مركز الإرساء في بامبيرغ  تعرض للكثير من الانتقادات كباقي المراكز في ألمانيا
مركز الإرساء في بامبيرغ تعرض للكثير من الانتقادات كباقي المراكز في ألمانيا

معسكرات للسجن أم أماكن للإيواء؟ أكثر كفاءة أم مقيدة لحقوق طالبي اللجوء؟ لا تزال الآراء حول مراكز الإرساء الألمانية منقسمة بشدة. زار فريق مهاجر نيوز مركز إرساء بامبرغ في بافاريا لمعرفة كيف يعمل المركز هناك منذ 16 شهرًا.

تتميز مدينة بامبيرغ بكاتدرائيتها التي تعود إلى القرن الثالث عشر وشوارعها المرصوفة بالحصى ومبنى البلدية الخلاب الواقع على جزيرة في نهر ريغنيتز ولذلك تم تصنيفها كأحد أماكن التراث العالمي. لكن في ضواحي المدينة ، هناك قصة مختلفة: فقد أسست مراكز إرساء اللاجئين (باللغة الألمانية ، "AnkER") في مواقع كانت يوماً ما ثكنات عسكرية أمريكية.

ومركز الإرساء هو منشأة "مفتوحة" بحسب التعريف، ويتمتع طالبو اللجوء المقيمين فيه والبالغ عددهم 1200 بحرية في التنقل، لكن المركز محاط بسور مرتفع تعلوه الأسلاك الشائكة، مايجعله يشبه السجن. فيما يتناوب حراس ورجال أمن ورديات مراقبة ثابتة، ويعطي الشكل العام للمكان بمبانيه الضخمة المكونة من صفوف طويلة من الكتل الاسمنتية والمكونة من ثلاثة طوابق ذات لون رملي، جواً قاتماً ومحبطًا.

واجهت مراكز الإرساء الكثير من الانتقادات من خلال تقارير إعلامية تحدثت عن عزلة واحتجاز وافتقار إلى الخصوصية يتعرض لها المقيمون بتلك المراكز بخلاف الافتقار إلى إمكانية الحصول على المشورة القانونية والرعاية الطبية والنفسية الاجتماعية بالشكل الكافي. لكن ليس كل طالبي اللجوء في هذا المكان يرسمون صورة سلبية بالكامل.

الأمل يغير من نظرتك للأمور

يتعين على الفتاة "مالا *" (14 عاماً) أن تمشي بضعة أمتار فقط للوصول إلى المدرسة للحاق بدروس اللغة الألمانية. لكنها بجانب ذلك فهي مطالبة بتحمل مسؤولية أخرى.. أن تكون مترجمة لأمها، التي لا تتحدث الإنجليزية. ولذلك فهي لا تمانع من الوصول متأخرة قليلاً على دروس اللغة بين وقت وآخر.

تقيم الفتاة القادمة من إيران، في شقة صغيرة بإحدى الثكنات العسكرية السابقة منذ ثلاثة أشهر. تشترك هي ووالدتها وشقيقها الصغير نيلسون (عمره عامين) في غرفة يشغل أغلب مساحتها ثلاثة أسرة معدنية. هناك عدد قليل جداً من الألعاب والجدران عارية. إنه ليس بالمكان الذي يريد أي شخص أن يبقى فيه لفترة طويلة.

The injury to Selma's* hand a result of domestic violence, Bamberg Ankerzentrum, December 10, 2019 | Photo: InfoMigrants/M. MacGregor

ويتعين على السكان في المركز تولي مهام النظافة، لكن يبدو أن ذلك لا يحدث بشكل دائم. فأمام الباب ، تتكدس أكياس القمامة ، وتكتظ مساحة المعيشة بالخردة والمواد غير المستعملة. أما "المطبخ" فهو غير قابل للاستخدام بعد أن أخذ الجنود الأمريكيون كل شيء معهم عندما غادروا المكان في عام 2014.

سيلما* (34 عامًا)، ليس لديها كلمة سيئة تقولها عن مركز الإرساء. تقول مالا التي تعمل كمترجمة لها نقلاً عنها: "لقد أعجبنا المكان هنا". قبل بضعة أشهر فقط، واجهت الأسرة ظروفًا أسوأ بكثير. فرت الأم وابنتها من إيران سيراً على الأقدام بعد تعرضهما للعنف المنزلي. أجبرتا على النوم في العراء ومشاركة حاوية مع أسرة أخرى في معسكر للمهاجرين اليونانيين.

