جانب من اعتصام اللاجئين السودانيين في لبنان أمام مقر مفوضية اللاجئين في بيروت. مهاجر نيوز
جانب من اعتصام اللاجئين السودانيين في لبنان أمام مقر مفوضية اللاجئين في بيروت. مهاجر نيوز

تتكشف معاناة اللاجئين السودانيين في لبنان عن المزيد من التفاصيل. معظم هؤلاء موجود في لبنان منذ أكثر من 10 سنوات، وحاصل على اعتراف مفوضية اللاجئين به كلاجئ. وفقا للاجئين الذين التقى بهم مهاجر نيوز، هم لا يريدون مساعدات أو أموال، كل ما يطمحون إليه هو أن تنفذ مفوضية اللاجئين وعودها لهم بإعادة توطينهم في بلد آخر.

بعدما أحس اللاجئون السودانيون بفقدان الأمل، بادروا إلى القيام بعدد من الاعتصامات والتظاهرات أمام مقر مفوضية شؤون اللاجئين في بيروت، للمطالبة بتحريك ملفات إعادة توطينهم.

بعض هؤلاء حاصل على صفة لاجئ من المفوضية، ولديه الموافقة على إعادة التوطين منذ عام 2000، لكنهم مازالوا بانتظار شيء يجهلونه تماما.

أعدادهم في لبنان لا تتخطى عتبة 2,500 شخص، مع ذلك يشعرون بإهمال شديد من قبل المفوضية تجاه أوضاعهم.

"واحة الديمقراطية العربية اتضحت أنها سرابا..."

آدم*، لاجئ سوداني في لبنان منذ عام 1997، قال لمهاجر نيوز إن وضعه لم يتغير منذ اللحظة التي حصل فيها على ورقة التعريف من المفوضية، "لم أستلم منهم أي مساعدة. اضطررت للقيام بأعمال لا يتخيلها إنسان لأعيل عائلتي. عندما هربت من السودان بسبب نشاطي السياسي في ذلك الوقت، اعتقدت أن فرصتي الوحيدة ستكون باللجوء إلى لبنان، واحة الديمقراطية كما كنا نسميها، وطلب اللجوء وإعادة التوطين عبر مفوضية اللاجئين من هنا".

ببسمة صفراء يتابع آدم حديثه "واحة الديمقراطية العربية اتضحت أنها سرابا بالنسبة لي. العنصرية وسوء المعاملة باتا من تفاصيل يومياتي هنا. لا يمر يوم واحد دون أن أتعرض للإهانة أمام عائلتي إما بسبب لون بشرتي أو لهجتي... أما صدر اللاجئين الحنون، المفوضية، فلم تكن سوى أداة لتسكين همومنا ومطالبنا بالعيش الكريم".

ينتظر اللاجئون السودانيون في لبنان حلا، لم ييأسوا أو يكلوا من المطالبة بما هو "حق مشروع" بالنسبة لهم. معظم هؤلاء لديه قصة في السودان متعلقة إما بمعارضته للنظام السابق أو تعرضه للاضطهاد هناك نتيجة انتمائه لإحدى الأقليات المتعددة المنتشرة في البلاد.

"التوطين والسفر حق مشروع، وكذلك الحياة الكريمة والسكن والغذاء والطبابة"، لافتة رفعها لاجئون سودانيون أثنا اعتصامهم أمام مقر مفوضية اللاجئين في بيروت. مهاجر نيوز

"تم ترحيل زوجي إلى السودان ليلاقي حتفه هناك"

ليلى*، لاجئة سودانية في لبنان منذ 12 عاما. وصلت وزوجها وولديها هربا من إحدى مدن ولاية النيل الأزرق. حدثتنا ليلى عن أهوال اضطرت لمعايشتها خلال طفولتها ناجمة عن اضطهاد عائلتها كونها تنتمي لأقلية معينة هناك. "أبي وأخي قتلا أمام أعيننا ولم نستطع مساعدتهما. كان عمري حينها 10 أعوام. بعد أن تزوجت، ارتأيت وزوجي الهرب والمجيء إلى لبنان. لم أكن أتخيل أنني سأمر بنفس التجارب التي هربت منها. لحظة وصولنا إلى لبنان طلبنا اللجوء لدى المفوضية، الأمور كانت تسير على ما يرام إلى أن أوقف زوجي على أحد حواجز الشرطة في بيروت بحجة دخوله البلاد خلسة. توسلنا للضابط بأننا شرعيين وأن أوراقنا في المنزل ولكنه لم يستجب. بعد طول عناء تم ترحيل زوجي إلى السودان. قال لهم إن حياته بخطر وإنه سيقتل هناك على الفور دون فائدة. لم أتمكن من وداعه، أرسلوه إلى السودان ليلاقي حتفه هناك بعد يومين من وصوله، ويتركني وحيدة أربي طفلي في بلد غريب".

