ليث في إحدى حدائق لندن
ليث في إحدى حدائق لندن

ليث، طبيب يمني خرج من بلده على أمل العودة إليه سريعا بعد أن تهدأ الاوضاع، لكنه لم يمض طويلا قبل أن يجد واقعا مغايرا، ويستقر في لندن. تقلّبات عديدة مر بها الشاب الثلاثيني أثناء رحلته، ليقع أخيرا بحب فتاة "قلبت عالمه رأسا على عقب"، بحسب تعبيره. (الجزء الأول)

اسمي ليث (30 عاما) ولم أفكر بيوم أنني سأترك صنعاء، حتى بعد أن اجتاحها الحوثيون وسيطروا على كل ما فيها.

في كل خطوة منذ ثورة عام 2011 ضد حكومة علي عبدالله صالح، وككثير من الشباب، كان لدي أمل بحياة سياسية واجتماعية أفضل، وكلما ساءت الأوضاع كلما حاولت البحث عن بصيص أمل.

خرجت من اليمن وأنا غير مدرك أنني فعلياً "هربت".

تخرجت من كلية الطب في نهاية عام 2014 وعملت في المستشفى الميداني هناك وفي الأمانة العام للحوار الوطني اليمني. حاولت وكثير من الرفاق الترويج لمخرجات المؤتمر الوطني. وبقيت مصرّاً على أهمية الأمر، حتى بعد أن اجتاح الحوثيون صنعاء، وبدأ قصف قوات التحالف وتبينت مصالح جميع القوى السياسية والإقليمية في هذه البقعة من الأرض التي تسمى اليمن.

ذات يوم من عام 2015، كنت في السنة الثانية من عملي كمعيد في قسم الأنسجة والتشريح. وصلت صباحاً إلى الكلية لأراها باتت غارقة باللون الأخضر الذي كان ينسب للحوثيين.

تصبّحت بلافتات شوهت المبنى وكتب عليها "يجب الانتقام من الخونة". تأذيت من واقع أغرق فيه الحوثيون الكلية بالفوضى ولم أستطع فعل شيء.

بالنسبة للحوثيين كنت شخصا خائنا، فأقوالي لا تصب في مصالحهم وأخي قتل على يدهم. هذا الأمر، ومشاهد أخرى بسطوا خلالها سلطتهم المتخلفة، دفعتني للتفكير في حل مؤقت، وهو الخروج من اليمن بهدف الدراسة ومن ثم العودة حينما تصبح الاجواء أقل توتراً.

قدمت على منحة في مدينة بون الالمانية، وأخرى تسمى "تشيفنينغ" في لندن، وثالثة ألمانية في القاهرة. قُبلت في بون وفي لندن وبالنسبة لي كان الخيار سهلاً، سنة واحدة في لندن وبعدها تكون الاوضاع قد هدأت في اليمن، فأعود.

المطارات مقفلة والفيزا غير مضمونة

الحصول على فيزا مضمونة هي رحلة بحد ذاتها، وخاصة إن كنت تعيش في اليمن.

اضطرني أمر الحصول على فيزا السفر إلى عمّان، ولتحقيق ذلك كان علي ركوب الطائرة. لم يكن لدي من خيار سوى مطار "سيئون" في حضرموت، فمطار صنعاء مقفل، ومطارعدن خاضع لفصائل مدعومة من دولة الإمارات ومقفل أيضاً. 

قلت في نفسي، من "سيئون" سأغادر، وكان علي الحصول على تذاكر. عملت أياماً متتالية بهدف الحصول على تذكرة، إلى أن استطعت الحصول على واحدة، وبين ليلة وضحاها كنت قد اختفيت تماما..

"لم أخبر أحداً في الجامعة أو في العمل أنني ذاهب"

لا وسيلة للوصول إلى "سيئون" إلا بالحافلة.

هي رحلة يجب خوضها على مسؤوليتي الخاصة.

