، ترك الدراسة قبل خمس سنوات والتحق بسوق العمل. أعلم أن هذا الأمر جريمة بحقه ولكن لم يكن أمامي أي خيار، المدارس لم تكن مؤمنة والعائلة كانت بحاجة لأي دعم مادي إضافي".

يسهب راغب في الحديث عن أولاده الثلاثة الآخرين، يريدهم أن يكملوا تعليمهم، "وحبذا لو تمكنوا من مغادرة لبنان إلى أي بلد أوروبي".

قصة راغب تتكرر لدى المئات من عائلات اللاجئين السوريين في لبنان، معظمهم يشكون من عدم متابعة شؤون أطفالهم من الجمعيات التي "تدعي ذلك".


آمنة، لاجئة سورية وأم لثلاثة أطفال، جاءت إلى لبنان قبل ثماني سنوات بعد أن فقدت زوجها في الحرب في سوريا. لدى آمنة رغبة واحدة، "أن ينسى أطفالي المآسي والفظاعات التي اضطروا لمعايشتها في سوريا قبل مجيئنا إلى لبنان. ابنتي الكبرى أصبح عمرها الآن 16 سنة، ومازالت تستيقظ بالليل مرعوبة من الكوابيس التي مازالت تطاردها منذ أن تركنا دمشق. أخوها يبلغ من العمر الآن 11 سنة، مازال يعاني من فقدان ثقته بنفسه وبالآخرين. بالنسبة له الخروج من المنزل مغامرة غير محسوبة، يخاف من كل شيء...".

أرقام مفزعة

في تموز/يونيو الماضي، أصدرت كلية العلوم الصحية في الجامعة الأمريكية في بيروت نتائج دراسة أعدتها عن واقع أطفال اللاجئين السوريين في لبنان. اتخذت الدراسة منطقة البقاع شرقي لبنان، كونها تضم التجمع الأكبر لهؤلاء اللاجئين في البلاد.

الدراسة التي جاءت بعنوان "عمل أطفال اللاجئين السوريين في القطاع الزراعي في لبنان"، لفتت إلى أن اللاجئين السوريين في البقاع يعيشون في مخيمات عشوائية ويعانون من الفقر المدقع وانعدام الاستقرار، الأمر الذي ينعكس مباشرة على الأطفال ويؤدي إلى انقطاعهم عن الدراسة والانخراط في سوق العمل بشكل غير قانوني.

للمزيد: ريبورتاج: آلاف الأطفال السوريين يعانون ظروف عمل قاسية في قطاع الزراعة بلبنان

وحول التعليم، أشارت الدراسة إلى أن 18.3% فقط من الأطفال العاملين منخرطون في شكل من أشكال التعليم، وأن 58% من بين هؤلاء ملتحقون بمدارس حكومية.

فسحات أمل

مؤسسة "مدى" في مدينة صيدا جنوب لبنان قررت التصدي لهذا الواقع المجحف بحق الطفولة. بمحاذاة "خان الإفرنج" الأثري في المدينة، افتتحت المؤسسة أبوابها لكافة الأطفال من كافة الجنسيات. "أغلبية الأطفال لدينا هم من الجنسية السورية نتيجة تركز عدد كبير من عائلات السوريين في صيدا القديمة"، تقول فاتن مديرة المركز، "طبعا لسنا الوحيدين ممن يقدمون هذا النوع من الأنشطة النفسية والترفيهية للأطفال اللاجئين في المدينة، هناك الكثير غيرنا من المؤسسات والمراكز...".

وفقا لمديرة المركز، تسعى الجمعية إلى خلق بيئة آمنة وصحية للأطفال اللاجئين، تمكنهم من الابتعاد عن الهموم والضغوط التي يواجهها آباؤهم في الخارج وتنعكس بالضرورة عليهم وعلى يومياتهم. "معظم الأطفال هنا يعانون من مصاعب نفسية واجتماعية يمكن لمسها سواء من طريقة تعبيرهم عن أنفسهم، أو من علاقتهم بأصدقائهم، أو من خلال تراجع أدائهم الدراسي. هؤلاء الأطفال يحتاجون لفسحة يتمكنون من خلالها من التعبير عن أنفسهم بحرية وشغف واستقلالية".


فن الحكاية والخيال وسيلة للمساعدة

أبرز البرامج التي تقوم بها الجمعية هو برنامج "الحكواتي". تأتي نتالي، الشابة المتطوعة، ثلاث مرات أسبوعيا إلى المركز لملاقاة الأطفال والخوض معهم في غمار حكاية من التاريخ أو الحاضر أو الخيال، "لا يهم طالما السرد يسترعي انتباههم ويحفزهم على المشاركة. الحكاية ليست فقط لتمضية الوقت الجميل، فقد يحدث أن يتماهى طفل مع حكاية ما فيبدأ بالتعبير بطريقته الخاصة، الأمر الذي يعطينا فرصة لاستكشاف ما إذا كان هذا الطفل بحاجة لتدخل نفسي أو اجتماعي معين"، تقول المتطوعة الشابة.

خلال النشاط، يتحلق الأطفال حول الحكواتية، ويبدؤون بالمشاركة بحماس وبأصوات عالية معها أثناء سردها للحكاية. تتنوع المواضيع التي تتناولها الحكواتية، من النظافة الشخصية إلى الهوايات إلى الموسيقى إلى الوطن إلى الخيال.


وفقا لإيمان، إحدى العاملات الاجتماعيات في الجمعية، "قد تشكل هذه الأنشطة الفسحة الوحيدة لبعض هؤلاء الأطفال البعيدة عن هموم الراشدين ومشاكلهم اليومية. جميعنا نعلم المشاكل الهائلة التي يواجهها السوريون في لبنان، وأنا مسرورة كوني أعمل في مكان يساهم، ولو بقدر بسيط، بتخفيف تلك المعاناة عن جزء منهم".

إضافة إلى السوريين، يستقبل المركز أطفال لاجئين من جنسيات فلسطينية وسودانية ومصرية، تتراوح أعمارهم بين ثماني سنوات و16 سنة، "نسعى لتعليمهم المهارات الأساسية التي تمكنهم من تخطي مشاكلهم... في النهاية المأساة كبيرة جدا ولن نتمكن وحيدين من القضاء عليها، ولكني آمل بأن يكون لأنشطتنا أثر بسيط يساهم بالتخفيف عن هؤلاء الأطفال وإعادة الأمل إلى أحلامهم وابتساماتهم".

 

للمزيد