بالنسبة لليلى المفوضية كيان ضبابي، شبح، لا فائدة مباشرة منها. "منذ أن سجلت طلبي لدى المفوضية لم أستلم أي نوع من المساعدة. مع علمهم بوضعي وحاجتي. أنت تعلم في تلك الظروف كيف سيتم التعامل مع أرملة شابة وحيدة مع طفلين صغيرين. مرت علينا أيام جهنمية. الآن ولداي كبرا، يتحدثان اللهجة اللبنانية، لا يعرفان شيئا عن السودان سوى أن والدهما مدفون فيه في مكان يجهلانه".

"قصتي ليست فريدة من نوعها، هناك العشرات من النساء السودانيات والإثيوبيات والأريتريات غيري ممن مروا بنفس التجربة، ولكن لا أحد يعلم عنا، ربما لأن مآسي الأفارقة غير مهمة للرجل الأبيض، ربما يعتبرونا أشخاصا من درجة أدنى".

جانب من الاعتصام أمام مقر مفوضية اللاجئين في بيروت. مهاجر نيوز

تدخل بشؤون الجالية!

لا يشغل بال معظم السودانيين الذين التقى بهم مهاجر نيوز سوى شأن واحد، مستقبل أولادهم. فبالنسبة لمعظمهم، أولادهم كبروا وتعلموا هناك، ولا يعرفون بلدا آخر، حتى أنهم يتحدثون باللهجة اللبنانية العامية. مع ذلك هم غرباء، لا يشعرون بالانتماء لذلك البلد. يوضح آدم "لست صغيرا بالعمر، أعترف أن الحياة هزمتني. ولكن ابنتي مازالت شابة، كبرت هنا، أريدها أن تعيش في مكان يقدر الكرامة الإنسانية. من أجلها سأقاتل حتى الرمق الأخير لأوفر لها ما لم أستطعه لنفسي".

أما بالنسبة لعلاقتهم الحالية مع المفوضية، فأغلبية السودانيين غير راضين بتاتا عن أداء المنظمة الأممية تجاههم. حتى أنه وصل الأمر ببعضهم لاتهام موظفين فيها بالتدخل بشؤون الجالية السودانية والعمل على تشتيتها. 

ويسرد اللاجئ سلسلة من الأحداث والوقائع، وافقه عليها معظم السودانيين الآخرين المتواجدين في الغرفة، تبين، من وجهة نظرهم، تدخلا في شؤون الجالية لضرب تحركاتها ومنعها من القيام بأي عمل احتجاجي. "كان حراكنا في لبنان جامعا لكل السودانيين... المفوضية نفسها تدخلت بالحراك، موظفون هناك غذوا نعرات التقسيم الطائفية والمذهبية والعرقية والمناطقية، فما عدنا سودانيين، بتنا دارفور ونوبة وعرب... موظفون في المفوضية زاروا عائلات سودانية محددة من ديانات محددة، عززوا لديهم الشعور بالمظلومية وبأن السودانيين الآخرين ضدهم. نقلوا الصراعات الطائفية اللبنانية إلينا".

وعود لا تنتهي

رامي، لاجئ من شمال السودان وصل إلى لبنان قبل 16 عاما. شارك بكافة الاعتصامات والتحركات أمام المفوضية، قال لمهاجر نيوز "لا أتوقع منهم شيئا، فبين آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر الماضيين، أقمنا اعتصاما مفتوحا أمام المفوضية. كنا أكثر من 200 شخص، أطفال ونساء وكبار في السن، جميعنا على الطريق نطالب بحل لمشكلتنا. أسبوعان من الاعتصام لم يتعن أي مسؤول من المفوضية للقائنا. في النهاية جاء مدير برنامج الحماية في المفوضية مع تعزيزات من شرطة البلدية. المسؤول اجتمع مع أحد المسؤولين حينها عن الاعتصام وأقنعه بجملة من الوعود من ضمنها المباشرة بالبت بملفاتنا منذ اليوم التالي، نقلها لنا لاحقا وأرفقها بشرط فك الاعتصام، وهذا ما حصل".

الوعود التي حصل عليها المعتصمون حينها تضاف إلى سلسلة طويلة من الوعود التي تعهدت بها المفوضية للاجئين الأفارقة في لبنان على مدى السنوات الماضية، وخصوصا الحصول على إعادة توطين في بلد جديد.

يقول رامي "نحن السودانيين في لبنان عددنا ليس كبيرا... كل ما نريده هو أن تتم معاملتنا كباقي اللاجئين، كالسوريين مثلا. نحن من أكثر فئات اللاجئين تهميشا هنا، نتعرض للعنصرية في المفوضية وفي الشارع. كل ما نريده هو نهاية لحياة العذاب هذه التي نعيشها".

 

للمزيد