والأسوأ من ذلك كله أنهم وقعوا في فخ المهربين عندما كانوا يعبرون نهر إفروس من تركيا وتم فصل سيلما عن زوجها. وبعد عام، كانت العائلة بأكملها في بافاريا، ولكن في مكانين مختلفين يبعدان عن بعضهما 200 كيلومتر. ما زالوا ينتظرون لم الشمل.

تتمنى سيلما ومالا أن تتمكنا من الإقامة في ألمانيا. تقول مالا:"سنقبل باي شيئ تقدمه لنا حكومة ألمانيا.. لا نريد العودة إلى إيران. نريد فقط البقاء هنا والعمل والدراسة والحصول على حياة جيدة. إذا سمحوا لنا".

يوجد في مركز الإرساء أكثر من 260 إيرانيًا آخرين - وهم أكبر مجموعة من طالبي اللجوء من بين ما يقارب 1200 شخص يقيمون في هذا المركز. يأتي الباقون من أكثر من 20 دولة مختلفة، من بينها روسيا والعراق وجورجيا ونيجيريا وألبانيا وغانا. في كل أسبوع ، يصل حوالي 70 شخصًا في المتوسط، ويغادر الرقم نفسه تقريبا المركز. يتم نقل البعض إلى أماكن إقامة أخرى ، بينما يتم ترحيل آخرين.

في عام 2019 ، بلغ متوسط ​​عمليات الترحيل من مدينة بامبيرغ حوالي ثمانية عمليات في الأسبوع. أكثر من 2630 عملية ترحيل تمت منذ افتتاح مركز استقبال AEO في فرانكونيا العليا، في 15 سبتمبر/أيلول 2015.

Bamberg AnkER-Einrichtung, from left Stefan Krug, Markus Oesterlein, Alexa Buckler, Jürgen Wolf, December 10, 2019 | Photo: InfoMigrants/M. MacGregor

مخطط للبلد

غالبًا ما تم تسمية مراكز الإرساء في بافاريا، وخصوصًا في بامبيرغ، بالـ "مخطط" لما تأمل الحكومة أن يكون عليه الحال بوجود المزيد من هذه المنشآت في جميع أنحاء البلاد. Anchor (AnkER) هي اختصار لكلمات "الوصول ، القرار والتوزيع داخل البلد أو العودة" (باللغة الألمانية: Ankunft، Entscheidung und kommunale Verteilung oder Rückführung).

كانت المراكز جزءًا من الخطة الرئيسية لوزير الداخلية الألماني للهجرة، والتي تم الإعلان عنها في يوليو/تموز 2018. وهناك تسعة مراكز إرساء - سبعة في بافاريا، وواحد في زارلاند وآخر في ساكسونيا. تم التخطيط لافتتاح مركزين آخرين على الأقل أو تم الإعداد لافتتاحهما ولكن تحت مسميات أخرى مختلفة.

يتم تصنيف طالبي اللجوء الذين يصلون ألمانيا ويسجلون في بافاريا وفقًا لنظام توزيع على الولايات الفيدرالية يسمى EASY، والذي يرمز إلى مرحلة التوزيع الأولي لطالبي اللجوء. إذا تم توزيع طالب لجوء لينتقل إلى بافاريا ، فسيحصل على تذكرة قطار إلى أحد مراكز الإرساء السبعة التابعة للدولة أو فروعها. تتراوح مدة الإقامة في المركز ما بين ستة أسابيع إلى 24 شهرًا ، في ظل بقاء تصنيف ووضع "بلدان المنشأ الآمنة" غير واضح إلى أجل غير مسمى.

Security personnel keen to protect their anonymity in Bamberg AEO, main entrance for residents and visitors, December 10, 2019 | Photo: InfoMigrants/Marion MacGregor

كانت فكرة مراكز الإرساء هي جمع كافة السلطات المعنية والمشاركة في عملية اللجوء - وكالات الهجرة والتوظيف والرعاية الاجتماعية والشباب- بالإضافة إلى استيعاب طالبي اللجوء. كما تتواجد أيضاً المنظمات غير الحكومية مثل كاريتاس و Malteser International والصليب الأحمر الألماني في مراكز الإرساء، حيث تقدم المشورة ومجموعة من الخدمات الاجتماعية لطالبي اللجوء. تم إنشاء مراكز تابعة لمنع الاكتظاظ في المنشآت الرئيسية، والتي لا يمكنها استضافة أكثر من 1500 شخص في وقت واحد.

يتم إرسال من رفضت طلبات لجوئهم من مركز الإرساء مباشرةً إلى بلدهم الأصلي ، أو إلى دولة الاتحاد الأوروبي التي تم فيها تعبئة طلب اللجوء بموجب ما يسمى "لائحة دبلن". تنقل ألمانيا العائلات التي لديها أطفال والنساء الحوامل والأشخاص الذين يعانون من ظروف طبية خاصة بموجب نظام دبلن.