 قبلت، وركبت الحافلة لساعات. 

كان الأمر مخيفاً فالمعارك محتدمة. مررت ومن معي عبر حواجز للحوثيين ومن ثم أخرى تابعة للحكومة الشرعية وبعدها ثالثة تابعة لـ"القاعدة" حتى وصلنا إلى وجهتنا وطرنا إلى عمان. 

هبطت الطائرة، ولأول مرة في حياتي أدركت أنني خرجت من اليمن. لم أمكث هناك طويلاً فسرعان ما حصلت على التأشيرة ومن هناك غادرت إلى لندن. 

"مرحبا، أريد موعداً لتقديم اللجوء"

وصلت إلى لندن، وبدأت دراسة الماجستير في علم الأعصاب في جامعة "كينغز كوليج". كانت الأوضاع في اليمن وعلى عكس توقعاتي تسوء يوماً بعد يوم.

ولكن مع ذلك كنت أعامل الموضوع اليمني بشكل مختلف عما يحصل في ليبيا وفي مدن أخرى وحتى ذاك الوقت لم أفكر باللجوء.

مع مرور الأيام بدأ يخنقني الواقع في اليمن، وددت العودة ولكن للأسف علمت أنه لن يسعني ذلك قط وكانت صدمة.

عرفت أن صديقا عملت معه تم اغتياله وآخر خطف. كنت أسأل نفسي مرارا ما الذي فعلته بالضبط؟ لماذا جئت وليس هنالك سبيل للعودة؟ 

تزاحمت الأفكار في رأسي، هل أنتقل إلى كندا للعمل مثلاً أو إلى فيينا للدراسة؟

تقلصت الحلول في رأسي ولم يكُن لدي سوى أشهر قلائل حتى تنتهي إقامتي. 

 جلست في غرفتي الضيقة، أدخلت رقماً مخصصاً كنت وجدته على الإنترنت "مرحبا، أريد موعداً لتقديم اللجوء".

12 تشرين الأول/أكتوبر 2017 كان الموعد لتسليم الأوراق المطلوبة. ذهبت وأنا أشعر بالغصة، فالواقع غلبني. 

كل شيء بات واضحاً

في يوم 2 كانون الأول 2018 وبينما كنت أنتظر رداً على طلب اللجوء، وبعد أن بدأت بالتعايش أكثر مع فكرة أنني لن أعود في القريب العاجل، وأنني ربما أغّير لندن وأنتقل إلى بلد آخر.

اتصلت بي صديقة دعتني إلى منزلها لتوديعها قبل أن تسافر. ذهبت بقصد رؤية صديقتي والترويح عن نفسي.

وصلت.. ولمحت هناك فتاة لا أعرفها. تمعنت في وجهها، وحينها بات كل شيء حولي أكثر هدوءا.

كنت وحيداً في لندن. صحيح أن لدي زملاء وأنني أعرف أشخاصاً كثر ولكن طوال تلك الفترة لم أشعر بأي دفء ولم أفكر أن هذا البلد سيكون كوطن لي.

انقلب عالمي رأسا على عقب حينما رأيت يارا وامتدت أحاديثنا بعد أول لقاء. 

تتالت لقاءاتنا وبتنا أكثر قربا. يارا فهمت ما أعانيه بالضبط لأنها ابنة لاجئ سياسي عراقي، حمل جواز سفر يمني في الثمانينيات وقدم اللجوء في لندن.

ساعدتني كثيراً وشعرت بأن لدي عائلة في هذا المكان. حتى أني وودت الحصول على حق اللجوء والبقاء في لندن وليس في أي دولة أخرى، كي نبقى سوياً وهذا ما حصل.

أصبحت يارا وطني. طلبت يدها للزواج.. فوافقت.


لمتابعة الجزء الثاني:

"ليس المهم كيف ولكن المهم أننا التقينا"

 

للمزيد