خلال إحدى الزيارات لأحد المخيمات في منطقة البقاع الحدودية. المصدر: أطباء بلا حدود
خلال إحدى الزيارات لأحد المخيمات في منطقة البقاع الحدودية. المصدر: أطباء بلا حدود

مع تدفق اللاجئين السوريين على لبنان نتيجة الحرب، برزت الحاجة إلى تأسيس بنية تحتية طبية تستجيب لاحتياجاتهم المتنامية. منظمة "أطباء بلا حدود" سعت إلى ملئ تلك الحاجة عبر طواقمها العاملة في لبنان، حيث توفر خدمات رعاية طبية أولية مجانية وخدمات الصحة الإنجابية ودعم الصحة النفسية وأنشطة توعية صحية.

مع بدء تدفق اللاجئين السوريين إلى لبنان عقب اندلاع الحرب في بلادهم، برزت أسماء عدد من الجنعيات والمنظمات الإنسانية الدولية، التي سرعان ما اكتسبت ثقة هؤلاء اللاجئين، فضلا عن ثقة اللبنانيين أنفسهم.

إحدى تلك المنظمات "أطباء بلا حدود"، التي بدأت العمل في لبنان خلال سبعينيات القرن الماضي، أثناء استعار الحرب الأهلية هناك.

للمنظمة في لبنان 13 عيادة طبية ومستشفيان كبيران مخصصان لإجراء العمليات الجراحية المعقدة. وتتوزع عياداتها ومراكزها على كافة مساحة الأراضي اللبنانية، ولكن لعل أهم ما في ذلك التوزيع هو اختيار المناطق التي تعمل من خلالها المنظمة.

مخيمات اللاجئين الفلسطينيين

فمثلا، لدى المنظمة في مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين جنوب بيروت، تقدم المنظمة الرعاية الطبية الأساسية إضافة إلى علاج الأمراض المزمنة وخدمات دعم الصحة النفسية لكافة المحتاجين، ومركزاً صحياً للنساء يجري ما يقارب 250 عملية ولادة شهريا. ويتمّ التركيز بشكلٍ خاص على اللاجئين غير المسجلين الذين لا يحصلون على المساعدات الرسمية، واللاجئين المسجلين الذين يحتاجون إلى رعايةٍ طبيةٍ خاصة لا تشملها معايير المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.



وفقا لناطق باسم المنظمة في لبنان، "هناك الكثير من الاحتياجات في ذلك المخيم. أولا، المخيم يعد من المناطق الأفقر المحاذية للعاصمة، ونسبة من هم بحاجة للمساعدة هناك مرتفعة جدا. كما أن اللجوء السوري إلى شاتيلا كبير جدا، حيث بات السوريون أكثر بكثير من الفلسطينيين، يضاف إليهم الفقراء اللبنانيون الذين يقطنون المخيم أو المناطق المحاذية له، فضلا عن فقراء من جنسيات أخرى.

وكان المخيم قد شُيّد لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين عام 1949، ليستقبل الآن المزيد من اللاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا من سوريا وعدداً من اللاجئين السوريين.

مستشفى مخصص للولادات

تدير المنظمة أيضا مركزا للولادة داخل حرم مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت، حيث تقوم بالولادات الطبيعية حصرًا، ويدار المركز كليًا من قبل المنظمة.

"كافة الأطباء العاملين معنا في لبنان هم لبنانيون"، يقول المسؤول، "كون القانون اللبناني لا يسمح لغير المواطنين بمزاولة تلك المهنة. هناك أطباء متطوعون أجانب، ولكنهم يعملون ضمن الفرق الإدارية وبرامج تبادل الخبرات والإشراف".

ويقوم المستشفى باعتماد نموذج القبالة، أي خدمات الولادات الطبيعية عالية الجودة والمجانية للنساء الحوامل، بغض النظر عن جنسياتهن أو وضعهن الإداري أو حالة التسجيل.

كما يشكل المستشفى منصّة لتدريب قابلات قانونيات، عن طريق النموذج الذي يتبعه.


مركز متخصص لعلاج مرضى التلاسيميا

وأوضح الناطق باسم أطباء بلا حدود أن لدى أطباء بلا حدود مركز خاص بعلاج مرضى التلاسيميا في زحلة في البقاع، "يتم تحويل كافة مرضى التلاسيميا من كل لبنان إلى ذلك المركز. حاليا يستفيد من العلاج هناك بشكل عام السوريين، كون الدولة اللبنانية تغطي علاج التلاسيميا لمواطنيها، وبالتالي ليس هناك حاجة لخدماتنا للبنانيين".