وفي الوقت الذي تكون فيه مراكز الإرساء مفتوحة، يتم تسجيل خروج ودخول طالبي اللجوء من قبل موظفي الأمن. إذا تغيب أي شخص عن المركز لمدة أسبوع ، فيمكن إلغاء تسجيله وإعادة تقديمه إلى فرع المكتب الفيدرالي للهجرة واللاجئين (BAMF) في ميونيخ للنظر في وضعه.

كفاءة أكبر

عندما تم إنشاء مراكز الإرساء، وعدت الحكومة بأنها ستسرع من العمليات، بما يعود بالنفع على جميع المعنيين. يقول ستيفان كروغ ، مدير المركز في باميبرغ والذي يتمتع بخبرة طويلة مع طالبي اللجوء، إنه نجح. يقول باقتناع: "فيما يتعلق بالتعاون والكفاءة في العملية، فقد كانت ناجحة". ويضيف ماركوس أوستيرلين  زميل كروغ ومساعد ونائب مدير المركز أنه من الصعب بما فيه الكفاية على الموظف المدني معرفة أي حدود وصلاحيات كل السلطات والجهات الحكومية التي تتعامل مع ملف اللاجئين، وأن هذه كانت الخطوة جاءت لجعل الأمر أكثر بساطة ما يعد خطوة إيجابية.

لكن ليس من الواضح أن الإجراءات أصبحت أسرع. في أكتوبر/تشرين الأول ، أقرت الحكومة أنه في الربع الثاني من عام 2019 ، ارتفع متوسط ​​الوقت اللازم لمعالجة طلبات اللجوء إلى ثلاثة أشهر بعد أن كان 1.3 شهرًا في العام السابق. في بامببرغ ، يبلغ متوسط ​​الوقت الحالي حوالي 4 أشهر. في جميع أنحاء ألمانيا ، في الربع الثاني من عام 2019 ، كان متوسط ​​الوقت اللازم للوصول إلى قرار 4.5 أشهر ، بما في ذلك القضايا المعقدة المرفوعة قبل عام 2017.

Drawings of Bamberg by young asylum seekers, December 10, 2019 | Photo: InfoMigrants/M. MacGregor

يقول توماس بولوين، المدافع الشاب عن طالبي اللجوء والذي يعمل مع مجلس اللاجئين البافاري ومقره في بامبيرغ، إن الادعاء بأن العملية أصبحت أكثر كفاءة هو "أمر فيه الكثير من الهراء". ويقول: "وجود السلطات في مكان واحد لا يجعلها تعمل بشكل أسرع".

لطالما كان مجلس اللاجئين البافاري ينتقد كل جانب من جوانب مراكز الإرساء، بما في ذلك المفهوم ذاته. واحدة من شكاوى المجلس الرئيسية هي أنه لا يُسمح له بالذهاب إلى المركز دون الحصول على إذن صريح من السلطات. يقول بولوين إن هذه استراتيجية مقصودة من جانب الحكومة تهدف إلى ضمان حرمان الأشخاص داخل المركز من الحصول على المشورة القانونية، مما يزيد من احتمال فشل طلبهم للجوء.

يقول مدير المركز في مركز بامبيرغ، يورغن وولف ، إن هذا غير صحيح. مضيفاً انه مع الأخذ في الاعتبار قواعد السكن، يمكن للجميع ، بما في ذلك مجلس اللاجئين ، الوصول إلى المرفق - بحسب قوله. يصر وولف أيضًا على أنه لا توجد نية لإبعاد طالبي اللجوء أو منح وضع الحماية لأقل عدد ممكن منهم، وإنما الهدف هو تسريع لإجراءات الإدارية. يضيف قائلاً: "إن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين BAMF يولي اهتماما لضمان أن يبقى معدل الحصول على الحماية هنا ضمن المعدل المتوسط في ألمانيا ككل".

Men in the Bamberg AEO using the Wifi hotspot, December

لا مستقبل في ألمانيا

يقول ستيفان كروغ مبتسماً: "في اللغة العامية في مدينة بامبيرغ كنا معروفين آنذاك باسم"مركز البلقانيين". في البداية ، حتى حوالي منتصف عام 2016 ، كانت بامبيرغ مرتبطًة بطالبي اللجوء من غرب البلقان مع احتمال ضئيل في حصول من في المركز على وضعية الحماية. في ذلك الوقت، تم تسمية المراكز هنا وفي إنغولشتات / مانشنغ إلى الجنوب بـ ARE (مراكز الوصول والعودة) ، وكان أغلب المقيمين فيها أشخاص قدموا من "بلدان منشأ آمنة" وهي صربيا والبوسنة ومقدونيا والجبل الأسود وألبانيا وكوسوفو . واليوم، فإن العدد الأكبر للاشخاص هو للقادمين من روسيا وإيران والعراق، والتي لا يُعترف بها "كبلدان آمنة"، لكن العديد من المجموعات الأخرى قدمت من بلدان مثل غانا والسنغال ونيجيريا وتواجه الترحيل بموجب لائحة دبلن، ومعظمها سيعاد إلى إيطاليا.

يقول برنس* - وهو نيجيري يبلغ من العمر 26 عامًا - إنه قيل له إن السلطات ستأتي إليه  ليتم ترحيله. وعندما وصلت الشرطة ، لم يتمكنوا من العثور عليه. يقول إنه لا يعرف متى سيعودون ويضيف: "أنا قلق للغاية بشأن ذلك.لا أحد يريد العودة إلى إيطاليا. ولهذا السبب لا يرغب الكثيرون في التواجد في الوقت الذي ستأتي فيه الشرطة ... إنهم يريدون إعادتي. ولهذا السبب أقاوم الترحيل وأركض ".

حقائق بديلة

بالنسبة إلى برنس الذي يقول إنه شاهد الناس يموتون خلال عبور البحر الأبيض المتوسط قادمين من ليبيا وكانوا يتسولون في شوارع إيطاليا وتعرضوا للضرب والتهديد، فإن مركز إرساء باميبرغ سيء للغاية لدرجة أنه لا يوجد شيء في هذا العالم يمكن مقارنته به . يقول: "إن مركز الإرساء يشبه المصحة النفسية حيث يحتفظون بالمرضى.. ويشبه السجن حيث يحتفظون بأشخاص يرتكبون جرائم".

يقول النيجيري إنه أصيب بالاكتئاب والصدمة منذ وصوله إلى هنا قبل عشرة أشهر، ويبدو عليه بوضوح علامات الحزن والاحباط. يشتكي برنس من عنف الشرطة ومضايقات من قبل موظفي الأمن، وسوء العلاج الطبي، وسوء الطعام والبدل النقدي الضئيل (حوالي 100 يورو في الشهر) الذي لا يغطي نفقاته. يقول: "أنا أدفع للمحامي 50 يورو. وادفع لبطاقة الهاتف المحمول 10 يورو شهريًا. وأشتري بطاقة شحن بقيمة 10 يورو. نحن نيجيريون ، نحن لا نأكل هذا الطعام الألماني، نحن نأكل طعامنا الأفريقي. يوجد محل إفريقي واحد في سوق بامبيرغ.. الأشياء هنا مرتفعة الثمن للغاية. "

يقول بولوين: "الناس معزولون عن المجتمع من خلال مراكز الإرساء، وبالتحديد لأنهم لا يستطيعون العمل كما لا يستطيعون العيش في هذه الأماكن القريبة مع بعضهم البعض، ما يجعل الناس على حافة الجنون". يتذكر رجلاً إيرانياً كان في حالة معنوية جيدة عندما وصل. "بعد شهرين كان مصابًا بالاكتئاب وكانوا يصفون المخدرات له كعلاج مثل الحبوب المنومة. اليوم يجلس على الطاولة يستمع إلى الموسيقى.. لقد تأثر عقله".

تعد مشكلة الأمراض العقلية لدى طالبي اللجوء أحد أكبر اهتمامات "ميريام إلسيل" في مراكز الإرساء. يسرد القس، الذي أسس عظة أسبوعية لطالبي اللجوء في بامبيرغ، يمر عليه اليوم عامه الثالث في هذا المكان، ويعدد سلسلة من المشاكل "تؤدي إلى الإصابة بالأرق والاكتئاب والأمراض النفسية والجسدية وتعاطي الكحول والمخدرات والسلوك العدواني ومحاولة الانتحار".

إن المشكلة الأكبر هي غياب الأمل والهدف، وعدم القدرة على العمل، والافتقار إلى الوصول إلى التعليم وهي امور كلها تعتبر صعبة أو مستحيلة. ويبدو أن منتقدي مراكز الإرساء من غير المرجح أن يتم كسب رضاهم بواسطة جهود وولف وفريقه. يقول توماس بولوين إن الحل الوحيد هو إغلاق المراكز.

*تم تغيير الأسماء

ماريون ماكغريغور/ع.ح.

 

للمزيد