وأضاف "نستقبل في عياداتنا الجميع، من كافة الجنسيات، لا نميز بين أحد. إلا أننا نضطر لاعتماد مفهوم المناطقية، بمعنى أن من يقطنون في طرابلس مثلا، لا يمكنهم الحصول على العلاج في بيروت، وذلك لحفظ الموارد في كل منطقة لأهلها، إضافة إلى تخفيف الضغط عن مراكز معينة".

للمزيد: رغم الواقع "الصعب".. مبادرات تزرع البسمة على وجوه الأطفال السوريين في لبنان

بالإجمال، ووفقا لبيانات المنظمة، فإن نسب الأمراض المزمنة كالسكري والضغط والأمراض المقترنة بصحة القلب، إلى ارتفاع دائم. وفي أغلب الأحيان ذلك ناتج عن سوء التغذية. فمعظم اللاجئين ممن يعتمدون على مساعدة مفوضية اللاجئين المادية، لا تكفيهم تلك المساعدة، فيضطرون للتقنين بشراء بعض الأطعمة الضرورية كالخضار واللحوم، ويستعيضون عنها بالمعكرونة والأطعمة المعلبة.

وتسعى المنظمة الدولية إلى توسيع نطاق عمل برامجها ليشمل فئات لا تعتبر من اللاجئين، كالعاملات المنزليات.

"نعمل على إطلاق مشروع جديد يستهدف العاملات الأجنبيات في لبنان، المشروع يشمل إقامة مركز صحي لتوفير تلك الخدمة مجانا لهذه الفئة التي تعيش في لبنان، وقد لا تتمكن في كثير من الأحيان من الحصول على الخدمات الطبية الطارئة".

الصحة النفسية

وفقا لبيانات المنظمة، فإن نشاطها في لبنان محصورا بالخدمات الصحية والطبية. ونتيجة للظروف المعقدة التي يمر بها اللاجئون هناك، خاصة السوريين، أولت المنظمة اهتماما لبرامج الصحة النفسية الخاصة بهم.

"أغلب الحالات النفسية للراشدين الذين نعاينهم في مراكزنا تعاني من القلق والإحباط. ففي نهاية الأمر، هؤلاء يعيشون في مخيمات منذ نحو تسع سنوات، دون أن يكون لديهم الحد الأدنى من البنى التحتية أو الأمان. يعيشون بقلق دائم ومزمن على مستقبل أطفالهم".


ويورد المسؤول "أما بالنسبة للأطفال، في السابق كنا نعاين الكثير من حالات الصدمات الناتجة عما شاهدوه خلال الحرب في بلادهم، تحولت مع الوقت إلى حالات إحباط وقلق أيضا، نتيجة الظروف المعيشية التي تحيط بهم...حوالي 30% ممن يستفيدون من خدماتنا الصحية والنفسية في لبنان هم من الأطفال".

كما الأطفال، أولت المنظمة اهتماما بالنساء اللاجئات، كونهن والأطفال الفئات الأكثر عرضة أثناء الحروب. فأنشأت مراكز تقدم برامج خاصة للدعم النفسي والتثقيف والتنظيم الأسري لتلك النسوة. وظيفة تلك المراكز هي إفساح المجال أمام اللاجئات للتعبير عن مكنوناتهن بحرية، لتتمكن بعدها فرق العمال الاجتماعيين من تحديد احتياجات تلك النسوة.

معاينة 1000 حالة يوميا

وشدد على أن كافة الخدمات التي تقدمها المنظمة للاجئين وغيرهم في لبنان مجانية، بما في ذلك الأدوية التي يضطر المرضى من هؤلاء تناولها.

للمزيد: اللاجئون الفلسطينيون الشباب في لبنان ضحايا عصابات تهريب البشر

وحول العلاقة مع مفوضية اللاجئين، كونها الداعم الأكبر للاجئين في لبنان، قال "نحن ننسق بعض أوجه عملنا ومشاريعنا مع المفوضية، ولكننا لا نعمل سويا بشكل مباشر. المفوضية هي الداعم الأكبر للاجئين في لبنان".

وحول نسب الأشخاص المستفيدين من خدمات أطباء بلا حدود، قال فواز "عام 2018 عالجنا حوالي 1000 حالة يوميا على مستوى لبنان. هناك عيادات مضغوطة أكثر من أخرى. نصف هؤلاء المحتاجين أطفال، وربع منهم حوامل، والربع الأخير – مرضى مصابين بأمراض معدية".

 

للمزيد